وجهات نظر

شهادة منشق تكشف انهيار داعش بسيناء

ماهر فرغلي

كاتب وباحث مصري

 

في منتصف ليلة أمس الأحد 22 نوفمبر، أصدرت جماعة “جند الإسلام” فيديو بعنوان “معذرة إلى ربكم”، وهو شهادة لمنشق داعشي انضم إلى ما يعرف بـ”ولاية سيناء”، واللافت أن عنوان الإصدار هو نفسه عنوان فيديو قديم لتنظيم داعش الأم، يقيم فيه الحجة على عدم المبايعين له، أي أنه إصدار في مواجهة إصدار.

يبدأ الفيديو بشهادة تعريفية عن بطل الفيديو بأنه انضم إلى تنظيم داعش وبايع البغدادي، لكنه لما رأى جرائمهم وقتلهم بعضهم لبعض واغتيالهم لعوام المسلمين، حاول الفرار، ففشل في المرة الأولى وسجنوه وعذبوه، وفي المرة الثانية نجح في الهرب إلى مكان أدلى فيه بشهادته ليحذر الشباب من الانضمام إلى من أسماهم “خوارج العصر”.

يجيب المنشق في البداية عن سؤال الانضمام ولماذا بايع البغدادي، بأن الإصدارات ومواقع التواصل هي السبب، فقد شاهد فيديوهات كثيرة تحرّض على قتال اليهود، وقال إن أحدهم قال له إن التنظيم سيقاتل إسرائيل، ما دفعه للمسارعة ببيعته، لكنهم خدعوه!

يقول: “لقد أخذوني إلى المضافة في العريش، تلك التي يستقبلون فيها المجندين الجدد، وبعد 15 يومًا أخذوني إلى منطقة الفتات، وعيّنوني في الحسبة، ثم بعدها جعلوني مقاتلاً، لكنني وجدت نفسي أحارب المسلمين ففكرت في الهرب أنا وأربعون عنصرًا، لكنهم ألقوا القبض عليّ، وحقق معي القيادي أبو بلال، الذي سامني سوء العذاب، وكان يضربنا بكابل أسود، ويعذبنا لو أجبناه بأي إجابة لا تعجبه، لن تتصوروا أبدًا مثل هذا التعذيب”.

وتحدث عن “أبو مريم”، الذي قدّم نفسه كاستشهادي، لكنه وجد حال التنظيم السيئ وقبح أخلاقهم وظلمهم، فشتمهم وقال لهم “إنتو شوية عيال” فقبضوا عليه وقتلوه وقالوا عنه إنه مرتد، وكان منهم “أبو مقداد غزاوي” – أبو شداد، وأبو سامي البدري.

المنشق وهو يدلي باعترافاته

يتابع: لقد اتهموا واحدًا بأنه جاسوس، فعذبوه تعذيبًا بشعًا، حتى أصابته حالة نفسية، وقتلوا “موسى أبو زماط”، وفوجئنا بأنهم جمعونا وأرسلوا تعميمًا بأنهم سيقيمون حد الردة عليه، لأنه يعطي سلاحًا لحماس، ولما شفع له أخوه رفضوا، ومن أذاع بيان قتله حمساوي اسمه كاظم الغزاوي، وكان الهدف من التصوير استقطاب عناصر من القطاع!

اللافت أنه تحدث عن الكذب في بيانات التنظيم، قائلاً: الخبر جاءنا باستهداف مقدم و10 جنود ومفخخة، ونشر في وكالة أعماق، لكننا فوجئنا بأن المقتولين سائقون يعملون في سيناء، كما أرسلوا إلينا تعميم البشريات بقتل 305 بمسجد الروضة بتهمة أنهم مرتدون عباد قبور!

يشير المنشق إلى أن القاضي ومفتي التنظيم هو أبو هادي، وأن سليم الحمادين أبو عماد، وأبو صلاح من القيادات الأمنية، كما أن أبو سهل هو القائد العام، وأبو صالح هو نائب الوالي، وأبو حمزة هو القاضي الشرعي محمد سعد.

أبو سهل قائد تنظيم ولاية سيناء

“إنهم يمنعون عنا الإنترنت ووسائل الإعلام، وإذا أردنا أن نعلم أي خبر نذهب إلى إعلاميي التنظيم، الذين يعطوننا إصداراتهم فقط”، هكذا قال المنشق في شهادته.

تبدو من الفيديو مجموعة من الإشارات الهامة:

1-  عودة جماعة “جند الإسلام” بسيناء للواجهة مرة أخرى، بعد احتكار تام من “الولاية” لكل العمليات الإرهابية في سيناء المصرية، لكنها تعود إعلاميًّا هذه المرة، بعد أن ظهرت من قبل في عملية مواجهة مع التنظيم السيناوي الإرهابي يوم 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، حين استهدفت مجموعة داعشية، وقالت إن ما أسمته بـ”الجهاز الأمني” للجماعة استهدف سيارة تابعة لـ”داعش” بعد جمع المعلومات اللازمة بهدف أسر عدد من عناصر التنظيم والتحقيق معه، لافتة في تسجيل صوتي إلى الاشتباك مع من كانوا في السيارة حتى قتلوا جميعًا، واغتنام كل ما كان فيها، فضلاً عن مقتل اثنين من عناصرها، مطالبة عدداً من عناصر “داعش” بتسليم أنفسهم قبل “القدرة عليهم”، وهم “أبو أسامة الخارجي، وأبو صالح الخارجي، وأبو صخر الخارجي، وفهد الخارجي”.

2-  تتضح من اعترافات المنشق سهولة سفك الدماء في هذه الجماعات واستمرار الخلافات، وهروب الكثير من عناصرها بعد معرفتهم لحقيقتها، وأن التنظيم يحاصر عناصره بمنع الإنترنت عنهم ووسائل الإعلام الأخرى حتى لا يعرفوا الحقيقة.

3- الخلافات في هذا التنظيم مرشحة للتصاعد، لأن هذه التنظيمات لديها قدرة غريبة على تأويل نفس النصوص لتتحمل الشيء ونقيضه، لذا فإن التنظيم في انهيار مستمر.

4- سينتهي “ولاية سيناء” في الغالب من الداخل قبل الخارج، فرغم وحدتهم الظاهرة (الوحدة هي على الأرض فقط لاتفاقهم حول الهدف، وهو تقويض الأنظمة)، ورغم حججهم العقدية، ورغم استلابهم قلوب وعقول العناصر الشابة، فإنهم في النهاية يصلون إلى النقطة الأخيرة، وهي معارك حول أيديولوجيات بغيضة، وإستراتيجيات خطرة.

في الختام، جماعة “جند الإسلام”، التي أصدرت البيان الصوتي، من مجموعات السلفية الجهادية الموجودة داخل مصر، وتحديدًا في سيناء، هى التي تحمل أفكار تنظيم “القاعدة”، وتتمركز على نحو كثيف بمدينة الشيخ زويد، كما تتمركز في جبل الحلال وجبال المهدية، التي تعتبر أهم قاعدة جغرافية صعبة، وكانت في عام 2011 قد ظهرت في استعراضات علنية في المدن الحدودية يوم مقتل بن لادن، وعناصرها يرتدون ملابس سوداء ويرفعون أسلحتهم. ومن أخطر العمليات الإرهابية التي قامت بها الهجوم المسلح على قسم شرطة ثان العريش، بأكثر من 40 عنصرًا مسلحين بأسلحة الـ”آر بي جي” والقنابل والأسلحة الثقيلة، فضلاً عن محاولة احتلال قسم الشرطة، ورفع رايات “القاعدة” عليه، والدعوة لإقامة إمارة إسلامية في سيناء، لكنها اختفت فيما بعد بفعل الضربات الأمنية حتى عاودت الظهور الآن.

 

 

ماهر فرغلي

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى