ثقافة وفن

شفرة مِكي.. كيف وصل إلى “الاختيار 2” سالماً؟

 بدءاً من 2007 راكم مواليد الثمانينات والتسعينات، خبرة مشاهدة فنية ضخمة بفضل الإنترنت فائق السرعة ؛ سواء على صعيد مواقع منتديات الأفلام والتورنت، أوما تلاها من منصات “نيتفليكس” وHBO، أو مواقع قرصنة الأفلام والمسلسلات المحلية كـ”إيجي بيست”، و”ماي سينما”.

كان لتطور وسهولة استخدام برامج تحرير الصور ومونتاج الأفلام عبر الـ”سمارت فون” في يد جمهور المشاهدين لأول مرة، الفضل في إكسابهم القدرة على تفكيك مضامين الأفلام، والكشف عن جذورها الأجنبية المقتبسة وإحالتها إليها، وإعادة تدوير محتواها الفني في صورة “كوميكس” بصرية أو فيديوهات تهكمية مرتبطة بأحداث راهنة، فضلاً عن عرضها عبر منصات السوشال ميديا، والتعاطي مع تعدد مرجعياتها النصية والبصرية بمهارة، وبيان حالة التناص Intertextuality أو الاقتباس المهيمنة على الساحة السينمائية المصرية في آخر عشرين عاماً.

على الجانب الآخر تصاعدت بعض الأصوات باتهامات معلبة بـ”السرقة” تجاه هذا النوع الفني أو ذاك، ولكن النظرة الفاحصة لتاريخ الفنون البصرية، تشير إلى أن العملية الفنية على مدار تاريخها المعاصر ما هي إلا عملية مستمرة من الاقتباس والتطوير وإعادة التدوير، دون وجود أصل واحد “مُتخيل ” متفقٌ عليه للأشياء أو منبع واحد لها. أو كما أتى على لسان شخصية “الراوي” في فيلم “نادي القتال” 1999، إخراج ديفيد فينشر: “كل شيء ما هو إلا نسخة، من نسخة، من نسخة”.

صورة توضيحية للاقتباس البصري والأسلوبي

استيعابنا للفرضيات السابقة يفتح لنا زاوية أوسع في التعامل مع الظواهر الفنية، وربطها بسياقها الاجتماعي، وسياق مركز الفنان وعلاقته بالصناعة المنتمي إليها.

فمثلاً تتشابه اقتباسات السينما المصرية من الأفلام الأجنبية، مع اقتباسات المخرج الأمريكي “داميان تشازيل” الاستعراضية في فيلمه “La La land” 2016، من فيلم “Broadway melody of  1940 للمخرج “نورمان تروج”.

وفي هذا السياق، اقتبس المخرج “كريستوفر نولان”، الذي عُرف بأفلامه ذات المضامين الفلسفية، تيميات فيلم “Inception” 2010، من فيلم الأنمي الياباني “Paprika”.

وفي فيلم “The Joker” 2019، لمخرجه الأمريكي تود فيليبس تم اقتباس العديد من اللقطات الداخلية والخارجية من فيلم “Taxi Driver” 1976 لمارتن سكورسيزي، كمرجعية بصرية ولونية للفيلم الذي تدور أحداثه في نيويورك الثمانينات.

وفي السياق المحلي يُعد الممثل والمخرج المصري أحمد مكي (1978 -) أحد أبرز من تمركزت مسيرتهم الفنية حول الاقتباس والاستعارة والبارودي (المحاكاة الهزلية)، وهي مهارة اكتسبها من قضائه لساعات يوميا يشاهد الأفلام المختلفة في نادي الفيديو الذي عمل به، وفور التحاقه بمعهد السينما قسم الإخراج عام 1997، أضاف مكي لخبرة الفرجة التقنيات الحرفية اللازمة لسرد حكاياته.

فيلم الحاسة السابعة
فيلم الحاسة السابعة

تجريب طَمُوح: اقتبِس كالفراشة والسِع كالنحل

تخرج أحمد مكي في قسم الإخراج بالمعهد العالي للسينما عام 2001، بعد أن أخرج فيلمه القصير “الحاسة السابعة” بطولة “معوض إسماعيل” كمشروع تخرجه والذي يدور حول “يحيى المصري” بطل الكونج فو المصري، الذي يسعى للشهرة عبر تحدي بطل الصين في الكونج فو “فومانشي”، ولتحقيق حلمه يلجأ لساحر (أحمد راتب)، ليمنحه القدرة على سماع أفكار مَنْ حوله، مما يمنحه أفضلية استباقية عليهم، لتندلع المفارقات الكوميدية التهكمية بفعل تلك الحاسة.

وفي صيف عام 2005 أخرج أحمد مكي فيلمه الروائي الطويل الأول بعنوان “الحاسة السابعة” كتطوير للفيلم القصير، من بطولة “أحمد الفيشاوي” و”رانيا الكردي” مع الإبقاء على “أحمد راتب” في دور الساحر المخيف الظريف؛ الفيلم يُعد نقطة فارقة في مسيرة مكي الفنية واتجاهاته كممثل ومخرج لاحقاً.

حمل فيلم “الحاسة السابعة” العديد من أوجه التجريب الجديدة على السينما المصرية؛ فإلى جانب شريط الصورة وحركة الكاميرا المتلصصة والـStop Motion الأقرب لأفلام الرسوم المتحركة، والتنويع بين أحجام اللقطات والزوايا، مع التركيز على تعبيرات الوجه الجاد والمحافظ، جاء توظيف شريط الصوت، سواء صوت عقل الشخصية الهزلي المناقض لجدية الموقف كمفارقات كوميدية متوالية، أو الموسيقى المصاحبة والمؤثرات الصوتية القصيرة كأصوات اللكمات والارتطامات، لتعزيز الحالة الكوميدية.

أيضاً حمل الفيلم أولى ملامح البارودي الذي ستميز أغلب أفلام مكي فيما بعد؛ فالفيلم عبارة عن اسكتشات وتنويعات على حال أسر الطبقة المتوسطة.

لم يكتفِ الفيلم بذلك بل استعار العديد من الظواهر العالمية ليعيد تقديمها؛ فقدم شخصية فان دام (صوتياً) في اتصالٍ لنشرة الأخبار المحلية. كما استلهم اسم مدرب “يحيى المصري” من كارتون سلاحف النينجا “المعلم رشدان”، وشخصية “هايدي” من شخصية “جانيس” والتي ظهرت في المسلسل الأمريكي “فريندز”، بضحكتها المزعجة المميزة.

صبغت ثقافة الفرجة على أفلام نادي الفيديو روح “الحاسة السابعة” والذي عكس بصورة هزلية ضجر جيلي الثمانينات والتسعينات من تزمت الطبقة الوسطى المحافظة، بالتوازي مع رصد فورة القنوات الفضائية الخاصة (المستقلة نسبياً عن الإعلام الرسمي المحافظ) وما قدمته من أغاني “الفيديو كليب” الاستعراضية المثيرة.

جرعة التجريب المكثفة في الفيلم لم تنجح تجارياً، ولم يبدأ الاهتمام الحقيقي به إلا بعد عرضه بالتليفزيون، قبل أن يشهد ذروة الاحتفاء به مع توفر خدمة الإنترنت السريع وإتاحته للمشاهدة “أونلاين” بين محبي السينما الأمريكية، الذين انتبهوا لاقتباسات مكي من أفلام “كوينتين تارانتينو”، و”بروس لي” ولكوميديا الموقف والمفارقات والبارودي.

حاسة مكي السابعة ألهمته تنحية الإخراج السينمائي جانباً والتركيزعلى إعادة تشكيل ذاته كأيقونة كوميدية شبابية.

أحمد مكي في “تامر وشوقية”

“دبور” في السيت كوم: انطلاق حَذِر

كلمة Sitcom هي اختصار لـ Situation Comedy أي كوميديا الموقف؛ وهو نوع المسلسلات الكوميدية الذي يعتمد إثارة الضحك فيها على تمركز شخصيات كوميدية ثابتة طوال الحلقات، مع تبدل سكتشات كوميدية حولها.

ركيزة السيت كوم هي وجود أكثر من شخصية صاخبة كاريكاتورية تخلق تناقضات ومفارقات صاخبة دائمة. كانت تلك فرصة مكي الذهيبة للانطلاق.

ففي عام 2006 كان المخرج والمنتج “شريف عرفة ” بالتعاون مع  “طارق نور” صاحب وكالة الإعلانات الشهير يحاولان استثمار نجاح أول سيت كوم مصري “شباب أون لاين” 2002 للمخرجة “هالة خليل” المقتبس عن مسلسل Friends واستعانا بـ”أحمد الفيشاوي” لبطولة مسلسل “تامر وشوقية” المقتبس بدوره عن سيت كوم Dharma & Greg.

عبر بوابة “تامر وشوقية” للمؤلف “عمرو سمير عاطف” والمخرج “أسامة العبد” خطا مكي أولى خطواته نحو الجماهيرية كأيقونة كوميدية؛ بأدائه لشخصية “هيثم دبور”، الشاب الأرستقراطي ذو الشعر الكنيش (كانت موضة منتشرة آنذاك بين شباب تلك الطبقة؛ مستلهمة من فريق Boney M الغنائي، الذي ظهر في السبعينات)، وهو شاب يتهرب من مسئولية الزواج من “داليا (أخت تامر) (إنجي وجدان)، ويمتاز بالمزج في حديثه بين العربية والانجليزية المتقنة، وأدائه الحركي المفعم بالحيوية، وملابسه المتنوعة بين الجاكيت “الهودي”، وسلاسل فضية ضخمة، و”تي شيرتات” واسعة تشبه “تي شيرتات” لاعبي كرة القدم الأمريكية.

حاز المسلسل إقبالاً كبيراً من فئتي الشباب والجمهور العائلي، بفضل معالجته لقضايا اجتماعية بسيطة في قالب كوميدي لا يخلو من روح مسلسلات الأطفال؛ ويعود ذلك لكاريكاتورية الشخصيات التي رسمها “عمرو سمير عاطف”، مؤلف مسلسل الأطفال الشهير “بكار”.

 

دبور في فيلم مرجان أحمد مرجان

في “مرجان”: كَبَّر الـ G.. والشعبية أيضاً

مع ثاني موسم لمسلسل “تامر وشوقية” وجدت شخصية “دبور” مكانها ضمن كاست فيلم “مرجان أحمد مرجان” 2007  لعادل إمام وإخراج “علي إدريس”، المقتبس من فيلم Back to School 1986، والذي تدور حبكته حول صراع رجل الأعمال المشهور مع ابنيه، لرغبتهما في استكماله لتعليمه ونيل شهادة جامعية، ليلتحق بنفس الكلية التي يدرسون بها.

قدَّم مكي في “مرجان أحمد مرجان” شخصية “دبور” مرة أخرى، ليحقق نجاحاً لافتاً في دور الطالب الفاشل الظريف الذي لا يهتم بالدراسة، ويقضي ليله في الملاهي ويتعاطى المخدرات بأنواعها.

حقق الفيلم المصلحة المتبادلة بين طرفي المعادلة: “الزعيم” و”دبور” فمن ناحية كان عادل إمام بحاجة إلى وجه شبابي يقدمه لجيل أصغر ويصله بإيفيهات من نوعية “كبَّر الـ G وروق الـ D” لذلك أفسح لمكي مساحة أكبر، بينما كانت جماهيرية “إمام” العريضة بوابة مكي للبطولة المطلقة، والتي حققها بعد عام واحد من “مرجان”.

H دبور
H دبور

“دبور” في السينما منفرداً

مع (H دبور) 2008، تحققت أولى بطولات مكي المطلقة، بفضل احترافية المخرج “أحمد الجندي”، إذ دشَّن الفيلم ثنائية “مكي-الجندي” التي نجمت عنها شراكة ذهبية استمرت 7 أعوام، حيث كانا حريصين على التواصل مع جمهور أوسع واللعب في المضمون مع حد أدنى من التجريب.

لذا استعانا بلطفي لبيب (في دور السائق الأمين الذي سيرعى دبور بعد تجميد أرصدته و حبس أبيه في قضية غش تجاري) وإنجي وجدان (في دور المحامية أرواح، التي سيحبها دبور)، وحسن حسني في دور والده.

اعتمد سيناريو الفيلم الذي كتبه الممثل “أحمد فهمي” مع “محمد المعتصم” على تناقض ثنائية الطبقة الفقيرة الشعبية والطبقة الغنية، مع اعتماده على تقنية A fish out of water؛ والتي يقصد بها “إخراج شخصية من بيئتها ووضعها في بيئة مغايرة تماماً”.

فالبطل ينزل من طبقته الأرستقراطية إلى أجواء الطبقة الشعبية، وخلال رحلته لإثبات براءة والده تتغيّر طباعه وعاداته وشخصيته عبر احتكاكه بأهل الحارة “الجدعان الطيبين”، وهي التيمة التي كانت تلاقي قبولاً كبيراً بين جمهور الطبقة الوسطى آنذاك؛ فهي تُشبِع لديهم الشعور بالسمو المشابه لمفهوم التطهير المسرحي، وهو شعور مبني على فرضية أنه “رغم تمتع الطبقات الأعلى بالرفاهية، إلا أنهم أبناءها لصوص وكسالى ويفتقرون إلى القيم التي تملكها الطبقات الأدنى”.

ومع انعدام فرص الطبقة المتوسطة في الترقي الاجتماعي والاقتصادي في ظل الوضع السائد آنذاك، أصبح تقويم “دبور” (الشاب، ابن الطبقة العليا) هو الهدف المراد للطبقة الوسطى، وهو اعتقاد راسخ بحاجة الشباب لمؤسسات تقوّم شخصياتهم؛ مثل المدرسة في فيلم (الناظر) أو التجنيد الإجباري في فيلم (عبود على الحدود).

واعتمد السيناريو أيضاً على علاقة التضاد بين “دبور” و”كالوشا” (سامح حسين) التي تجسد علاقة الرفيقين: الذكي والغبي، ومن خلال تناقضاتهما تتولد المفارقات الكوميدية.

فروق الثقافة بين النقيضين تمثلت على مستوى الحوار في تعديل “دبور” لطريقة نطق “أرواح” للكلمات الإنجليزية (مثال الـ b وp)، ذلك التعالي كان مستساغاً بين الشباب نتيجة اشتراط معظم الشركات بسوق العمل الخاص إجادة المتقدمين للعمل بها للغة الإنجليزية.

ويتماشى ذلك مع تماهي “دبور” للرؤية المحافظة التي تستنكر الأغاني الشعبية (المهرجانات) مثل “العبد والشيطان”، ويظهر ذلك في جملته الساخرة “إيه إللي جوجوجو ده”. لم يترك مكي ترينداً رائجاً إلا واستغله؛ مثلا تكراره لكلمة “A7A”، معطياً لها نغمة خاصة مُبالغ فيها “إيييه سيفن أييه”.

نجح مكي في اختبار السوق، مهادناً للطبقات المحافظة من ناحية و مشاكساً لها من ناحية أخرى، وبعد ثلاث جولات من “هيثم”، و”دبور”، أصبح مكي “ميجا ستار” في عالم الكوميديا.

أحمد مكي في طير إنت
أحمد مكي في طير إنت

“طير إنت”: توهُّج الأيقونة

كان مكي يعيش أيامه الذهبية حين ذاك. توهجت أيقونته كوجه دعائي رئيسي منفرد لأحد الأنظمة الخاصة بشركة “اتصالات” الوافدة حديثاً على مصر، في وقتٍ كان فيه الكثير من الشباب يقلد إيماءات ولازمات “دبور” وأغانيه.

في تلك اللحظة من التألق يكون أمام النجم خياران: إما “حلب” ذلك “الكاراكتر” حتى آخر قطرة، أو البحث الدؤوب عن “سِكّة” جديدة يظهر من خلالها للجمهور.

وجد مكي ضالته بالتعاون مع أحمد الجندي وسيناريست موهوب ومفتون بالاقتباس مثله الكاتب عمر طاهر، في فيلم  “طير إنت” 2009 المقتبس عن الفيلم الأمريكي Bedazzled 2000.

نجح طاهر بمشاركة الجندي ومكي في إرجاع موتيفة “تحقيق الأماني السحرية” لأصلها، عبر استلهام تيمات “ألف ليلة وليلة” و”البساط السحري”، و”جني مصباح علاء الدين” والتي تجسدت في شخصية “مارد” بأمانيه السبعة، متماهياً مع الجو الأسطوري المرتبط بالمخيال الشعبي والتراثي لدى المصريين.

“طير إنت” شهد مبارزة فنية مدهشة بين الجندي ومكي، تفرغ كلٌ منهما في استعراض مهاراته، فالجندي أراد إثبات نفسه في ساحة الإخراج السينمائي الكوميدي، فيما أراد مكي تغيير “جلده التمثيلي” عبر تجسيده 6 شخصيات مختلفة.

كل شخصية منها تنتمي لبيئة مغايرة، ولها بنية جسمانية ونفسية مختلفة؛ بين الصعيدي (كبير أحد العائلات بالصعيد) الظالم المهووس بالسيطرة
(في محاكاة ساخرة مقتبسة من شخصيتي “عتريس” في فيلم “شيء من الخوف 1969″ و”منصور الحفني” في فيلم الجزيرة 2007)، ونمط الثري الخليجي الذي يشتري كل ما يريده بالمال، وكابتن حسن شحاتة، و”ميشو” الشاب الوسيم مفتول العضلات/الجبان المغتر بنفسه، و”سوما العاشق” الفنان مفرط المشاعر (حساس الجيل)،  و”بهيج” الشخصية الرئيسية للفيلم (طبيب بيطري مجتهد في عمله ويقضي وقته كله في متابعة كل جديد فيما يتعلق بالحيوانات وأمراضها، ولكنه يعاني من كونه منطوٍ اجتماعياً ولا يستطيع مكاشفة إحدى المترددات على المستشفى البيطري التي يعمل به بحبه لها).

نجح “مكي” في أن يجعل لكل شخصية طابعاً كاريكاتورياً يعتمد على المبالغة، بالإضافة إلى إتقانه لهجات الشخصيات بموازاة نجاح شريكته في الفيلم “إيمي سمير غانم” في تجسيد شخصيات متعددة الخلفيات أيضاً.

وظَّف أحمد الجندي وعمر طاهر طاقم ممثلين محدود بواسطة حيلة ذكية تشبه سكتشات السيت كوم، بأن ربطا السرد والحكايات المختلفة بممثلين ثابتين تتبدل عليهم الأدوار المصاحبة للدورين الرئيسيين “ليلى” و”بهيج” في سبع إسكتشات.

حزلقوم في فيلم لا تراجع ولا استسلام
حزلقوم في فيلم لا تراجع ولا استسلام

لا تراجع ولا استسلام: تدوير هزلي للجَد

  • حسام: أصل يا فندم الفكرة إللي بتقولها دي اتهرست في 300 فيلم عربي قبل كدة، من أيام نجيب الريحاني و”سلامة في خير”، و”سي عمر”، لغاية “كتكوت”، ده غير الأفلام الأجنبي بقى؛ “شبيه التنين”، و”التنين البديل”، و”عودة التنين الندل”.
  • الضابط سراج : شفتهم كلهم على فكرة.

يندهش حسام فيما يكمل سراج: وده اللي مخليني متمسك بالفكرة أكتر؛ لأن من كُتر ما اتهرست ماحدش هيفكر إن احنا هنعملها تاني، وده اللي خلاني أسمي المهمة “لا تراجع ولا استسلام” بين قوسين “القبضة الدامية”.

لا تراجع ولا استسلام (القبضة الدامية)
تأليف: شريف نجيب، إخراج: أحمد الجندي 2010

الاسم اقتُبس عنوانه من فيلم  No Retreat, No Surrender  1986 من إخراج “كوري يون”، و”لوكاس لو”، وبطولة “جان كلود فان دام”، وهو فيلم أكشن أمريكي/هونج كونجي.

ويمكننا أن نخمن بأن حواراً مشابهاً دار بين فريق الكتابة المتمثل في الكاتب شريف نجيب وأحمد مكي، والمخرج أحمد الجندي، حول جدارة تقديم فيلم يحمل تيمة بوليسية، يعيد إنتاج الحبكة المعتادة للكثير من الأفلام البوليسية المشهورة عالمياً ومحلياً، والتي تعتمد على وجود عميل للجهاز الأمني في تشكيل عصابي يساعد في الإيقاع به.

في تجسيده لشخصية “حزلقوم” أدى مكي نبرة الصوت الخاصة بأحد معاوني شخصية “فومانشي” (بطل العالم للكونغ فو) في حوار بفيلم “الحاسة السابعة”:

  • نقتله بالسم.
  • لا، بالقتال.
  • بالسم.
  • لا، بالقتال”.

الأسماء أيضاً: “حزلقوم”، “أين أشيائي”، “عزام أبو الفضل”، و”جرمين”؛ أشبه بأسماء شخصيات فيلم كارتون.

لم يخلُ الفيلم من تكرار محاكاة ساخرة لظواهر اجتماعية؛ مثل برامج التوك شو؛ بظهور “حزلقوم” مع الإعلامي معتز الدمرداش، وأغنية إسماعيل البلبيسي الغربة الشهيرة في الثمانينات بما تثيره من نوستالجيا، أو قضية الهجرة غير الشرعية، التي أثارت جدلاً آنذاك. كما تماهى الفيلم بشكل كوميدي مع الأغاني الشعبية الحزينة بالفترة الزمنية نفسها مثل “الدنيا زي المرجيحة”.

الجديد بالنسبة إلى مكي كان أداؤه لمشاهد الحركة والقتال وملاحقات السيارات، وهو ما لم يعتده جمهوره في الأفلام السابقة، والتي كان إيقاعها أبطأ بعض الشيء. كان ذلك تدريباً ضرورياً على دخوله لعبة الأكشن لاحقاً.

أحمد مكي في الكبير قوي
أحمد مكي في الكبير قوي

“الكبير قوي”: تسلّل كوميدي إلى المخيال الجمعي

في 2010 اقتبس مكي البنية الدرامية لمسلسله “الكبير قوي ” من إحدى أمنيات فيلم “طير إنت”، والتي كانت تدور في الصعيد، كما اقتبس اسم “الكبير” نفسه من فيلم “الجزيرة” 2007، واقتبس وصف “الكبير”، زعيم العائلة بالصعيد، من جملة جاءت على لسان الفنان محمود ياسين (الذي أدى دور والد منصور الحفني في الجزيرة)، حين قال لابنه “الكبير ماينفعش يقع يا منصور”.

كما استلهم فريق عمل المسلسل الديكور الخاص بالدوار (المسرح الرئيسي للأحداث، إلى جانب قرية المزاريطة) من فيلم “الجزيرة” أيضاً، مع الصورة الخاصة بالأب عند السلالم، والفناء الخارجي، مضيفاً تمثالاً لـ”الكبير قوي” وهو يقهر أحد أعدائه.

التحدي الأكبر لصناع “الكبير قوي”  تمثل في كيفية الخروج من فخ التصوير النمطي للصعيد؛ وهو أمر صعب للغاية بالنسبة لمسلسل كوميدي يعتمد في إثارته ضحك جمهور العائلات على ميراث طويل من التنميط يتمثل في المبالغة في تصوير الثقافة صعيدية بصورة تتسم بالانغلاق أو الايحاء بأن اللهجة غير مفهومة له.

ووجد صناع العمل الحل السحري في رسم صورة كاريكاتورية موازية للواقع الصعيدي، أشبه بالفانتازيا، فيها يكون للـ”كبير” أخ توأم مصري/أمريكي يأتي للحصول على ميراث والده بعد وفاته، والاستقرار في الوطن، وتدور بينهما العديد من المناوشات والصدامات والتحالفات التي يحاول فيها كل طرف فرض أو نشر أفكاره ورؤيته في إدارة القرية.

فالـ”كبير” مثل نموذج للديكتاتور الذي يحيط نفسه بكل سبل الترفيه: يمتلك ألبومات مايكل جاكسون، ويشاهد الأفلام الأجنبية، وبرامج التوك شو.

فيما كان نقيضه الأجنبي (جوني)؛ الذي يرتدي السلاسل، والشورتات، والتيشيرتات الواسعة الشبيهة بتي شيرتات فرق الـ”بيسبول” الأمريكية، ولديه وشم على ذراعه، النسخة الأخشن من “ميشو” (أحد شخصيات فيلم “طير إنت”).

أعطى ذلك مساحة للاستعراض الحركي ومشاهد الإثارة، مثلما حدث في مباراة الأمريكان “فوتبول” بين فريق “المزاريطة” الذي شكّله ويقوده “جوني” والفريق الأمريكي، أو الاستعراض الغنائي، مثل أداء “الكبير” للراب واستعراضاته الحركية في برنامج “المزاريطة عندها تالنت”، أو غناء “هدية” (دنيا سمير غانم) في نفس البرنامج.

كان مكي من الذكاء أن يدرك أن البطولة المطلقة ستدمر مشروع مثل “الكبير قوي” لذلك أفسح مساحات درامية أكبر لغيره من الشخصيات للتألق بجواره ويستند عليها: أدوار “فزاع”، “هجرس”، “توماس”، “أشلي”، “دكتور ربيع” (الذي قام به بيومي فؤاد؛ وهو طبيب منتدب من القاهرة للمزاريطة).

على هامش النجاح التقط صناع العمل تفصيلة غياب مسلسلات الأطفال عن المشهد المصري، وكيف تلعب المسلسلات العائلية دوراً كبيراً في ملء ذلك الفراغ، لذلك كانوا حريصين على تقديم مظهر خارجي زاعق الألوان في أغلب المشاهد (فيما يشبه مسلسلات الأطفال)، الأمر الذي أعاد المخرج أحمد الجندي استثماره في “نيللي وشريهان” و”في الـ لا لا لاند” مع إيمي سمير غانم.

في موازاة ذلك اعتمد “الكبير قوي” على الإفيهات واللزمات اللغوية التي تعلق بالأذهان بسهولة مثل “جزرة وجطمها جحش”، “يا وقعة مربربة”، أو “خدني معاك يا سي دوني”؛ تعبيراً عن رغبة الكثيرين في السفر أو الهجرة.

ما سبق جعل عملية مشاهدة “الكبير قوي” أشبه بعملية مشاهدة جماعية لأفراد الأسرة، نجم عنها حفر مشاهد “الكبير قوي ” ومفارقاته الكوميدية في المخيال الشعبي الجمعي، ليتم استدعاؤها في المواقف الحياتية المختلفة.

استمر”الكبير قوي” لخمسة مواسم ناجحة بسبب عدة حيل منها: إدخال نسخ إضافية من إخوة الكبير مثل “حزلقوم”، وأخوهم السوداني، أو إعادة تقديم كلاسيكيات مصرية وعالمية بشكل ساخر (بارودي)، خاصة مع محاكاتهم الهزلية لفيلم “شمس الزناتي” 1991، و فيلم “الأب الروحي” 1972 من منظور المسلسلات التركية المدبلجة.

لم يلازم “الجندي” مكي في تلك الرحلة، فقد أخرج فقط الأجزاء (الثاني، الرابع، والخامس)، فيما أخرج إسلام خيري الجزء الأول، وهشام فتحي الجزء الثالث.

أحمد مكي وكريم عبد العزيز في كواليس تصوير مسلسل الاختيار 2
أحمد مكي وكريم عبد العزيز في كواليس تصوير مسلسل الاختيار 2

الاختيار.. حلم يتحقق أخيراً

بحسب المخرج بيتر ميمي؛ فإن الجزء الثاني من مسلسل “الاختيار“، والمخطط عرضه في موسم رمضان 2021، سيسلط الضوء على شهداء الشرطة، غير ذلك لا نعلم أية تفاصيل أخرى، كل ما نعرفه هو أن المسلسل من تأليف هاني سرحان وإخراج بيتر ميمي، وبطولة أحمد مكي (في دور يوسف الرفاعي)، وكريم عبد العزيز (في دور زكريا).

البطولة المشتركة توضح لنا إلى أين تتجه ديناميكيات السوق الدرامي المصري، والذي يحاول مكي دخوله مرة أخرى بعد غياب 3 سنوات، إذ يبدو أن الصيغة الإنتاجية التي ستسود هي البطولة المشتركة، نظراً لتراجع ضخ الأموال في القنوات الفضائية، وغياب رغبة الممولين الخليجيين في زيادة أسعار أجور نجوم دراما الصف الأول.

صيغة البطولة المشتركة ليست بجديدة على مكي، فقد سبق ونجح في تطبيقها في مسلسل “خلصانة بشياكة” 2017، والذي شاركه فيه البطولة هشام ماجد، وشيكو.

“الاختيار 2” حسب البرومو المنشور للمسلسل يلبي حلم مكي المؤجل منذ سنين بتمثيل أدوار الأكشن، والذي ظهر في تجسيده لشخصية “أدهم” في النصف الأول من فيلم “لا تراجع ولا استسلام (القبضة الدامية)”.

العامل المساعد الذي قد يساهم في تألق مكي في ذلك الدور هو مشاركته البطولة مع “كريم عبد العزيز”، والذي نجح مبكراً في الانتقال بسلاسة من الأدوار الكوميدية، إلى الأكشن، وتأدية أدوار بأفلام غموض وإثارة، كما أنه اكتسب خبرة في أداء أدوار الضابط من عمله بفيلم “ولاد العم” 2009 الذي قدم فيه دور ضابط مخابرات، ومسلسل “الزيبق” 2017 الذي قدم فيه دور عميل المخابرات.

تبدو الظروف كلها سانحة أمام مكي لتغيير جلده: بطولة مشتركة مع كريم عبد العزيز، أحد أهم نجوم الساحة السينمائية في آخر 5 سنوات، ميزانية إنتاجية تماثل الميزانية التي قدمت لمسلسل “الاختيار” في جزئه الأول، موسم هو الأهم في العام، فهل تنجح المعادلة مع مكي كما نجح أن يصل إلى 2021 بكامل تألقه؟

إسلام ميلّبا

مخرج سينمائي وكاتب مصري

يوسف الحريري

صحفي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى