وجهات نظر

شخصيات مسلسل “الاختيار”.. طريق الجهاديين يمر بـ”بيت رفاعي سرور”

هشام النجار

في يوم ٢١ فبراير 2012م، وعقب كلمة للداعية حازم صلاح أبو إسماعيل، خطب عمر رفاعي سرور في جنازة والده، التي حضرها رموز تنظيم الجهاد والمئات من أعضائه، مبايعًا على الموت لتطبيق الشريعة، في رسالة رمزية توحي بعدم انقطاع نشاط أبيه بعد موته.

لم تكن البيعة على الموت وصية مُنظّر ومفكر الجهاديين لابنه فقط، بل لجميع معتنقي أفكار السلفية الجهادية، خاصة السلفيين والقطبيين بالجيزة وضواحي القاهرة الشعبية، ممن تربوا على أدبيات الأب رفاعي سرور، الذي ارتبط اسمه كمرجعية فكرية رئيسية لغالبية الفصائل الجهادية منذ بدايات السبعينيات حتى عام صعود جماعة الإخوان إلى السلطة.

اختيار عمر رفاعي سرور هذا الطريق، كونه ورث الفكر التكفيري المسلح عن أبيه وتربى في كنفه، فماذا عن اختيار هشام عشماوي، الذي عالجه دراميًا الجزء الأول من مسلسل “الاختيار”، وماذا عن حنفي جمال، الذي يعالجه الجزء الثاني من المسلسل والذي تصدر واجهة الأحداث بعد طرح البوستر الدعائي أخيرا، وكيف وقعا في فخ التكفير ومستنقع جماعات الإرهاب، في حين رباهما والداهما ليصبحا ضابطين يحاربان الإرهاب ويصدان الخطر عن الوطن.

تكتيك تجنيد الخلايا

وفق تصور رفاعي سرور، لا تتحقق أهداف بمستوى ضخامة الاستيلاء على حكم مصر، بجيشها القوي وأجهزتها الأمنية الاحترافية، بمجرد الوعظ والدعوة بالمساجد أو بنشاط سياسي وحزبي، بل يلزمها امتلاك ناصية الأمر والقبض على زمام الحكم بعد انتزاعه بالقوة من “الطغاة المفسدين عبر تشكيل جبهة إسلامية مسلحة مدربة”، وهو ما يدفعها دائمًا لإضعاف وتفكيك جيش الدولة واستنزافه مقابل تشكيل قوتها العسكرية البديلة.

ظلت الأداة التي يعتبرها هذا التيار ناجعة لتحقيق أهدافها المرسومة واحدة، منذ بداية نشاط الأب رفاعي سرور مع تشكيل أول مجموعة جهادية مسلحة في مصر إثر إعدام سيد قطب، المفكر الإخواني، بقيادة وكيل النيابة يحيى هاشم، الذي سُمي يحيى رفاعي سرور، شقيق عمر، تيمنًا باسمه، وحتى محاولات الابن عمر رفاعي سرور ليرى مشروع أبيه النجاح عبر كسر الجيش “حامي العلمانية والكفر” مقابل التمكين لطلائع الجهاد ممن سيعلنون إقامة الحكومة الإسلامية.

اعتمد هذا التيار بشكل رئيسي على محاولة اختراق المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية واستقطاب وتجنيد عناصر من داخلها لديها الخبرات والمعلومات والأسرار التي تمكنها من قيادة انقلاب على الحكم القائم، وبالفعل تمكن أفراد أول مجموعة جهادية انضم إليها رفاعي سرور من تجنيد عدد من ضباط الجيش، من بينهم عصام القمري وعبد العزيز الجمل وسيد موسى، عام 1966م، وفقا لتحقيقات أجرتها النيابة المصرية في قضية تنظيم الجهاد، قبل أن تفكك الأجهزة المصرية الخلية بالقبض على “القمري” ومجموعته.

وهو ما كرره الابن عمر رفاعي سرور بعد عام 2011م عبر محاولة استقطاب عناصر من داخل الجيش مهيأة نفسيًا لاعتناق الأفكار المتشددة، لتكلل مساعيه بالنجاح بفضل التعاون مع الضابط السابق طارق أبو العزم، الذي كان اللبنة الأولى في تشكيل خلية، كان أهم رموزها هشام عشماوي وعماد عبد الحميد ويوسف سليمان محمد.

الحيل التي استخدمها رفاعي سرور هي ذاتها التي استخدمها ابنه عمر، فرفاعي الأب عمد أولًا لنشر أفكاره في كتب حتى يستدل عليه من يفك شفراتها، خاصة تلك المتعلقة بتجنيد البعض ممن أصيبوا بخلل في الفكر لتشكيل خلايا جهادية سرية، وكان وكيل النيابة يحيى هاشم هو أول من فهم ما وراء الرموز، فذهب لناشر أول كُتب رفاعي سرور ليعرف عنوان المؤلف.

لم يختلف أسلوب تجنيد هشام عشماوي ورفاقه كثيرًا، فهم أيضًا وقعوا تحت تأثير المنشورات المروجة للفكر القطبي الجهادي والمنسوبة لحازم أبو إسماعيل، القيادي بالحركة التي ضمت العديد من الكيانات مثل “حازمون” و”الجبهة السلفية” و”التيار الإسلامي العام” و”ائتلاف دعم المسلمين الجدد”، علاوة على منشورات منسوبة لعمر رفاعي سرور وغيره.

تشابهت طرق التجنيد وأساليب تشكيل الخلايا وطبيعة العناصر المستهدفة بالتجنيد، بينما اختلفت المسارات والمصائر بالنظر للاختلاف الذي طرأ على أوضاع الدول والجيوش، وعلى المشهدين الإقليمي والعربي بعد عام 2011م.

انكشفت الخلايا الجهادية، التي شكلها الأب رفاعي سرور أو أسهم في تشكيلها بسهولة وسرعة، على الرغم من توخي السرية، حتى أن مذكرة الدفاع التي قدمها المحامي في قضية تنظيم يحيى هاشم كان قد شارك في إعدادها “هاشم” بنفسه كرئيس نيابة، قبل أن يتم اكتشاف كونه أحد المتهمين بالقضية.

في منتصف سبعينيات القرن الماضي قُتل يحيى هاشم بمنطقة جبلية بمحافظة أسيوط، جنوب مصر، خلال اشتباك عنيف دار بين أعضاء الخلية الجهادية وقوات الأمن، في حين تمكن رفاعي سرور من الهرب إلى القاهرة، وتحديدًا إلى حي المطرية، شرقي القاهرة، والذي سيصير معقلًا للحركية السلفية وللجهاديين القطبيين.

تدوير أفكار سيد قطب

في بيت والد عمر رفاعي سرور القديم بالمطرية دارت أحاديث بشأن اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات بين محمد عبد السلام فرج وعبود الزمر، مقدم المخابرات وقتها، والمنشق الذي جمعته بسرور الأب صداقة متينة، ومن على منبر مسجد المطراوي انطلقت على لسان “الشيخ آدم” أول فتوى لاغتيال الرئيس السادات، وقبل مولد عمر بعامين فشلت محاولة الاغتيال الأولى للسادات، والتي انطلقت من كلية الفنية العسكرية، فهو من مواليد يناير 1976م.

دخل سرور الأب السجن وخرج منه مرارًا مُصرًا على حركته وتكتيكه المفضل عبر التغرير بعنصر أو اثنين من عناصر الجيش والعيش في وهم التغيير الأقرب للأمنيات، التي تدور بخيالات الصبية بإزاحة رأس القيادة السياسية عبر اغتياله وتنفيذ انقلاب على الحكم، ثم الاستيلاء على السلطة وإعلان الحكومة الإسلامية.

لم تكن خطورة رفاعي سرور في تنظيماته، التي سرعان ما تنكشف وتنهار، بل في تنظيراته وكتبه التي مكنته من اختراق عقول غير مُحصنة بالوعي والفكر الصحيح، ولذا قال الكاتب الصحفي موسى صبري: “انتبهوا! رفاعي سرور خارج السجن”، في مقدمة كتابه “السادات بين الحقيقة والأسطورة”، حينما علم أن مفكر تنظيم الجهاد طليق بعد قضاء عقوبته في قضية اغتيال السادات عام 1984م.

حمل رفاعي سرور راية التنظير الجهادي بعد إعدام سيد قطب، قاصدًا جذب مريدين جدد وتحريك الأطر التنظيمية للحالة الجهادية التي خشي معتنقوها المتبقون أن تخمد بموت قطب، وهو ما جعل سرور متيقنًا بضرورة مواصلة تداول المنهج القطبي، ليس فقط بمدارسة مُنتَج سيد قطب، وإنما بتكثيف الممارسة الحركية وتوليد الفعل الجهادي.

اعتقد “سرور” أن مُنجز إحياء الفكرة الجهادية لن يتحقق باستعادة مقولات قطب، وإنما بالعثور على قطب آخر حي يتولى مهمة التنظير وينتج فكرًا جهاديًا مسايرًا للواقع والأحداث، فكان هو نفسه بمثابة سيد قطب الحي، مُفضلًا، بعد تنقله تنظيميًا بين غالبية الفصائل الجهادية، أن يظل مرجعًا فكريًا ومرشدًا لمجمل الحالة الجهادية دون أن ينتمي إلى فصيل جهادي بعينه.

يبرهن كتيب “أصحاب الأخدود”، الذي حظي بانتشار واسع في الأوساط السلفية والجهادية على أن رفاعي سرور، الحاصل على مؤهل متوسط “ثانوية صناعية”، والذي ألف الكُتيب في محبسه بداية الثمانينيات، لم ينتج فكرًا جديدًا خاصًا به، لكنه قام بعملية تدوير لأطروحات سيد قطب عبر قنص إحداها وتعميق أثرها من خلال التكثيف اللغوي والبياني وربطها بالواقع المعيش.

استوحى “سرور” فكرة كتابه الثاني، “بيت الدعوة”، الذي يدور حول رابطة الأخوة الإسلامية المقدمة على رابطة الدم والقرابة من إحدى أطروحات سيد قطب في كتابه الشهير “ظلال القرآن”، بغرض تأسيس بيت إسلامي منعزل شعوريًا ومنفصل عن مجتمعه.

شكّل مضمون الكتابين -“أصحاب الأخدود” و”بيت الدعوة”- اللبنات الأولى لأولاد رفاعي سرور، خاصة “يحيى والمهندس عمر والطبيبة ولاء”، الذين تحمسوا إلى أن يكونوا أول من يترجم أفكار أبيهم في الواقع، حيث تقمصوا أدوار أصحاب الأخدود الذين سينصرهم الله عاجلًا أو حتى بعد موتهم بعشرات السنين، معتقدين أنهم الطليعة المجاهدة التي ينبغي أن تضحي وأن تُقتل، لا ليتحقق النصر في حياتها لكنها ستتمكن من ذلك وهي في دار الخلد، فالموت هو من يسبق الفوز وليس العكس.

انعكست أفكار كتاب أصحاب الأخدود الرئيسية، خاصة المتعلقة بالابتلاء من أجل التمحيص والفرز وبمن ينتصرون بموتهم بعد سنوات طوال، على ممارسات أسرة سرور، فعمر الذي سُمي بهذا الاسم تيمنًا بعمر التلمساني، المرشد الثالث لجماعة الإخوان، يعتبر سنوات سجنه في بدايات التسعينيات حتى منتصفها ثم في عام 2009م حتى هروبه مع انطلاق ثورة يناير 2011م من سجن الوادي الجديد، “ابتلاءً من الله يمحص به المؤمن من المنافق”.

وعندما نُشر خبر مقتله في مدينة درنة الليبية في يونيو 2018م افتخرت به شقيقته ولاء على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك كـ”أحد شهداء الدعوة”، معبرة عن سعادتها بمصيره البطولي، وهي تحكي كيف وزعت والدتها طبق أرز باللبن لمن جاء يعزيها فيه، تعبيرًا عن الفرح بانتصاره الذي يعد موته إحدى علامات تحققه، وفق ما تسطره ملحمة أصحاب الأخدود.

عندما ترعى الذئاب الغنم

أصّل رفاعي سرور في كتبه الأولى لتكفير الحاكم ولجاهلية المجتمعات، فصارت الزاد الفكري لحركيي القاهرة والجيزة وللجهاديين خلال عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات قبل أن تبدأ مرحلة مختلفة مع نهايات عهد الرئيس حسني مبارك، نجح سرور وأولاده خلالها في تشكيل منظومة تجمع بين جناح فكري للرد على العلمانيين والليبراليين تزعمه حسام أبو البخاري وخالد حربي ويحيى رفاعي سرور، وجبهة سياسية تستثمر جهود مجمل التيار داخل معادلة التنافس السياسي وتزعمها حازم صلاح أبو إسماعيل، وأخيرًا جبهة تنظيمية عسكرية سعت للدفاع بالقوة عن الحركة ضد من اعتبرته العدو الأول لها وهو الجيش.

في كتابه، الذي يحظى بمكانة كبيرة في أوساط النخب الجهادية، “عندما ترعى الذئاب الغنم”، رأى رفاعي سرور أن نموذج الدولة الإسلامية ونظامها العادل لن يرى النور إلا بالقضاء على منابع الشر والعدوان وقطع دابر الجور والفساد في الأرض وكبح جماح الآلهة الكاذبة الذين تكبروا في أرض الله بغير حق وجعلوا أنفسهم أربابًا واستئصال شأفة ألوهيتهم.

شخصيات مسلسل “الاختيار”، التي اختارت طريق الإرهاب، تشربت تلك الأفكار واختارت لنفسها أن تنضوي داخل عائلة رفاعي سرور الممتدة، تلك التي عاشت في وهم كبير، ظل رفاعي ينفخ فيه طوال حياته، متمثلًا في أن بيته هو فقط الذي يستحق وصف “بيت الدعوة” وأن أفراد عائلته ومن ينضم لتنظيمهم هم “أصحاب الأخدود”، ومَن دونهم جميعًا مجرد غنم يرعاهم الشيطان.

دُعيت ذات يوم، بصفتي الصحفية والبحثية، إلى لقاء حضره رفاعي سرور الأب ضمن حضور شمل العديد من قادة التيار الإسلامي السابقين ومجموعة من أصحاب الفكر والرأي المستقلين في واحدة من المناسبات التي كانت إحدى مظاهر فوضى ما بعد حراك يناير 2011م، وخلال كلمته شمّر سرور أكمام جلبابه وراح ينظر ويطرح منهجه التغييري، مُستدعيًا عبارات من كتبه، كما لو كان ينتهز الفرصة ليخلق لتشبيكاته القطبية السرورية التي عكف عليها طوال حياته قيمة.

اقتربت من أذن صديق لي بجواري وذكرته ضاحكًا بتحذير موسى صبري: “رفاعي سرور خارج السجن”، لكنني كنت على يقين بأنه لا يقع في أحابيل تلك الأطروحات الملفقة، التي هي في أصلها ومبناها الفكري في منتهى السطحية ومزوقة بشيء من البيان والبلاغة اللفظية، سوى سطحيي الفكر وضئيلي المعرفة، وهو اختيار من ارتضوا أن ينضووا داخل العصبة السرورية وينخرطوا في المعركة ضد الحكام الذين يرونهم كذئاب ترعى الغنم، لكنهم قد لا يدركون أنهم أسلموا نفسهم للذئب نفسه، الذي رعاهم في أرض “الدم والهدم”، والتي نبتت فيها كل التنظيمات المسلحة.

هشام النجار

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى