وجهات نظر

شبه الجزيرة الهندية والتنافس بين القاعدة وداعش

مصطفى زهران

تحولت شبه الجزيرة الهندية في الآونة الأخيرة إلى نقطة جذب هامة للتنظيمات الجهادية المعولمة، وتحديدا تنظيم “القاعدة” الأقدم في المنطقة، وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، الوجه الجديد الباحث عن تموضع في هذه الخريطة الجغرافية الملهمة لكلا التنظيمين.

منذ سنوات قليلة مضت أعلن تنظيم القاعدة -وتحديدا في 2014- فرعا جديدا له تحت اسم “قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية” التي تمثل شبه الجزيرة الهندية واحدة من دوله، إضافة إلى “باكستان، بنجلادش، بوتان، نيبال، سريلانكا، المالديف”، وذلك بإعلان ومباركة أمير التنظيم الحالي –الغائب – أيمن الظواهري، والذي لم يقدم على هذه الخطوة إلا بعد سنوات تلت كانت تجمع تنظيم القاعدة وعددا من الحركات والتيارات الإسلامية الجهادية بالداخل الهندي، من علاقات وطيدة كانت بمثابة أرضية أسهمت بشكل أو بآخر في وجود محدود للتنظيم بشكل مغاير عن الجغرافيات الأخرى التي يوجد فيها بكثافة، وذلك يرجع بشكل رئيس لمحافظة الحالة الإسلامية الهندية، وخاصة الجهادية منها، على محليتها وعدم انخراطها في العولمة الجهادية، وهو ما كان سببا في تأخر اختراقها من القاعدة ومن بعده تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

سعت القاعدة منذ أوائل التسعينيات نحو عقد شبكة من التحالفات على طول الحدود الأفغانية الباكستانية، مع عدد من المجموعات الجهادية، سواء كانت من صنيعتها أم أخرى تدين لها بالولاء والتبعية، كان أبرزها “جيش محمد” و”المجاهدون الهنود” و”الجهاد الإسلامي” و”حزب المجاهدين” و”حركة الطلاب الإسلامية في الهند” وغيرها، ونجح التنظيم في كسب ثقة عدد من هذه الجماعات التي سمحت له بالتنسيق مع قادتها بتأهيلها وتدريبها وارتحل العديد من مقاتليها إلى أفغانستان، وشاركوا في عمليات جهادية هناك أكسبتهم خبرة وزادتهم ولاءً، ومع حلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين رسخ تنظيم القاعدة نفسه بصفته “راعي الجهاد ومنظومته في الهند”.

زحف القاعدة نحو الهند

كان التسجيل المصور الذي بثه أيمن الظواهري لإعلان تأسيس الوجود القاعدي في شبه الجزيرة الهندية، بمثابة الإعلان التأسيسي لترسيخ وجوده في هذه الجغرافية، ومن ثم ضمها إلى بقية الجغرافيات التي ينشط فيها، بهدف رفع علم الجهاد في هذه المنطقة، وتحكيم شرع الله فيها –حسب وصفه – واللافت في هذه المسألة هو التأكيد أن هذا الفرع القاعدي الجديد يتبع حركة طالبان أفغانستان، التي لا يستطيع الظواهري السير بمعزل عنها دون إعلان ولائه الكامل لها وتنظيمه، وأعلن الظواهري حينها أن القاعدة ستضم كل الجماعات الجهادية العاملة في هذه الجغرافية لتعمل تحت مظلتها حاملة لواءها وشعارها الجهادي.

في الواقع كان من ضمن الأهداف الرئيسة للتحرك القاعدي في هذه المنطقة هو التأكيد على أنها لا تزال موجودة ونشطة، خاصة في ظل صعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في هذا الوقت، وهو ما يجعلنا نتفهم إعلانها بهدف إعادة تأكيد سلطتها وموقعها الأول في الحركة الجهادية العالمية وفي المنطقة.

حينها قام الظواهري بتعيين الجهادي عاصم عمر على رأس التنظيم الجديد، وتعيين نائب له يدعى “محمد فاروق” ثم “أسامة محمود” متحدثا للتنظيم، الذي حمل البيان التأسيسي للتنظيم على لسانه من خلال مقطع تسجيلي مصور بث لسرد الأسباب وراء تدشين هذا الفرع الجهادي القاعدي في جنوب آسيا، من قبيل إعلان الجهاد ضد الغرب والولايات المتحدة الأمريكية –أعداء الإسلام- العمل على تحرير كل أراضي المسلمين المضطهدين والمقهورين في شبه القارة الهندية، مواصلة الجهاد لإعادة الخلافة –مع التركيز هنا على إعادتها وليس إعلانها، ما يعكس حجم التمايز بينها وتنظيم الدولة، كما سنبين لاحقا- خاصة في كشمير وميانمار وغيرهما… إلخ.

في المقابل وضع المتحدث الرسمي آنذاك الجيش الباكستاني جنبا إلى جنب مع الطائفة الهندوسية الحاكمة في الهند، باعتبارهم أعداء الأمة الإسلامية، وذلك للدور الذي تلعبه في خدمة أمريكا لمواجهة الجهاديين، كـ”الدمية” في يدها، حسب وصفه .

لم يمض وقت قريب حتى تولى أسامة محمود رئاسة التنظيم نهاية العام الفائت خلفا لـ”عاصم عمر” بعد مقتله في ولاية هلمند بأفغانستان عام 2019 م، بما لديه من خبرة عسكرية وتنظيرية أهلته لذلك، وحافظ أمير التنظيم الجديد على عدائه لباكستان حتى اللحظة، وهو ما يفسر تسارع وتيرة المواجهات بين القاعدة –ممثلا في فرعه بشبه القارة الهندية- والجيش الباكستاني من آن لآخر.

جماعة أنصار غزوة الهند (AGH)

تأسست جماعة أنصار غزو الهند عام 2017 على شكل خلية مرتبطة بالقاعدة في كشمير، على يد “ذاكر راشد بهات” المعروف باسم “ذاكر موسى” الذي قُتل بعد ذلك في مدينة ترال (منطقة بولواما) خلال عملية مشتركة بين الشرطة المحلية والجيش الهندي.

وأعقب مقتل موسى بفترة وجيزة قتل المتحدث الرسمي للخلية “باسم المانع” فيما حاولت الجماعة تقديم نفسها في شبه القارة الهندية كقوة بديلة تقدم الدعم اللوجيستي والعملياتي من التدريب الجهادي والقتالي للمناهضين للحكم الهندي في كل من جامو وكشمير.

أسباب استهداف القاعدة للهند

من بين الأسباب الهامة التي كانت وراء استهداف تنظيم القاعدة للهند، وذلك بجانب التركيز الدعائي حول السياسات القمعية لحزب بهاراتيا والطائفة الهندوسية بشكل عام تجاه مسلمي كشمير، انتقدت القاعدة دور الهند في تعزيز الأيديولوجيات العلمانية في بنغلاديش، من خلال دعمها لسياسات رئيسة الوزراء “الشيخة حسينة” وتأثيراتها في إحلال العلمانية مكان التقاليد والأعراف والشرائع الإسلامية في دول جنوب آسيا، فضلا عن حجب الهند المياه عنها لإخضاعها لسيطرتها المباشرة والتحكم في مصائرها .

إضافة إلى ما سبق، يمثل التحالف السياسي والعسكري الهندي مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإسرائيل وتعاونهم الوثيق في قمع حركات المقاومة والجهاد الإسلامي، عاملا مهما في التحفيز القاعدي لاستهداف الهند، ومن الأمور التي تكشف زاوية هامة في سياق العلاقة بين القاعدة وطالبان، هو عدم استهداف تنظيم القاعدة لأي من الهنود المتواجدين في أفغانستان، وذلك لعدم إحراج طالبان وتأكيد على عدم خرق القاعدة لقوانين طالبان السياسي والعسكرية الحاكمة في أفغانستان.

تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الوافد الجديد

مر تنظيم داعش بمرحلتين في إطار رغبته في التمدد في هذه الجغرافية الجديدة، تمثلت أولهما في القيام بعدد من العمليات تحت لافتة ولاية خراسان التي تم إنشاؤها في 2015 وتضم عددا من الدول على رأسها باكستان وأفغانستان والجغرافيات المتاخمة لها، وثانيهما حينما أعلنت في 2019 عن تدشين ولاية الهند والتي عدت بمثابة تحول مهم وجاد في مسيرة صيرورتها الجهادية في هذه المنطقة.

ونظرا لوعي تنظيم الدولة حجم التواجد القاعدي وتأثيراته في الداخل الهندي خاصة في الولايات المتاخمة لكل من باكستان وأفغانستان مثل جاموا وكشمير، سعى لتفعيل وتوظيف السوشيال ميديا لجذب الهنود المسلمين في بداية الأمر للانتقال إلى أرض الخلافة الإسلامية الجديدة في الرقة والموصل، ونشطت المقاطع المرئية الناطقة باللغات واللهجات الهندية لحث الهنود المسلمين على الهجرة إلى أرض الخلافة والدولة الإسلامية في العراق والشام، وبالفعل نجح تنظيم الدولة في ضم أسماء هندية وإن كانت قليلة ضمن صفوفه المقاتلة في الشرق الأوسط.

انطلق التنظيم بعد ذلك -عقب انحسار التنظيم وفقدانه لحواضره- إلى توظيف السياقات الاجتماعية -كسلفه القاعدة- لمسلمي الهند التي تعايش واقعا صعبا جراء صعود الخطاب الهندوسي القومي والمعادي للمسلمين والعمل على تثويرهم لمواجهته من الداخل، وهو ما عجل بتدشين ولايته كما أسلفنا.

يعد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الأكثر جرأة وعدوانية في سياق المقارنة بينه والقاعدة، في حين أن القاعدة والجماعات التابعة لها تحاول الابتعاد عن دائرة الضوء، وحتى الامتناع عن مهاجمة تنظيم الدولة الإسلامية كثيرًا، استطاع تنظيم الدولة الإسلامية تنفيذ العديد من الهجمات على أهداف صوفية وشيعية وأحمدية ومدنية وهو ما لم تقدم عليه القاعدة، ومن هنا تختلف وتتمايز تكتيكات القاعدة عن نظيرتها في تنظيم الدولة، محاولة منها في كسب مسلمي الهند من خلال السماح بعنف أقل منه.

كيرالا وجامو وكشمير

هناك ثلاثة أضلاع للمثلث الجغرافي الذي تنشط فيه القاعدة وداعش وأنصارهما والجماعات والتيارات المنضوية تحتهما، شكلت أضلاع هذا المثلث بؤرة مهمة لأنشطة هذه التيارات، إذ تعد ولاية كيرالا -على سبيل المثال- ذات الأغلبية المسلمة من أهم الولايات الهندية في الجنوب وتمثل التحولات السياسية والمجتمعية داخلها عاملا أساسيا في إخصاب ونمو التطرف داخلها.

ويأتي إنهاء الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به المسلمون في ولايتي جامو وكشمير وإلغاء المادة 370 من الدستور الهندي الذي كان يعطي لمسلمي ولايتى جامو وكشمير حكما ذاتيا، ليضيف بعدا آخر في سياق الدفع نحو الانضمام للجماعات المتشددة كردة فعل على قمع حزب بهاراتيا و”ناريندرا دامودارداس مودي”، خاصة أن المسلمين في عمومهم يرون أن مثل هكذا إجراء يهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي في هذه المساحة الجغرافية لتشديد الخناق وإحكام الطوق على المسلمين لصالح القومية الهندوسية.

ويمكن ملاحظة تنامي نفوذ داعش في الهند في السنوات الأخيرة من خلال عاملين رئيسيين، أولهما: زيادة مظاهر التشدد لـ شباب متعلمين وميسورين من ولايات مثل كيرالا وتيلانجانا ومهاراشترا الذين ذهبوا حتى إلى الخارج للقتال من أجل داعش، وثانيهما التلويح بأعلام داعش خلال الاحتجاجات المؤيدة للاستقلال ضد الهند في وادي كشمير، وما يدلل على ذلك تسجيل أكثر من 45 حالة من الأنشطة المؤيدة لداعش في ولاية كيرالا.

خلاصة القول: من المتوقع أن تشهد عمليات كل من القاعدة وداعش تسارع في وتيرتهما وتطور في أدائهما في المستقبل القريب نظرا لعدة تغيرات وتحولات يعايشها كلا التنظيمين، فضلا عن سياق التنافسية المتلازمة الأكثر بروزا في السنوات الأخيرة.

إذ إن لاتفاقية السلام الأمريكية مع حركة طالبان انعكاسات هامة على تنظيم القاعدة، التي ربما قد تدفعها إلى الانتقال نحو جغرافية أخرى للتمركز ونقل ثقلها التنظيمي إليها، وتعتبر دول شبه القارة الهندية وجهة مثالية في الوقت الحاضر، خاصة أنها تحمل العديد من البيئات التي يمكنها أن تشكل بيئة حاضنة لها قد تتشابه إلى حد كبير مع أفغانستان، وذلك نظرا لأن الاتفاق الأمريكي مع طالبان حال إقراره يتضمن أبعاد القاعدة ومحاربة داعش.

من ناحية أخرى، يجد داعش في السياقات السياسية والمجتمعية في الداخل الهندي، ويشاركه في ذلك القاعدة مناخا جيدا للتوغل والانتشار، خاصة أن الجماعات الجهادية المحلية لم تحقق بعد ما يقارب من خمسة عقود ويزيد ما كانت تربو إليه من تحرير كشمير وما شابه، وما زال المسلمون يعانون صنوف العذاب من حكم الأكثرية –حسب وصفهم– ما يجعل من التنظيمات الجهادية المعولمة أداة جذب هامة للعديد من الشباب التواقين إلى تحقيق تغير ملموس في آلياتهم التي تستهدف وجودهم هناك.

وفي إطار المنافسة بين التنظيمين ومحاولة كل تنظيم إثبات تفوقه على الآخر انطلاقا من جغرافية شبه القارة الهندية تجعله يرى في الهند وولاياتها الممثلة في جامو وكشمير وكيرالا أهدافا أولى تمكن لهما تموضعا أكبر وأكثر انتشارا، خاصة أنها بيئة توفير مناخا جيدا للتوظيف الجهادي.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى