فنمختارات

شريط “غزة مونامور”: كل شيء في المدينة يفتّش عن الحب

 

فيلم فلسطيني يحمل عنوانه اسم “غزة” يكفي أن نتوقع قبل أن نشاهده ما تحمله لنا قصة الفيلم، لكننا ننسى أحيانًا أن السينما الفلسطينية ليست كلها حربًا واحتلالاً، وأن الحياة في الأراضي المحتلة تحمل قصص وحكايات شخصيات عادية تشبهنا، تحوي مشاعر إنسانية يتشارك فيها البشر على أي أرض وفي كل مدينة وحي.

ففيلم “غزة مونامور” الذي شهد عرضه الأول في مصر والشرق الأوسط في أول أيام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الثانية والأربعين، يفاجئنا عن عمدٍ بقصة بعيدة تمامًا عمّا نتخيل، ما من حربٍ ها هنا، ما من معاناة جلية ودماء سائلة على الجدران، ما من حواجز وحدود وضربات رصاص طائشة.

فقط قصة إنسانية بسيطة للغاية، حالمة، قصة تنمو وتحبو في قلب الرجل العجوز “ناصر” الذي قرر أن يطرق أبواب الحب بكلتا يديه، في رحلة تتوازى فيها مشاعر الحب المكتومة مع مغامرة أخرى تبدأ في البحر وتنتهي على أرض غزة.

وهو أمر ليس غريبًا في سينما “الأخوين ناصر” اللذين يقدمان دراما فلسطينية بعيدًا عن القضية الفلسطينية وقريبة من حكايات المواطن البسيط.

لغز الإله أبولو

تمثال من البرونز للإله “أبولو”

قبل 6 أعوام عثر صياد سمك في قلب البحر بقطاع غزة على تمثال مصنوع من البرونز للإله “أبولو” وعرف لاحقًا أنه يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد. حاول الصياد أن يخبئ التمثال عن أعين الناس وعرضه للبيع على تاجر ذهب وتحف لكن سرعان ما  كشف أمره واستحوذت الشرطة بقطاع غزة على التمثال.

هذه القصة حدثت بالفعل في بلدة “دير البلح” بغزة عام 2014، وعندما أعاد  المخرجان الفلسطينيان الأخوان ناصر (طرزان وعرب ناصر) النظر إلى تلك الواقعة أغرتهما رحلة هذا التمثال منذ أن انتشلته يد الصياد من البحر إلى لحظات وقوعه في أيدي الشرطة، وقررا إعادة رسم هذه الواقعة وتلك الرحلة بمعالجة درامية تعيد تشكيل الواقعة بشيء من الخيال الحالم، وإضافة صبغة إنسانية يتجاور فيها العبث مع الحب مع الواقع اليومي البسيط.

“محور قصصنا هو الإنسان”.. بهذه الكلمات يصف الأخوان ناصر طبيعة أفلامهما السينمائية، فإذا كان الواقع الفلسطيني مؤلمًا وخانقًا فإن المواطن البسيط يحمل همومًا إنسانية جديرة بالالتفات لها وطرحها سينمائيًّا بعيدًا عن الأمور السياسية التي ترتبط بسينما القضية الفلسطينية، ومن هنا خُلقت شخصية “ناصر” بطل الفيلم ليكون الصياد هو بطل الحكاية، والحكاية لا تقف عند تمثال “أبولو ” فحسب بل تسلك طريقًا مغايرًا في قلب “ناصر” الذي يفتش عن الحب ويقرر الزواج بجارته التي تعمل خيّاطة في الحي وتصغره بسنوات قليلة.

“سليم ضو” في دور “ناصر”

“ناصر”، الذي يلعب دوره الممثل سليم ضو، يبلغ الستين عامًا ويعيش حياة بسيطة ويحافظ على صلواته كما يحافظ على تدخين سجائره، ورغم أنه عَزَب معتاد على الوحدة وزيارات أخته الخاطفة، يقع أخيرًا في الحب، ومن هنا يتحول مسار الفيلم من لغز تمثال “أبولو” إلى قصة رجل عجوز يفتش عن الحب، عن الحياة، وينظر إلى المستقبل المترامي بقلب شغوف، ومن حوله تمضي الحياة في غزة بوتيرتها المعتادة، كل شيء حوله “غزاوي” الهوية.

الفيلم الذي صُوّر بين الأردن والبرتغال حمل طابع غزة بكل تفاصيلها، البحر، السوق، الجدران في الشوارع والأسوار العالية التي لم تغب عنها رسومات الجرافيتي لحنظلة، و”فلسطين حرة”، والآيات القرآنية التي تزين سور قسم الشرطة “ربنا اجعل هذا البلد آمنًا” كل هذه الهتافات الصامتة المكتوبة على الجدران تحمل هوية فلسطين المحتلة التي نعرفها، تتجلى في خلفية المشاهد ولا تعوق أو تعرقل سير الشخصيات في أيامهم العادية.

مشاهد كالموسيقى

ولأننا أمام قصة حب تنشأ في قلب “ناصر” من طرف واحد لم تغب عن الفيلم الموسيقى الكلاسيكية الحالمة، تصاحبه كلما خفق قلبه وشاهد جارته التي وقع في حبها، تذكرنا بموسيقى الأفلام الكلاسيكية القديمة، تحمل براءة الحب واللوعة، حتى إن الشخصيات التي تُمضي أمسياتها أمام شاشة التلفاز أو أمام الراديو تشاهد الحب ويحيط بها في المسلسلات التركية والأفلام المصرية القديمة، وتسمع أيضًا في أغنيات عبد الحليم عبر أثير الراديو. كل شيء في تلك المدينة المنسية يتغنى بالحب كأنه ترنيمة سرية تنتشر في كل مكان وتعين الأيام الثقيلة على المرور بأقل قدر من الألم.

وفي المقابل لا ننسى أننا أمام قصة حب بين عجوزين، وما من شيء يدعونا للأمل أكثر من قصة حب في أجساد كهلة يكسوها الشيب والعجز وعلامات الزمن. أما الشباب في “غزة مونامور” لهم آمالهم المختلفة.

بينما تشغلنا قصة الحب من جهة والتمثال من جهة أخرى، تظهر شخصيتان في حياة البطل والبطلة، صديق ناصر وابنة الخياطة التي يحبها ناصر، وكلاهما لا يهتم بالحب بقدر اهتمامه بالسفر بعيدًا عن الوطن، وهو ما يعيدنا إلى الرمزية التي لا تغيب عن تفاصيل الفيلم البسيطة، كل شخصية هي رمز للحب، للشباب، لليأس من الحب، للماضي المعلق على الجدران في صور بالأبيض والأسود، للسلطة المتخاذلة، للوطن الذي يصرخ وينتفض على الجدران.

يقول ناصر لصديقه رافضًا فكرة السفر “مستقبلي هنا” فيتهمه الصديق بأن “جيلكم ضيّع جيلنا” فيسود الصمت وتمضي الحياة في سيرتها المعتادة غير عابئة للماضي أو المستقبل البعيد.

“ناصر” وجارته في أحد مشاهد الفيلم

ما يمكن اعتباره كنزًا حقيقيًّا قدمه الفيلم هو التفاصيل البسيطة لشخصيات غزاوية بسيطة للغاية، راقبت أحلامهم، نمط حياتهم، ومصادر رزقهم، وطريقتهم في استقبال الحياة والأمل والاحتلال، ومن جهة أخرى سلطات حماس التي تنسب لنفسها بطولات لم تحرزها، خطابات حماسية غاضبة تنفجر من شاشات التلفاز ورجال الشرطة قعود في مكاتبهم يعدون الطعام ويتعاملون برتابة وبيروقراطية مع حدث كالعثور على تمثال “أبولو” الذي يسعون في نهاية المطاف لبيعه بطريقة غير مشروعة، في صورة تكشف الوجه المراوغ للسياسة والسياسيين، في سياق تفاصيل عابرة كأنها جرس إنذار يلوح من بعيد دون إثارة جلبة.

البحر هو العالم

يبدأ الفيلم من ظلمة البحر وينتهي عنده، البحر مصدر رزق “ناصر” الوحيد، يصطاد ويبيع صيده ويأكله أيضًا، في البحر يراقب العالم ويتأمل سماواته، وفي البحر يظهر له تمثال “أبولو” كتعويذه تحيي مشاعر الحب بداخله وتدفعه على مدار الفيلم لأخذ خطوة جادة تجاه التصريح بالحب بجارته، كأن التمثال بجسده العاري وعضوه المنتصب أمامنا يعري النشوة واللذة اللتين تغمران ذلك العجوز الذي يفكر في الحب وممارسته في الصحو والنوم، وهو أمر لم يبدُ معيبًا بقدر ما بدا مقبولاً، مضحكًا، ويحمل في طياته قدرًا كبيرًا من العاطفة والأمل.

يقدم لنا الأخوان ناصر فيلمًا استثنائيًّا أشبه بمشاهد متفرقة من الحياة الطبيعية خلف البيوت وفي عتمة الشوارع الخلفية في غزة، وهي أمور يبدو أننا نفتقد مشاهدتها، إنها مشاهد تشبه حياتنا وأيامنا.

ولا يخلو الفيلم من تكرار المواقف الكوميدية كنغمة خاصة تكشف مفارقات عبثية للحياة التي نعيشها، وهو ما اعتُبِر نقطة قوة ونجاح لفيلم حقيقي للغاية من دون ابتذال، فيلم صادق في مشاعره على تناقضها، ويحافظ على إيقاعه حتى آخر نفس دون أن تفقد الحكاية بريقها، ويذكرنا أن الحب لا يعرف سنًّا أو وقتًا ليطرق أبوابنا وقد يفاجئنا من حيث لا ندري، كالتمثال الذي انتشلته الشِباك من قلب البحر، كل ما بوسعنا فعله أن نفتح الأبواب ونستقبله كما الحياة بالقليل من اليأس والكثير من الضحك والأمل.

 

آية طنطاوي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى