دراسات وتحليلات

شبكات القوة: كيف تغلغلت قوات الحشد الشعبي داخل الدولة العراقية؟

تعتبر قوات الحشد الشعبي أحد أهم اللاعبين السياسيين والعسكريين في العراق، خلال العقد الأخير، حيث توحّدت تلك القوات وسمحت بانضمام العديد من العراقيين للقتال ضد تنظيم داعش والذي استولى على ما يقرب من ثلث أراضي العراق واقترب من بغداد في 2014.

وفي خضم ذلك السقوط، أصدر “آية الله علي السيستاني” فتوى تدعو الرجال للانضمام لقوات الأمن العراقية، ولكن اصطف الآلاف منهم للانضمام إلى جماعات مسلحة يغلب عليها المذهب الشيعي، وأعلن رئيس الوزراء حينها “نور المالكي” إضفاء الطابع المؤسسي لتلك الجماعات ودمجها ضمن المؤسسة الأمنية العراقية عام 2015.

وكان للنجاح الذي وصلت إليه قوات الحشد الشعبي وتطهير الأراضي العراقية بشكل كبير من سيطرة داعش، صدى في الانتخابات البرلمانية عام 2018، حيث ترجمت الجماعات المُكوِّنة لقوات الحشد نفوذها الأمني إلى نفوذ اجتماعي وسياسي، وذلك بتكوين قوائم انتخابية تنافس بها للحصول على مقاعد في الحكومة العراقية.

التشابك الحاصل بين هوية تلك الجماعات كمجموعات مسلحة لها كيانات سياسية تشارك في صناعة القرار العراقي المحلي والدولي، وكيانات اجتماعية تخدم المجتمع العراقي ويعتمد عليها المواطن العراقي في كثير من الأحيان، أدى إلى فساد استعصى معه أي محاولة من محاولات الإصلاح الداخلي.

ومن ثَمَّ تحاول الورقة البحثية المنشورة على موقع “معهد تشاتام هاوس” تحت عنوان “شبكات القوة: الحشد الشعبي والدولة في العراق”، طرح زاوية رؤية مختلفة لشكل وطبيعة قوات الحشد الشعبي، تصل بها إلى نهج بعيد عن النهج الأمني لتحقيق الإصلاح السياسي في العراق.

الحشد الشعبي
أنصار من الحشد الشعبي

مدخل جديد لفهم طبيعة قوات الحشد الشعبي

لتعميق فهم طبيعة قوات الحشد الشعبي، لا يجب النظر إليها كجماعة واحدة أو مجرد وكيل عن إيران أو مجموعة جامعة للقوى القائمة على نظام ديني. فبعد عام 2014 وانضمام العديد من المقاتلين لقوات الحشد أصبح هيكل تلك القوى ينتمي لأفكار وأيديولوجيات مختلفة، حيث أن شريحة كبيرة منهم انضموا بهدف الوصول إلى المال في الوقت الذي يشهد اقتصاد العراق ترديًا كبيرًا. كذلك لا يجب النظر للحشد الشعبي باعتباره جهة رسمية فاعلة، حيث أنه يعمل خارج نطاق قيادة وسيطرة الحكومة، كما أنه يدير شبكات اقتصادية تمتد عبر قنوات رسمية وغير رسمية.

تلك المجموعات يمكن تناولها كمجموعة من الشبكات، تحكمها علاقات أفقية ورأسية. وتنقسم تلك الشبكات إلى قسمين:

  • الأولى تُعرَف باسم “شبكات الطليعة”، وهي تتسم بوجود قيادة متماسكة وتنسيق أفقي جيد وقوي بين القادة، ولكن تفتقد لتأثير رأسي بين القادة والمجتمع العراقي وهي الأقرب إلى إيران.
  • الثانية تُسمَّى بـ “الشبكات الضيقة”، وهي على عكس الأولى، تتسم بضعف التماسك على مستوى القيادات وسيطرة مركزية ضعيفة، وفي المقابل لها قواعد اجتماعية قوية في العراق.

كان لمجموعات قوات الحشد الشعبي وجود سابق في العراق قبل ظهورها أمام داعش عام 2014، حيث بدأ معظمها في الثمانينيات. ويمكن تقسيم تلك المجموعات إلى شبكتين: شبكة “محمد باقر الحكيم” والتي بدأت في الثمانينيات وكانت قريبة من الحرس الثوري الإيراني، وشبكة “محمد صادق الصدر” والتي بدأت في التسعينيات.

ورغم ما مرت به تلك الشبكات وميليشياتها، إلا أنها كانت تكتسب قوة أكبر ولم يتم إزالتها تمامًا، حتى وصلت إلى الصيغ الحالية، مثل “كتائب حزب الله” وكان يتزعمها “مهدي المهندس” و“فيلق بدر” وزعيمها “هادي العامري” التابعين لشبكة “باقر الحكيم” كشبكات طليعية، و“سرايا الإسلام” و“عصائب أهل الحق” كشبكات ضيقة.

شهدت تلك الشبكات تقلبات عدة بعد الغزو الأمريكي للعراق حتى تصل لشكلها الحالي. فعلى مستوى شبكات الطليعة كان لـ “فيلق بدر” دور كبير وكان على رأسه “مهدي المهندس” و”هادي العامري” حتى انفصل الأول عن بدر وشكّل كتائب “حزب الله” وتحالف مع إيران. وتمتلك “كتائب حزب الله” روابط عامودية ضعيفة مع قاعدتها الاجتماعية، فأسماء القادة غير معلومين للمجتمع، ولكن في المقابل تمتلك نخبة سرية قوية قادرة على تعبئة المقاتلين بشكل كُفء وسريع، وهو ما جعل قائدها على رأس قوات الحشد الشعبي حتى اغتياله.

أمّا الشبكات الضيقة، فقد شهدت بعد سقوط نظام “صدام حسين” تنظيمًا ملحوظًا على يد “جيش المهدي” التابع للتيار الصدري، حيث كوّنت مليشيات شيعية قاتلت القوات الأمريكية. ونظرًا لما اتسمت به من ضعف تنظيمي انقسمت إلى وحدات قتالية أصغر، عُرفت باسم “المجموعات الخاصة” وكانت تحت سيطرة “قيس الخزعلي” وسعت للانفصال عن “مقتدى الصدر”، ومن ثَمَّ وطّدت علاقاتها بقائد الحرس الثوري “قاسم سليماني”.

وفي عام 2019 شهد جنوب العراق اقتتالًا بين جماعتي “عصائب أهل الحق” و”سرايا الاسلام”، وهما إحدى الشبكات الضيقة، والتي يُعتبر اقتتالها كاشفًا عن ضعفها أفقيًا. أمّا رأسيًا، تسعى لتقوية روابطها مع العراقيين اعتمادًا على قوتها الفكرية والأيديولوجية وعلاقتها المباشرة بالدولة، وهو ما أسفر عن نجاح تلك الشبكات المتمثلة في “الكتلة الصدرية” في الفوز بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات 2018، وإن كانت قد شهدت تلك الروابط هزة عنيفة بعد استهدافهم الاحتجاجات السلمية في أكتوبر 2019.

في نوفمبر 2016 قاد “مهدي المهندس” فكرة توحيد جهود قوات الحشد الشعبي المكونة من الشبكات الطليعية والضيقة، لتُكوِّن تشكيل عسكري تابع للقائد العام وجزء من القوات المسلحة العراقية، وذلك سعيًا منه إلى تعزيز الروابط الأفقية ومركزية القيادة، وذلك في إطار قانوني وهرمي واضح. ومع ذلك لم تلتزم الشبكات بالتنظيم الجديد، حيث كان لقادتها مصالح وآراء سياسية متباينة حول دور الحشد الشعبي، فضلًا عن تغير الانتماءات والتشكيلات غير الرسمية بين مجموعة وأخرى، مما أفقد قوات الحشد هيكل تنظيمي واضح.

اقرأ أيضًا: صراع على الموصل.. تركيا وإيران تتنافسان على “الوطن المفقود”

الحشد الشعبي
اندماج الحشد الشعبي في الجيش العراقي

شبكات الحشد الشعبي والدولة العراقية

تلعب الشبكات داخل قوات الحشد الشعبي دورًا كبيرًا في الدفاع عن النظام السياسي، فهُم جزء منه ويستفيدون منه. وقد بدأ الاعتراف بها رسميًا كجهة أمنية مع مساهمتها في محاربة داعش، وهو الأمر الذي سمح لها بالسيطرة على بعض الأراضي والمنافذ وتعزيز مصالحها الخاصة.

ووفقًا للقانون، فقد بلغت ميزانية تلك القوات عام 2020 نحو 2.6 مليار دولار، ويتحكم رئيس الهيئة في المديريات المالية والشئون القانونية والأمن الداخلي والمراقبة والإرشاد الروحي والتخطيط والمشتريات ومعلومات الموظفين. أمّا على مستوى القادة فيتمتع البعض بمناصب مزدوجة في قوات الحشد الشعبي من جهة، وفي مؤسسة أمنية حكومية من جهة أخرى. وعلى مستوى المجموعات، فهناك بعضهم خارج هيئة الحشد الشعبي ولكنهم مرتبطين بأمن الحشد وتسمى تلك المجموعات بـ “الفصائل”، ومنها من يدعو لمواجهة التواجد الأمريكي في العراق.

على المستوى السياسي، هناك تمثيل سياسي لدى مجموعات الحشد الشعبي من خلال أحزاب سياسية تنافس في الانتخابات وتشارك في تعيين الوزراء وترشح أفرادًا لتولي مناصب حكومية عليا. ورغم ما ينص عليه قانون الأحزاب السياسية العراقي والذي يمنع ممارسة أي حزب سياسي أي نشاط مسلح أو شبه عسكري إلا أن الواقع عكس ذلك تمامًا، حيث تُغيِّر مجموعات قوات الحشد أسمائها، فعلى سبيل المثال، قام “فيلق بدر” بتغيير اسمه ليكون “منظمة بدر”، و”عصائب أهل الحق” أنشأت منظمة “صادقون” كجناح سياسي، وأنشأ التيار الصدري منظمة “سائرون”.

وشهدت انتخابات 2018 أكبر تجمع برلماني يمثل شبكات الحشد الشعبي على الإطلاق. فقد كان لقائمة “عصائب أهل الحق” زيادة في أعداد ممثليها في البرلمان، وكذلك كتلة الصدر الانتخابية “سائرون” والتي حازت على أكبر عدد من المقاعد (54 مقعد).

أمّا المستوى الإداري، فقد اتّبعت السياسة العراقية منذ عام 2003 اتفاقية تقاسم السلطة الطائفية بين شبكات الأحزاب الرئيسية، ويتم التفاوض بعد الانتخابات بين وسطاء يمثلون مختلف الشبكات، وقد تعزّزت مكانة شبكات الحشد الشعبي بعد 2014 لتكون في قلب العملية التفاوضية.

تسعى شبكات الحشد الشعبي إلى توسيع نفوذها داخل الحكومة ومؤسساتها من خلال توظيف أفرادها بالوظائف العامة. وبعد انتخابات 2018 سعت تلك الشبكات إلى زيادة تمثيلها في المؤسسات البيروقراطية الحكومية العليا، وكذلك تتمدد تلك الشبكات لتصل إلى المحليات. وبجانب المستوى الرسمي تهتم تلك الشبكات بالتواجد في المجتمع المدني، بعيدًا عن النشاط الحزبي، وتولي المناصب في المنظمات غير الحكومية كجمعية الهلال الأحمر العراقي.

الحشد الشعبي
أنصار الحشد الشعبي

شبكات المصالح الاقتصادية

تستفيد شبكات الحشد الشعبي من تغلغلها في الجهاز الإداري للدولة، حيث أنها تستخدم صلاتها بالدولة لتسهيل مصالحها. على سبيل المثال، يمكن تسهيل إصدار تفويض للتنقل إلى إحدى المحافظات من خلال “منظمة بدر” أو “عصائب أهل الحق” بدلًا من التعامل مع المحافظة بشكل مباشر. ذلك يزيد من ثقة المواطنين في تلك الشبكات، حيث يرون انها أكثر كفاءة من البيروقراطية الحكومية.

ولا تتوقف دور الشبكات والوسطاء التابعين لها عند ذلك الحد، وإنما يصل إلى حد الاستفادة من خزائن الدولة وتراكم ثروة قوات الحشد الشعبي في صرف الرواتب الحكومية. ففي كل عام تُمرِّر الحكومة ميزانية اتحادية تُخصِّص تمويلًا لمفوضية الحشد الشعبي، والتي تُصرف كرواتب لأعضاء وعائلات الشهداء وإعادة إعمار قوات الحشد الشعبي بعد الحرب ضد داعش.

ورغم وجود أدوات رقابية ومُسألة إدارية في مسألة توزيع الرواتب، إلا أن ما يُمارس على الحشد الشعبي ما هي إلا أدوات إدارية فقط وغير رقابية.

وقد شهد عام 2016 أزمة بين الصدريين و”المهندس” لشكواهم من عدم حصولهم على نصيب عادل من الرواتب. يضاف إلى ذلك الدعم المادي غير النقدي مثل الأسلحة والذخيرة والأراضي العراقية التي تمتلك الحكومة منها 90%، الأمر الذي يوفر لمن لهم نفوذ في الحكومة فرصة الحصول على الأرض، والسيطرة على المساحات “غير الرسمية”، مثل نقاط التفتيش الحدودية ومناطق العبور الداخلية والخارجية (البحرية والبرية)، والتي تُولِّد إيرادات كبيرة للشبكات المسيطرة عليها، تصل إلى 8 مليار دولار في العام.

الحشد الشعبي
أنصار الحشد الشعبي العراقي.

سياسات فشلت في إضعاف الحشد الشعبي

حاولت الولايات المتحدة اتباع استراتيجيات مختلفة للحد من نفوذ قوات الحشد الشعبي وإضعافه، وهو الأمر الذي لم يثمر عن تقدم واضح، بل أدى في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية. ويمكن عرضها على النحو التالي:

  1. سياسة “فَرِق تَسُد”

أدى الصراع من أجل بناء راوبط أفقية ورأسية إلى فشل قوات الحشد في أن تكون منظمة واحدة متكاملة، حيث كان الترابط ضعيفًا بالشكل الذي يعطي انطباعًا بأن المنظمة عُرضة للاضطراب، واستمرارها يعتمد على علاقتها التكافلية مع الدولة العراقية. وحاول مسئولون أمريكيون استغلال ذلك الضعف لعزل بعض مجموعات الحشد الشعبي باستخدام استراتيجية “فَرِق تَسُد” من خلال استمالة أفراد أو جماعات، ولكنها فشلت، لإن تلك الجماعات كوّنت بالفعل أظهرة سياسية ومجتمعية متشابكة مع الدولة والمجتمع، فضلًا عن مرونتها وقابليتها للتكيف مع أوضاع العزل.

  1. استراتيجية بناء المنافسين

داخل شبكات قوات الحشد الشعبي، هناك مؤسسات بعيدة عن مراكز القوة أو الوسطاء الرئيسيين، وهي المؤسسات التي حاول البعض دعمها ماديًا وتدريبها لتنافس بعض المجموعات المستهدفة بالحشد الشعبي وتُضعِف نفوذها، ولكن سرعان ما فشلت المنافسة بسبب عدم قدرتها على الصمود أمام التحديات الكبيرة.

  1. سياسة العقوبات الاقتصادية

تبدو المخالفات المالية والفساد والاختلاس المنتشر في شبكات الحشد الشعبي طريقًا يُمهِّد لنجاح استراتيجية العقوبات الاقتصادية، التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد أعضاء بقوات الحشد الشعبي، في إضعاف وتآكل قدرات شبكاتها، إلا أن العديد من المتخصصين شكّكوا في ذلك. يعتمد المتخصصون في شكهم على اتصال أعضاء تلك القوات بالدولة العراقية، والتدليل بإفلات العديد منهم من تلك العقوبات، فضلًا عمّا قد تواجهه الجهات المحلية المُنفِّذة للعقوبات من اتهامات بأنهم موالون لأمريكا، وتعرضهم لضغوط وتهديدات بالاغتيال.

  1. الهجوم العسكري

تعتبر تلك السياسة الأكثر تشددًا حيث تعتمد على القضاء على مجموعات أو قادة الحشد الشعبي من خلال عمل عسكري، وهو ما قد نفّذته الولايات المتحدة عدة مرات. ولكن تلك السياسة لم تُجدِ نفعًا حتى بعد غزو الولايات المتحدة للعراق ومحاولاتها القضاء على جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر على سبيل المثال، وذلك يعود لقدرة تلك المجموعات على الاستمرار والتشبيك. ويمكن الاستدلال كذلك بمقتل “مهدي المهندس”، والذي أدى إلى تشكيل العديد من المجموعات التي تستهدف القوات الأمريكية وتسعى للانتقام. وقد يكون الأمر أصعب الآن مع كون تلك المجموعات جزءً من الدولة، فضلًا عن دعم جهات أجنبية لها كإيران.

إن عملية الإصلاح السياسي في العراق يجب أن تُبنى على أسس سليمة، تستوعب شكل وطبيعة الحياة السياسية وقدرات الفاعلين فيها. ورغم تعقيد الواقع السياسي والأمني إلا أن تفنيد الواقع سيسمح بشكل مباشر أو غير مباشر بوضع سياسة ناجحة، لا تعتمد على الإقصاء بل تعزيز مبدأ المساءلة وأدوات الرقابة وإنفاذ القانون. وهو الأمر الذي يجب أن يسري على نهج التعامل مع شبكات الحشد الشعبي.

المصدر

Renad Mansour, “Networks of power The Popular Mobilization Forces and the state in Iraq”, Chatham House, February 2021

إسلام أحمد حسن

باحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى