شهادتي على اغتيال “هشام الهاشمي”

أحمد سلطان

صحفي مصري

كانت عقارب الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة عند منتصف الليل (بتوقيت القاهرة) عندما تلقيت عدة اتصالات متتالية من صديق قديم، وباحث عراقي مخضرم، أنهى لتوه دراسةً عن الفصائل الولائية المنضوية تحت لواء “الحشد الشعبي” العراقي.

كان صديقي فزعًا كما لم أعهده من قبل، وطلب مني مشورةً عاجلة، بعد أن تلقى تهديدات من أحد فصائل الحشد الشعبي بالاغتيال، بسبب كتاباته عن الفصائل المرتبطة بإيران، والتي تُسيطر فعليًّا على “هيئة الحشد”.

بعد نحو يومين، وعقب انطلاق أولى جلسات الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة العراقية، تلقيت اتصالًا من صديق آخر يعتذر فيه عن نشر مقال -سبق أن اتفقنا عليه- بعد تهديدٍ مماثلٍ من جهة رسمية عراقية، ترفض أن يتم الإشارة فيه للفصائل الولائية العراقية المرتبطة بإيران في وسائل الإعلام.

تيقنت في هذا التوقيت من أن “قوى اللا دولة”، كما كان يسميها الزميل الراحل “هشام الهاشمي”، هي المتحكم الفعلي بمقاليد الأمور في العراق، وأن سلاحها “الخارج عن القانون” يكمم الأفواه ويقصف الأقلام، ويحمي مصالح “نظام طهران” وحلفائه في العراق؛ إلا أن “هشام الهاشمي” رفض أن تُملَى عليه أي وصاية لا تخدم مصالح وطنه.

ففي الوقت الذي آثر فيه العديدون السلامة، كان “الهاشمي” يواصل فتح الملفات المغلقة عبر حديثه وكتاباته، ويكشف المسكوت عنه في ملف الفصائل الولائية (رغم تلقيه تهديدات صريحة بالاغتيال كما أبلغني زملاء عراقيون مقربون منه). ولعل من باب المفارقة أن تكون آخر الدراسات المنشورة للباحث العراقي الراحل عن الخلاف داخل هيئة الحشد الشعبي وسيطرة الفصائل الولائية على مقاليد القوة والمال والسلطة في الهيئة التي يُفترض أنها تابعة رسميًّا لرئيس الحكومة العراقية، ولعل هذه الدراسة وأمثالها هي ما دفع “حزب الله العراقي” (أحد الفصائل الموالية لإيران) لتهديده بالقتل في منزله.

لقد أدرك “الهاشمي” ألاعيب أذناب إيران من تجار الحروب الذين يريدون إدخال “العراق” إلى النفق المظلم، وجر فقراء الشعب العراقي للحرب مع “أمريكا” والعداء مع دول الخليج، لأنهم يعتقدون أن كل العراق ملك وميراث مستحق لهم، تمامًا كما يعتقد “داعش” وقادته الإرهابيون الذين كان أغلبهم ذات يوم ضباطًا وقادةً في “نظام البعث” الذي حكم البلاد بالحديد والنار.

ولأن هذا الباحث رفض أن يغضّ الطرف عما يُحاك لـ”بلاد الرافدين”، فقد ناصبته الفصائل الولائية العداء، وأرسل له “أبو علي العسكري” -المتحدث باسم كتائب حزب الله العراقي- رسائل تهديدٍ صريحة، بينما خصص له “داعش” -في المقابل- جزءًا من إصداره الأخير في العراق المسمى بضرب الرقاب، ووصفه بـ”كذاب بغداد الجديد”، تشبيهًا له بالفريق “قاسم عطا” مدير الإعلام بوزارة الدفاع العراقية. وكأنّ طلب “رأس هشام الهاشمي” صار الشيء الوحيد الذي يَجمع أعداء العراق ويوحّد شمل هؤلاء الفرقاء.

ربما لم تُرِد فرق الموت ومجاميع الاغتيال “الطائفية” أن يسبقها أحد لاغتيال “هشام الهاشمي”، فسارعت للتخطيط لاغتياله، وعاد “أبو علي العسكري” ليتوعده بالقتل، وفي أواخر أيامه نُقل له هذا التهديد عن طريق شخصيات يثق بها، كما يروي صديقه “غيث التميمي” (زعيم تيار “مواطنون” العراقي)، غير أن أحدًا لم يتخيل أن يكون “تصريح قتله” قد صدر بهذه السرعة، إذ سارع الإرهابيون لتصفيته أمام منزله وفي حضرة أطفاله الصغار كما توعدوه، من قبل.

إن دماء “الهاشمي” ينبغي أن تكون دافعًا ومحركًا للحكومة العراقية ورئيسها “مصطفى الكاظمي”، لفتح ملف التصفيات والاغتيالات للنشطاء والصحفيين العراقيين، والتي يعلم الجميع في العراق من يقف وراءها، رغم التعقيدات الأمنية والطائفية التي يعيشها العراق.

لقد تنبأ “هشام الهاشمي” بأن تشهد كل محافظات ومدن العراق تصاعدًا لموجة العنف والسلاح المتمرد، وانتهاك حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية، في ظل سيادة “فصائل اللا دولة”، وها هي نبوءته تتحق رغم الوعود المتكررة من جميع الأطراف بالحفاظ على ما كان يُسمى “سيادة العراق”.

في النهاية، لا أملك إلا أن أقول: إن “أبو علي العسكري” قد نفّذ تهديده باغتيال “الهاشمي”، فهل ينفذ رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي” وعده ويقدم الجناة الحقيقيين للمحاكمة أم تضيع تلك الدماء كما ضاعت غيرها؟ ولندع الإجابة للأيام.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram