سياسةمختارات

شبكات السر والعلانية.. بريطانيا التي لا يغرب عنها الإسلاميون

 

في الأربعينات من القرن الماضي، وبينما كانت بريطانيا، التي عُرفت باسم الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، تبسط نفوذها على شبه القارة الهندية، تشكلت أول شبكة إسلامية داخل المستعمرات البريطانية على يد أبي الأعلى المودودي (1903-1979) وهو الأب الروحي للجماعة الإسلامية الباكستانية. وبمرور الوقت، تمكنت تيارات الإسلام الحركي في إنشاء شبكات ومجموعات عديدة في داخل المملكة المتحدة.

بدت بريطانيا وجهة مغرية للحركات الإسلامية التي تغلغلت داخل المجتمع وأنشأت شبكات لها في مجالات الأعمال الخيرية، والتعليم، والصحافة والإعلام، والثقافة، والسياسية، وغيرها، لكن كل تلك الشبكات ارتبطت بمصدرين أساسيين هما “الجماعة الإسلامية الباكستانية”، و”جماعة الإخوان المسلمين” التي أنشأها حسن البنا داخل مصر عام 1928.

بحلول العقد السادس من القرن العشرين، بدأت الحركات الإسلامية في اتخاذ خطوات أكثر تنظيمًا داخل الحدود البريطانية، عبر إنشاء جمعية الطلبة المسلمين عام 1961، ومنذ ذلك الحين توالت الجمعيات والمؤسسات التي تعمل بإشراف وتوجيه ودعم مباشر من تيار “الإسلام السياسي” حتى أصبحت اليوم تدير قطاعًا واسعًا من الأنشطة.

حاول المركز الدولي لدراسة الراديكالية، التابع لقسم دراسات الحرب بجامعة “كينجز كوليدج” البريطانية، تقديم صورة مفصلة عن الحركة الإسلامية في بريطانيا، عبر دراسة جديدة أصدرها خلال الأسابيع الماضية، وتضمنت 4 محاور رئيسة، تركز على تاريخ نشأة تلك الحركات في المملكة المتحدة، ومعتقداتها وأيديولوجيتها، إضافة إلى شبكاتها التنظيمية، والحملات الرئيسة التي نظمتها على مدار السنوات الماضية.

حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان

محورية “الإخوان” في الشبكات الإسلامية في بريطانيا

تعتبر جماعة الإخوان أكثر جماعات الإسلام السياسي انتشارًا في بريطانيا، ويُنسب إليها على نحو مباشر تأسيس الشبكات المعقدة والجمعيات المختلفة هناك. وتدير الجماعة عبر أذرعها الأخطبوطية، وعلى رأسها الإرسالية الإسلامية في المملكة المتحدة، عشرات المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية.

ووفقًا للدراسة، فإن عددًا من الجمعيات المرتبطة بالإخوان، تسهم في دعم الحركات الإسلامية في بريطانيا وخارجها، ورغم أنها تركز جهدها الأساسي على العمل في داخل البلاد، فإن بعضها يتخطى فكرة القومية، ويتجه لدعم تلك الحركات في أنحاء العالم.

وتنشط عشرات من الجمعيات والمراكز التابعة للحركات الإسلامية في بريطانيا، أبرزها اتحاد المنظمات الإسلامية، والمجلس الأوروبي للفتوى الذي أسسه المنظّر الإخواني يوسف القرضاوي، ومؤسسة قرطبة للحوار بلندن، والمجلس الإسلامي البريطاني، ومركز المسلم بلندن، والرابطة الإسلامية في بريطانيا، واتحاد طلاب المجتمعات الإسلامية، والمنتدى الإسلامي الأوروبي، ومجلس الشريعة الإسلامية، إضافةً إلى دار الرعاية الإسلامية بلندن، وصندوق التعليم الإسلامي.

شعار جماعة الإخوان الإرهابية

الضبابية التنظيمية

ومع أنه من الممكن معرفة الخريطة العامة للحركات الإسلامية في بريطانيا، يظل الوصول إلى تحديد دقيق لتلك الجماعات وقيادتها أمرًا معقدًا، بسبب حالة الضبابية التنظيمية التي تعمل في إطارها، فتلك القيادات تتغير كل عدة أعوام، وتبقى سيرهم الذاتية وحتى أسماؤهم غير معلومة على وجه الدقة، بسبب التغيير في صياغتها اللغوية بين لغات ثلاث، هي العربية والأردية والإنجليزية.

توقف بعض الجمعيات، كالمجلس الإسلامي في بريطانيا، عن نشر أي بيانات عن هيكله التنظيمي والإداري منذ عام 2018، على خلفية الحملة الحكومية للتدقيق في أنشطة الإخوان في المملكة المتحدة. ويبدو أن تلك الخطوة مرتبطة بمحاولة إبقائها غير معروفة إلى حد كبير، في تطبيق للمبدأ الإخواني الشهير: “علانية الدعوة وسرية التنظيم”.

ومن ضمن أبرز القيادات التنظيمية التي أشارت لها الدراسة، أنس التكريتي (عراقي الأصل) مؤسس جمعية قرطبة للحوار بلندن، ورغدة التكريتي، شقيقته، والرئيس الحالية للرابطة الإسلامية في بريطانيا، وأحمد الراوي (عراقي الأصل) وهو رئيس سابق لاتحاد المنظمات الإسلامية، وهيثم الحداد (فلسطيني الأصل) رئيس منظمة البحوث والتنمية الإسلامية، وعزام التميمي (فلسطيني الأصل) وهو عضو بارز بالرابطة الإسلامية في بريطانيا وعضو مجلس إدارة قناة الحوار الفضائية، المحسوبة على الإخوان، إضافة إلى كمال الهلباوي المتحدث السابق للإخوان في الغرب.

رغد التكريتي

وتعمل الحركات بطريقة عنقودية بالكامل، وتوجد روابط عنكبوتية متشابكة بين الجمعيات والمراكز الإسلامية المختلفة، خاصة تلك التي تملكها وتديرها جماعة الإخوان، مثل اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، والذي يرتبط أيضًا بروابط دولية مع الجمعيات الإسلامية الأخرى في الولايات المتحدة وأوروبا.

وفي هذا الإطار، يبرز اسم قطر وذراعها، جمعية قطر الخيرية، والتي تعد الممول الأساسي لأنشطة ومشروعات جماعة الإخوان في أوروبا، في حين تلعب تركيا دورًا أقل من قطر في دعم الحركات الإسلامية في بريطانيا.

الدعم القطري

تشير دراسة “كينجز كوليدج” مباشرة إلى علاقة قطر الوثيقة بالحركات الإسلامية في أوروبا، حيث يعد النظام القطري الداعم الأول لمشروع نشر الإسلام السياسي في أوروبا عبر التمويلات التي يقدمها عن طريق جمعية قطر الخيرية.

أمير قطر يقبل القرضاوي

واستندت الدراسة إلى كتاب “أوراق قطر.. كيف تمول الإمارة الشبكات الإسلامية في فرنسا وأوروبا؟” والذي أعده صحفيا التحقيقات الفرنسيان جورج مالبرونو وكريستيان شينو، وتضمن نحو 140 وثيقة تحوي تفاصيل عن تحويلات قطر المالية التي استُخدمت في دعم وتأسيس مشروعات الإخوان في القارة العجوز، ووصلت تلك الأموال وفقًا للكتاب إلى نحو 72 مليون يورو.

وتملك “قطر الخيرية” مكاتب ومشروعات في نحو 80 دولة في قارات أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتعمل جميعها تحت ستار العمل الإغاثي والخيري، لكنها تُتَّهم بدعم الإرهاب وتمويل هجمات تنظيم القاعدة، وعلى رأسها التفجيرات التي استهدفت مقرّي سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، ودعم “الجبهة الإسلامية السورية”، وهي تشكيل ضم عددًا من الفصائل الجهادية المسلحة التي كانت تحارب ضد الحكومة والجيش في سوريا عام 2012، إضافة إلى تمويل الحركات الإرهابية في مالي، وفقًا لتقارير سابقة أصدرتها الاستخبارات الفرنسية.

العلاقات والروابط مع تركيا

تلعب تركيا دورًا محوريًّا في دعم وتوجيه الحركات الإسلامية في بريطانيا وغيرها من دول أوروبا، وتأتي في المرتبة الثانية بعد قطر من حيث دعم هذه الحركات، التي يملك النظام التركي شبكات علاقات دولية معها، وتتشابك تلك الروابط مع مجموعات دعم حركة حماس الفلسطينية في قطاع غزة.

وعمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على توجيه عدة حملات لدعم حركة حماس، خاصةً مع وجود أرضية مشتركة بينه وبين الحركة ترتكز على انتمائهما الأيديولوجي إلى جماعة الإخوان، إضافةً إلى سعيه لإحياء وبعث مشروع “الإمبراطورية العثمانية”.

أردوغان يلتقي قادة حركة حماس

وتحولت تركيا منذ عام 2006 إلى مركز رئيس للتنظيم العالمي لجماعة الإخوان، وتوافد عليها منذ ذلك الحين العديد من رموز الجماعة البارزين مثل يوسف القرضاوي، وعقدت الجماعة مؤتمرات في 2013 لدعم فرعها في مصر، عقب الإطاحة بحكم الرئيس المعزول محمد مرسي عبر حراك 30 يونيو/حزيران الشعبي.

ونظم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (المدعوم قَطريًّا) مؤتمره الخامس في إسطنبول عام 2017، وعقد أيضًا مؤتمرًا آخر لدعم وشكر الرئيس التركي بسبب إدانته وانتقاده لإصدار الشرطة الدولية (الإنتربول) مذكرة اعتقال بحق القرضاوي في 2016.

شبكات تنظيمية عابرة للعرقيات

وتتداخل الحركات الإسلامية في بريطانيا إلى حد كبير، بصرف النظر عن العرقيات أو الإثنيات هناك، وتبرز في هذا الشأن عدة مجموعات غير مرتبطة على نحو أساسي بالجماعة الإسلامية الباكستانية (شبه القارة الهندية) أو جماعة الإخوان في الدول العربية، إلا أن كل الحركات تتعاون في ما بينها، باعتبار أنها تعمل في إطار أيديولوجي واحد، تتداخل فيه الروابط بين المراكز والجمعيات والأفراد لخدمة مصالحها.

وتشارك المراكز الإسلامية والجمعيات في حملات منسقة لإقامة الأنشطة وجمع التبرعات وغيرها، رغم أن مديريها ينحدرون من أصول وعرقيات مختلفة، وهو ما عبر عنه أحسن مانزير، مدير المؤسسة الإسلامية في بريطانيا بقوله: “ننتمي إلى شبكة عالمية لا تقتصر على الجماعة الإسلامية أو الإخوان أو حزب الرفاه التركي، لكننا جميعًا أصدقاء وحلفاء”.

 

 

أحمد سلطان

باحث مصري

يوليانة أكرم

باحثة مصرية مساعدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى