دراسات وتحليلات

شبكة التهديد الإيراني ITN.. أربعة نماذج من شراكات إيران الإقليمية

تمارس إيران الضغوط على أعدائها من خلال وكلائها، حيث ترى أن تلك الميليشيات تسمح لها بمتابعة أهدافها في فرض التهديد على الولايات المتحدة الأمريكية، ودول المنطقة، دون تصعيد المواجهة إلى حرب تقليدية، وقد ظهر مؤخرًا مصطلح شبكة التهديد الإيراني (ITN)، لوصف تلك الشبكة، التي تعتمد عليها طهران، والمُكوَّنة من قوة هائلة من الوكلاء، وتنتشر في جميع أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ولها روابط وتأثير في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتمنحها القدرة على أن يكون لها حضور وسُلطة في جميع أنحاء المنطقة.

في هذا السياق، تأتى الدراسة، التي أعدتها مؤسسة “راند” الأمريكية تحت عنوان “The Iran Threat Network (ITN) Four Models of Iran’s Nonstate Client Partnerships”، والتي تناقش تهديد تلك الشبكة من خلال ثلاثة محاور رئيسية:

  1. استراتيجية إيران في التعامل مع ITN.
  2. الأهداف التي تسعى إيران إلى تحقيقها من خلال ITN.
  3. الفئات الأربع لشبكة التهديد الإيراني (ITN).

ما هي شبكة التهديد الإيراني ITN؟

يعد “الفاعلون من غير الدول” أحد أهم الركائز الأساسية التي تعتمد عليها إيران في استراتيجية أمنها القومي، حيث بدأت في تجنيد قوات أجنبية منذ الحرب “العراقية-الإيرانية” (1980-1988)، ومنذ ذلك الحين، نمت شبكتها من الوكلاء أضعافًا مُضاعفة. واليوم لديها عشرات الآلاف من العملاء المقربين المقاتلين، بعضهم تسيطر عليهم سيطرة كاملة، والآخر سيطرة شبه كاملة.

وقد بدأ المسئولون الأمريكيون في استخدام مصطلح شبكة التهديد الإيراني ITN، في عام 2013، والبداية كانت مع “ويندى شيرمان”، التي كانت حينها وكيل وزارة الخارجية للشئون السياسية، وتم حصر العملاء غير الحكوميين الذين يشكلون التهديد الإيراني على النحو التالي:

شبكات التهديد الإيراني

تشير الدراسة إلى أن إيران هي الراعي الأول للإرهاب في العالم، حيث تستخدمه كأداة في استراتيجية سياستها الخارجية، وتقوم إيران بتمويل وتدريب وكلائها كليًا أو جزئيًا، لاستخدامهم في هجمات حول العالم، لذا فهي تُزعزع استقرار البلدان في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

ولا يضم المصطلح المجموعات التي تتلقى الدعم غير المباشر من إيران، مثل الجماعات الجهادية السلفية، ومن بين تلك الجماعات “طالبان” و”القاعدة”، حيث تقدم لهم إيران الحد الأدنى من الدعم، مثل السماح لها بالعبور، وتحويلات الأموال عبر أراضيها، وعادةً ما تنكر إيران علنًا أي علاقة مع هذه المجموعات، لأنها لا تملك أي سيطرة على أنشطتها، وبالمثل تنفى “طالبان” و”القاعدة” علاقتهما مع إيران، وذلك لأن وجود علاقات مع إيران، كونها دولة شيعية، من المحتمل أن يُزعزع شرعية تلك الجماعات.

كيف تُوظِّف إيران شبكة التهديد الإيراني؟

تعمل شبكة التهديد الإيراني في مسارح مختلفة، وتشكل تهديدا أمنيًا للولايات المتحدة وحلفائها، فقد شكّلت إيران تهديدًا على الجيش الأمريكي من خلال توظيفها لوكلائها في المسارح الرئيسية، خاصةً في العراق، فقد هاجمت ميليشياتها قوات التحالف في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومنذ ذلك الحين تستخدم إيران ميليشياتها لرفع مستوى السياسات العدائية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً مع استراتيجية الضغوط القصوى التي مارستها ضدها إدارة ترامب.

وكذلك نفّذت إيران –عن طريق وكلائها- الهجمات الصاروخية على المنشآت الأمريكية في العراق عام 2019، في محاولة الرد على انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي، وكذلك تصنيف واشنطن لـ “فيلق القدس” كمنظمة إرهابية.

وفى مايو 2019، سقط صاروخًا على المنطقة الخضراء في بغداد، وبعدها أعلنت أمريكا إجلاء الموظفين عن سفارتها هناك، ومن قنصليتها في أربيل، بسبب تصاعد المخاطر التي يُشكِّلها وكلاء إيران.

ويمكن أن نرى –أيضًا- أن الميليشيات الإيرانية تُشكِّل تهديدًا لشركاء أمريكا الإقليميين، فعلى سبيل المثال، الهجمات الحوثية والطائرات بدون طيار الموجهة إلى المطارات السعودية أظهرت القدرة على نقل الحرب من اليمن إلى الأراضي السعودية.

تاريخ استراتيجية “صناعة الوكلاء” عن إيران

بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية، حاولت طهران تصدير الثورة خارج حدودها إلى الدول الإسلامية المجاورة، وتحقيقًا لهذه الغاية، أنشأ النظام “مكتب حركات التحرر”، ثم استبدله لاحقًا بـ “القوات الخاصة” داخل الحرس الثوري، المعروفة باسم “فيلق القدس”، وكانت أول مهمة لمكتب التحرر وضع أسس لقاعدة الوكلاء من خلال المساعدة في تنظيم الشيعة بالبحرين والعراق ولبنان والسعودية، لبناء حصن ضد الحكومات المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في المنطقة.

في الثمانينيات، كانت إيران تُركِّز على الشراكة مع مجموعات الشيعة، الإثنا عشرية تحديداً، كونها الشكل السائد للإسلام المُمارَس في إيران، ولايزال هناك أعضاء جدد في شبكة الوكلاء ينتسبون إلى هذا النوع، لكنها الآن أصبحت أكثر مرونة في الشراكة مع الجماعات التي لا تتناسب مع هويتها وأيديولوجيتها.

فئات المجموعات داخل شبكة التهديد الإيراني

ومن تحليل الشبكة الإيرانية من العملاء غير الحكوميين، تحدث مؤلفو الدراسة عن أربع فئات رئيسية داخل هذه الشبكة، وذلك وفقًا للأهداف التي تسعى إليها طهران:

  1. المُستهدِفون

وهدفها الأساسي تقويض الوجود الأمريكي في المنطقة، ويوجد في تلك الفئة كل من “عصائب أهل الحق”، و“كتائب حزب الله”، وهذه المجموعات من شبكة التهديد الإيراني خرجت من ظروف ناشئة عن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ومن ثَمَّ أصبح العراق بمثابة منطقة مؤهلة لتطور الشبكة الإيرانية من الحلفاء من غير الدول.

ويعتمد كل من “عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله” بنسبة كبيرة على إيران، والتي بدورها تمارس القيادة والسيطرة عليهما. ومع ذلك تقوم هذه المجموعات ببعض أشكال التمرد عليها، مما يعنى أن تلك المجموعات قد تُهدِّد الغاية الإيرانية (المتمثلة في مضايقة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الوكلاء)، فإذا استهدفت تلك المجموعات أمريكا دون وجود ضوء أخضر من إيران فإن هذا ينطوي على سلسلة من الأحداث قد تؤدى إلى مواجهة “أمريكية-إيرانية”، ولذلك، فمن أجل الردع الفعّال لعدوها يجب على إيران أن تكون قادرة على إخضاع هؤلاء الوكلاء.

عصائب أهل الحق
تعتمد مليشيا عصائب أهل الحق في العراق على إيران بشكل كبير

وتعد “عصائب أهل الحق” فصيل منشق عن “جيش المهدى” التابع لمقتدى الصدر، وقد تم الانشقاق بعد توقيع “جيش المهدي” على اتفاقية “وقف إطلاق النار” مع القوات الأمريكية. أمّا “كتائب حزب الله” فلها علاقات مع التيار الصدري، على الرغم من أن زعيمها السابق “أبو مهدي المهندس” كان له ارتباط مباشر بإيران، بعد أن تم منحه الجنسية الإيرانية، وأصبح عضوًا في الحرس الثوري الإيراني.

وفى أثناء الحرب العراقية، أطلقت الحكومة الأمريكية على هذه الفئة من الميليشيات اسم “المجموعات الخاصة”، في إشارة إلى وضعهم كوكلاء لإيران، والوافد الأكثر حداثة في تلك الفئة هو “حركة النجباء” المنشقة عن “عصائب أهل الحق”، والتي تقاتل على الجانب الآخر من الحدود في سوريا لمصلحة النظام السوري.

وتتلقى المجموعات الثلاث الدعم المالي والسلاح والتدريب من إيران، واليوم تؤثر طهران بشكل كبير على عملية صنع القرار في تلك المجموعات.

  1. الردع

هي الجماعات التي تزرعها طهران في المقام الأول لردع المنافسين الإقليميين، وفرض تكليفات عليهم، ويوجد في تلك الفئة فيلق بدر، والحوثيين، وحزب الله اللبناني. وتلك المجموعات لديها مستويات مختلفة من الاعتماد على إيران، كما تختلف أيضًا درجة فرض طهران للقيادة والسيطرة على كل منها، وذلك نظرًا لاختلاف مواقع تلك المجموعات، فبعضها في دول مجاورة، مثل العراق وسوريا ولبنان، ما يسمح لإيران بزيادة توسعها من خلالهم، ويساعدها هذا الجوار الجغرافي في تقديم الدعم اللوجيستي لهذه المجموعات.

في الأيام الأولى للثورة الإيرانية (1979)، كان هناك حماس ثوري كبير لدى المواطنين في إيران، وأراد الحرس الثوري الإيراني تصدير الأفكار الخاصة بقائد الثورة إلى الدول الإسلامية الأخرى، لاسيما تلك التي تحتوي على الغالبية الشيعية، وكان من أوائل الدول التي نشر فيها الحرس الثوري أفكار الثورة، العراق ولبنان، بسبب الروابط التاريخية، والدينية، والحدود المشتركة بينهما.

وكان لاهتمام إيران بالقضية الفلسطينية طابع خاص، حيث دعمت في سبيل ذلك جماعات سنية، ورأت في فلسطين نقطة تحول مغرية لها لكي يُنظَر إليها على أنها قوة إقليمية، فقد كانت بحاجة إلى التطور لمواجهة خصمها الإقليمي الرئيسي (إسرائيل)، ما جعلها لا تعطى أولوية للاعتبارات الأيديولوجية والهوية في الشراكة مع مجموعات عربية سنية.

وتختلف درجات ولاء تلك الجماعات لإيران، وكذلك تختلف درجة القيادة والسيطرة لإيران عليها، حيث تزيد درجة سيطرتها على “الجهاد الإسلامي” أعلى من حماس، حيث رفضت الأخيرة -في العديد من المناسبات- أن تشارك في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، واختلفت معها في معارك قامت فيها إيران بدعم العلويين والشيعة والزيديين ضد السنّة في سوريا والعراق واليمن، لاسيما في سوريا، ودعت إلى حل سياسي.

وأخيرًا، فقد فتحت ثورات الربيع العربي الباب للوجود الإيراني في اليمن بمساعدة الحوثيين، وذلك لإعاقة التحالف الذي تقوده السعودية هناك.

  1. عوامل الاستقرار

هي مجموعات تستخدم لتحقيق الاستقرار لحلفاء إيران، مثل سوريا، وتضم كلا من (فاطميون، وزينبيون، والاتحاد الوطني الكردستاني)، وقد حاول النظام الإيراني مناشدة الأقليات العرقية والدينية في دول الجوار التي يؤدى حرمانها من حق التصويت، وكذلك الفقر والبطالة، إلى فتح آفاق أمام طهران لتجنيدهم، مقابل مساعدتهم ووعدهم بمستقبل أفضل، بما في ذلك إعطائهم حق الإقامة في إيران (خاصة من الدول التي مزّقتها الحروب مثل أفغانستان)، والأمن، والمزيد من الفرص لعائلاتهم.

حزب الله
حزب الله على الجماعات التي تسمح لطهران بتوسيع نفوذها داخل الدول

وتستخدم إيران تلك الوسائل مع “فاطميون”، وتعود علاقة “الاتحاد الوطني الكردستاني” بإيران إلى دولة الشاه (قبل عام 1979)، ولكن يُشكِّل هذا الحزب مصدر توتر لإيران، خشية منها في تحقيقه حلمه بالانفصال الكردي.

ومنذ عام 2013، قامت إيران بتجنيد وتجهيز ونشر مقاتلين شيعة أفغان للمشاركة في الحرب السورية دعمًا لنظام الأسد، ولم يكن ذلك أول اعتماد لإيران على تلك الجماعة، فقد ظهر تحالف بينهما خلال الحرب الإيرانية-العراقية، حيث قامت إيران بنشر القوات الأفغانية للقتال إلى جانب قواتها، وتمتلك فرقة “فاطميون” الإمكانات الأكبر في شبكة التهديد الإيراني، كقوة متنقّلة يمكنها أن تتجاوز الحدود.

  1. المُؤثِرون

هي الجماعات التي تسمح لطهران بتوسيع نفوذها داخل الدول، مثل فيلق بدر، وحزب الله اللبناني، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، حيث تندمج في المؤسسات الرسمية السياسية والأمنية في بلدانها، وترى الدراسة أنه عندما تصبح هذه المجموعات أكثر رسوخًا في الكيانات الرسمية، سوف تفقد طهران درجة كبيرة من القيادة والسيطرة عليها، ولكن من وجهة نظر طهران، فإنه بالرغم من أن انخراط هذه المجموعات، واندماجها في العمليات السياسية لبلدانها، سيُقلِّل من القيادة والسيطرة الإيرانية عليها، فإن ذلك سيساعد طهران في الانخراط بشكل أكبر في تلك البلدان.

وإيران أكثر صراحة بشأن علاقاتها مع هذه المجموعات، حيث تنشر صور اجتماعات بين كبار المسئولين السياسيين والعسكريين لها، وقادة حزب الله، بمن فيهم خامنئي وحسن نصر الله، ومع ذلك، ولأن هذه الجماعات تسعى إلى الاندماج في العمليات السياسية في بلدانها، يجب أن تؤكد كونها لاعبًا مستقلًا ولاءه لبلده وليس لقوة أجنبية، وبالتالي تؤكد هذه الجماعات، في بعض الأوقات، استقلالها عن إيران، ولكن هذا الإنكار لا يخفى أنها جزأ لا يتجزأ من سياسة إيران.

النتائج

تعتبر “شبكة التهديد الإيراني” هي الرادع الأقوى لأعداء إيران، كما أنها ستظل وسيلة طهران لإبراز قوتها، وأداتها المفضلة للتأثير في الشرق الأوسط، لكنها تُشكِّل معضلة أوسع للولايات المتحدة الأمريكية، لذا قد تتبنى الأخيرة نهجًا متعدد الأبعاد لمواجهة استخدام إيران لتلك الشبكة.

ومن المحتمل أن تراعي الولايات المتحدة أن تلك المجموعات قد تطورت إلى مجموعات “هجينة” تم دمجها الآن في النظام السياسي العراقي وقوات الأمن، بما يعني الحرص على تجنب أنشطة التعاون الأمني غير المقصود مع هذه الجماعات.

ومن المرجح أن تستمر فئة “المُؤثِرون” في متابعة الأنشطة العنيفة في بلدان الشرق الأوسط وجنوب آسيا لتقويض الاستقرار، وتقوية نفوذها فيها، وتثبيط طموحاتها، بما يضع على الجيش الأمريكي مسئولية الاستمرار في تعزيز العلاقات العسكرية مع الشركاء الرئيسيين في المنطقة، لتوصيل رسالة ردع، وبناء قدرات الشركاء لمواجهة ITN.

المصدر: (اضغط)

شروق صابر

باحث مساعد في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى