شو عم تعمل عندك؟!

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

تضبط الزوجة زوجها ممسكًا بنظارة معظمة يصوبها ناحية بيت الجيران:

– ولاه شو عم تعمل عندك.

– راح افهمك يا حياتي.

– هات دي، بدي أشوف بشو أحلى مني.. واسمها جراتسيا.

تدخل الأم: يا مجذوبة في حدا ما بيعرف جراتسيا، هيدي سمنة من الحليب الطبيعي، ومفيهاش مواد حافظة.

الحوار القصير هو لإعلان تسعيناتي شهير، الإعلان الوحيد الذي احتفظت به ذاكرتي بعد الطفولة، لأسباب لا أستطيع الجزم بها، ربما لمحبتي كأغلب المصريين للهجة اللبنانية إلى جانب جاذبية موديل الإعلان التي عرفنا من أحد البرامج منذ فترة أنها لم تكن غير الممثلة المصرية “هيدي كرم”، كذلك الزوج والأم، وربما حتى السمنة مصرية أيضًا!

لكن حتى وإن كانت “جراتسيا” منتجًا لبنانيًّا، فالسمن الصناعي لمن لا يعرف اختراع فرنسي.

أثناء الحملة الفرنسية على عدد من بلدان المناطق الاستوائية، فوجئ الجنود بالزبدة التي يعتمدون عليها بشكل كبير في أكلاتهم تذوب بسبب ارتفاع درجة الحرارة، فأرسل قادة الحملة خطابًا إلى إمبراطورهم “نابليون الثالث” يُعلمونه بما حدث.

أعلن الإمبراطور عن مكافاة كبيرة لمن يجد حلًّا للمشكلة، وعلى الفور باشر الكيميائي “هيبوليت ميج موريس” أبحاثًا معتمدًا على ما أنجزه مواطنه “ميشيل أوجين شيفيرول” من تجارب سابقة، ليحصل “موريس” على براءة اختراع عن مركّب جديد من شحوم البقر والحليب بديلًا رخيصًا للزبدة، ويفوز بمكافأة الإمبراطور.

الديمقراطية الحديثة هي أيضًا اختراع فرنسي، لذا لا أفهم لمَ نستخدم السمن الصناعي “جراتسيا” أو غيرها، في حين يرفض بعضهم الاستفادة من القدرة الفرنسية في حل الأزمة اللبنانية، بدعوى أن الوضع الطائفي هو ميراث الاستعمار.

الحديث عن فرنسا الاستعمارية واستعراض تاريخها الإمبريالي جاء ردًّا على مطالبة أكثر من ستين ألف لبناني بالانتداب الفرنسي، وبغضّ النظر عن كونه تحركًا احتجاجيًّا يعبر عن العجز والمرارة والغضب أكثر منه اقتراحًا عمليًّا للخروج من الأزمة، وبغض النظر كذلك عن أن الطائفية والمذهبية والقبلية موجودة ببلادنا قبل الاستعمار وأثناءه لتستمر بعده؛ فهذه النزعة في استحضار الماضي، والاستغراق به، ومحاولة جرّ الآخرين واستنزافهم فيه، تدلل على مرض نفسي خطير، مصاب به إلى جانب أنصار السلطة والقومجية -الذين تداولت أوساطهم “بوستات” جرائم الاستعمار الفرنسي- الإسلاميون، فلهم لحظاتهم التاريخية الأثيرة، مثل: الحملات الصليبية، والفتنة الكبرى. وحتى لا نُتهم بالغفلة فعلينا مسايرتهم والتجاوب مع تنبيهاتهم، وأن نستنزف أنفسنا في كل هذه اللحظات التاريخية.

يعني لا يكفينا استنزاف الحاضر لنا بغيلانه: الاستبداد، والفساد، وفشل الإدارة، وغيره من معضلات مجتمعاتنا الكبرى، لا، علينا أن نستدعي غيلان الماضي وخصوماته شاهرين انفعالاتنا وبلاغتنا في مواجهتها.

من المقبول الحديث عن دولة تحاول تغذية نفوذها، وهذا أمر تفعله كل دولة لديها فائض قوة، غربية كانت أم عربية، لديها ماضٍ استعماري أم لا، لكنّ استدعاء الماضي بهذه الصورة محاولة مستهلكة ومهلكة للتضليل.

ثم إذا كان الرجل الأقوى في لبنان، حسن نصر الله “لا بيعرف، ولا بيتدخل، ولا بيتحكم”، وإذا كان رئيس الدولة الجنرال عون “مانو مسئول.. وما بيعرف.. وما إلو صلاحية..”، وإذا كان الوزير ورئيس الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان باسيل جبران “ما خصّه، وما إلو مسئولية، ولا علاقة مباشرة لا بالفساد ولا بالتفجير..”.

وبالطبع، لا يتحمل هؤلاء ولا غيرهم من ملوك الطوائف الآخرين مسئولية الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يعاني منه لبنان منذ سنوات، ليستمروا في لعبة إلقاء التهم على بعضهم بعضًا حتى في ظرف مأساوي كهذا.

فمن أي مَعِين تأتي عنجهية الحديث عن السيادة ورفض التحقيق الدولي فيما حدث؟ وأي بالوعة تنضح كلام البارونات عن الجلوس إلى الطاولة والاتفاق بين أطراف هي المسئولة عن الفساد والفشل والكارثة الأخيرة بحسب الشارع؟ أو ليست مسئولة ولا تعرف ولا تتدخل وفق تصريحاتهم.

أصبح من الخطأ توصيف الوضع بلبنان في ظل حكم هذه الطبقة السياسية بأنه طائفي، فمتى غابت السلطة التي تتحمل المسئولية والقادرة على الإدارة والمحاسبة وضبط أداء الأطراف المتصارعة فنحن أمام وضع أقرب إلى الحالة الطبيعية التي أشار إليها “هوبز” باعتبارها حالة حرب.

هذه الحالة بالتأكيد مرشحة بقوة -خاصة مع التدهور الاقتصادي المستمر- لأن تنتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، أي وقوع حرب أهلية أشد ضراوة من سابقتها.

فهل نأمل من الذين لا يعرفون ولا يتدخلون ولا يتحملون المسئولية (رغم أنف استقالات بعض النواب والوزراء هروبًا من غضب الشارع) وليست لديهم الصلاحية أن يتركوا المجال لمن يعرف ويرغب في التدخل متحملًا مسئولية إصلاح الوضع عبر “ميثاق سياسي جديد” لتغيير منظومة الفشل والفساد بلبنان، كما صرح “ماكرون”، لأنه يبدو، وبعد ما يزيد على ثلاثة أرباع قرن من الاستقلال، أن حكام البلد العزيز علينا أشر على وطنهم من أي احتلال، على الأقل فليفعلوا حرصًا على رءوسهم التي عُلقت لها المشانق في ساحة الشهداء.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search