شيء في صدري

ذكور مصابون بالتثدي: السخرية ألعن

لم تمر فترة البلوغ بطريقة طبيعية على عبد الوهاب محمد (اسم مستعار) مثل أقرانه، ففي سن السابعة عشرة بدأ جسده يتغير، وتحديدًا منطقة الصدر التي زاد حجمها على الطبيعي رغم ثبات وزنه وعدم معاناته من مرض السمنة، وحين وصل إلى سن العشرين أصبح يملك جسد رجل وثديَي أنثى، بحسب ما حكى لـ”ذات مصر”.

يتذكر الرجل الثلاثيني، والذي يعمل حاليًّا مُدرسًا للغة العربية، التغيرات التي طرأت على جسده في فترة البلوغ: “كل شيء كان طبيعي عدا الثديين، كان حجمهما كبيرًا ويزيد إلى أن وصلا إلى حجم ثديي الأنثى، لم أعرف وقتها السبب، لكن تعرضت في تلك الفترة للتنمر والسخرية وكان يظن كثيرون أنني مُخنث”.

كانت تمر السنوات ويشعر عبد الوهاب بشيء صُلب يزيد حجمه داخل ثديه دون ألم، حتى شك أنه قد يكون مصابًا بورم، فذهب إلى طبيب في مستشفى قصر العيني، وخضع لأشعة سينية لتصوير الصدر، فاتضح أنه يعاني من خلل هرموني، وبدأ تناول أدوية تحفز هرمونات الذكورة، التستوستيرون.

سنوات أخرى ولم يتغير شيء سوى أن ثديي عبد الوهاب يزيدان حجمًا، حتى بات يرتدي ملابس فضفاضة ليخفي ما حل بجسده، وطرق أبواب عشرات الأطباء إلى أن علم من أحدهم أنه مصاب بمرض “التثدِّي” من المرحلة الرابعة، متأخرة، والذي لن يُجدي معه علاج إلا عبر جراحة لإزالة التثدي.

لم يعد الأمر مواجهة مرض يغير شكل الرجل ولكن يتبعه وصم مجتمعي يعترض المصابين بالتثدي يوميًّا، حتى إن كثيرين منهم يلجؤون إلى إجراء عمليات جراحية لنحت أجسادهم هربًا من الوصم الاجتماعي والسخرية قبل أن تكون أولويتهم التخلص من المرض.

يرفض عبد الوهاب إجراء جراحة بسبب خوفه من المضاعفات التي قد تحدث له، ونظير ذلك عاش 10 سنوات تعرض فيها للوصم المجتمعي، متذكرًا أحد المواقف الراسخة في أعماقه حين وقع خلاف بينه وبين زميل له بالعمل قال له ساخرًا: “روح البس حمالة صدر زي الستات الأول”.

لا يعاني الرجل من السمنة، ويخشى خلع ملابسه أمام أحد: “المرض نادر وغير معروف لذلك يتعامل معي كثيرون بسخرية، فأنا لست مخنّثًا أو متحوّلا جنسيًّا كما يُقال لي دائمًا”، موضحًا أنه لم يتزوج إلى الآن ويعيش وحيدًا، لأن كثيرات يرفضن الارتباط به بسبب مظهر ثدييه الضخم: “إحداهن قالت لي ذات مرة لن أتزوج من أنثى مثلي”.

صورة تعبيرية لمشكلة التثدي عند الرجال

التوصيف الطبي للتثدي، بحسب تعريف جمعية الطب التابعة لمعاهد الصحة الأمريكية، أنه مرض نادر يصيب الرجال في مرحلة البلوغ عادةً، وهو خلل في نظام الغدد لدى الذكور يحدث بسبب زيادة الأنسجة حول غدد الثدي، لاختلال التوازن بين هرموني التستوستيرون الذكري والإستروجين الأنثوي.

الأسباب الرئيسة للإصابة بالتثدي تعود إلى خلل الهرمونات، وهناك أسباب تخص الحالات المرضية، مثل سوء التغذية أو الفشل الكلوي، ونسبة بسيطة لها علاقة بتناول أدوية وأطعمة معينة، فـ25% من حالات تضخم الثدي تحدث بسبب خلل هرموني في مرحلة البلوغ، ومن 10% إلى 25% بسبب تناول المخدرات، و25% من حالات التثدي تحدث لأسباب غير معروفة.

وتشير تقديرات الجمعية الأمريكية إلى أن التثدي يصيب نحو 96% من المراهقين عالميًّا بسبب ارتفاع تركيز هرمون الإستراديول الأنثوي في بداية مرحلة البلوغ، ويرتفع معدل انتشار التثدي في سن 50 إلى 69 عامًا، حيث يتأثر شخص واحد بين كل 4 أشخاص بالتثدي في هذه الفئة العمرية.

هاني تعرض للتحرش بسبب ضخامة ثديه

عبد الوهاب ليس حالة نادرة من نوعها، لكن هناك هاني دياب (اسم مستعار) وهو في العقد السادس من عمره ومصاب بالتثدي.. عانى من الألم النفسي بسبب ذلك المرض بطريقة أشدّ، إذ علم بمرضه في سن الخامسة والعشرين حين وصل وزنه إلى 147 كيلوجرامًا، فقرر اتباع نظام غذائي لإنقاص وزنه حتى وصل إلى 80 كيلوجرامًا في عام ونصف العام.

لاحظ هاني أن جسده بالكامل يتناقص في الوزن عدا الثديين، حتى وصل للوزن المثالي وظل حجم ثدييه ضخمًا: “كنت أعتقد أن حجم الثدي كبير بسبب وزني، لكن بعد عدة كشوفات طبية وأشعة على الصدر علمت أنني مصاب بالتثدي في المرحلة الثالثة”.

أخبره الطبيب أن التمارين الرياضية لن تجدي معه، لأن الثدي يحتوي على نسيج شحمي يحيط بالنسيج الغدي وهو المسؤول عن كبر حجم الثدي، ولا بد من إجراء عملية جراحية لإزالة تلك الغدة، إلا أنه خشى من مضاعفات الجراحة.

يعيش هاني طوال تلك السنوات مع الوصم الاجتماعي بسبب مظهره، الذي أدى إلى تعرضه للتحرش مرتين رغم ارتدائه ملابس فضفاضة: “أتعرض للتحرش في الأماكن المزدحمة، لأن بعض الشباب يحاولون لمس ثديي على اعتبار أنني بثديي أنثى، لكنني ما زلت مُصرًّا على اتباع العلاج إلى الآن”.

كيف تُجرى جراحات إزالة تثدي الرجال؟

يوضح الدكتور محمد عماد الدين، استشاري جراحات التجميل وتنسيق القوام، أن التثدي هو  تضخم الثدي بشكل غير طبيعي عند الرجال، مبينًا أن التثدي قد يظهر في ناحية واحدة أو ناحيتين.

الدكتور محمد عماد الدين

لا يمكن علاج التثدي بالتمارين الرياضية أو الأدوية كما هو شائع، بحسب عماد الدين، لأنه في معظم أشكاله يتمثل في غدة داخل الثدي متليفة تحت سطح الجلد، وبالتالي الغدة لا علاقة لها بوزن الجسم سواء جرى إنقاصه أو زيادته بالأدوية والرياضة.

يرى استشاري جراحة التجميل أن الحل الأمثل هو العملية الجراحية لشفط التثدي، وهي تختلف على حسب مرحلة الحالة، فالمرحلة الأولى هي تراكم دهون فقط، أما الثانية فتكون دهونًا إلى جانب وجودة غدة مسؤولة عن كبر حجم الثدي، والمرحلة الثالثة هي زيادة حجم الجلد عن الوضع الطبيعي، وأخيرًا الرابعة وهي بروز حلمة الصدر نفسها.

يقول عماد لـ”ذات مصر”: “العملية تختلف باختلاف مرحلة التثدي، ففي الأولى تُشفط الدهون عن طريق شق طوله 3 ملليمترات لتفتيت الدهون باستخدم تقنية تسمى فيزر Vaser، أما في المرحلة الثانية فلا بد من إزالة الغدة نفسها، وفي المرحلة الثالثة نستخدم تقنية جي بلازما لشد الجلد بعد الجراحة، وفي المرحلة الرابعة نعدل شكل الثدي بعد الجراحة”.

وعن تكلفة الجراحة يقول إنها تتكلف من 60 إلى 100 ألف جنيه على حسب الحالة.

صورة تعبيرية من أحد العيادات
التثدي يفصل "عادل" من عمله

بسبب خطأ في الأدوية التي كان يتناولها عادل رحيم (اسم مستعار) كي يبني جسدًا رياضيًّا، أصيب بالتثدي من المرحلة الثالثة، ولجأ على أثره، وهربًا من الوصم الاجتماعي، إلى إزالة غدة الثدي بعملية جراحية كلفته عند طبيب خاص 70 ألف جنيه.

ظهر المرض لدى عادل حين كان في العشرينات من عمره.. بدأ التدريب وقتئذ في إحدى صالات الجيم، وتناول حبوبًا تزيد هرمون التستوستيرون الذكري من أجل بناء العضلات. يحكي عادل: “بدأ هرمون الإستروجين الأنثوي يزيد عندي بنفس معدل زيادة هرمون التستوستيرون، وظهر عرض أنثوي وهو زيادة حجم الثدي”.

يضيف: “الطبيب أخبرني أن ذلك العرض يظهر بعد تناول الأدوية المنشطة للهرمونات ولكن في حال كان الشخص لديه قابلية للإصابة بمرض التثدي، فتبدأ الحلمات في البروز كالأنثى وكبر حجم الغدة، وبالفعل التحاليل أثبتت زيادة هرموني البرولاكتين والإستروجين لديّ”.

حاول عادل علاج التثدي من خلال الأدوية لمدة عام من أجل غلق مستقبلات هرمون الأنوثة، إلا أن الأمر لم يُجدِ معه، وبسبب مظهره الخارجي فُصِل من عمله بإحدى شركات الحراسة، فاضطر إلى قبول الحل الجراحي لإزالة الثدي: “التنمر الذي تعرضت له كان لا يُحتمل، لذلك غامرت بإجراء العملية”.

100% من الحالات تتعرض للتنمر و44% لجأت للجراحة

أجرينا استبيانًا على 50 حالة من رجال يعانون/ عانوا من التثدي في أعمار مختلفة من 20 إلى 50 عامًا، وجدنا أن 48% منهم اكتشف إصابته بمرض التثدي عند مرحلة البلوغ، و34% بعد مرحلة البلوغ، و18% فقط قبل البلوغ.

وعن درجة التثدي، فإن 46% منهم مصاب بالمرحلة الرابعة من المرض، 24% بالمرحلة الثالثة، و18% بالمرحلة الثانية، و12% مصاب بالمرحلة الأولى من التثدي، وتبين من الاستبيان أن 60% منهم اكتشفوا الإصابة من خلال تتبع الشكل الظاهري اللافت للنظر، و40% بسبب خلل أو اضطراب في الهرمونات كما فسرت الكشوفات الطبية.

100% من عينة الحالات التي شاركت في الاستبيان تعرضت للتنمر اللفظي والسخرية، 46% منهم كان تأثير ذلك المرض نفسيًّا عليه بانعدام الثقة، 28% شعروا بالحزن، و14% دخلوا في نوبات اكتئاب، و12% فكروا في التخلص من حياتهم بالانتحار.

أما طريقة العلاج فكان 44% من المصابين لجأوا إلى عمليات إزالة التثدي للتخلص منه نهائيًّا، و30 فضلوا الأدوية والمتابعة مع طبيب، 14% اتجهوا إلى صالات الجيم وممارسة الرياضة، 12% لجؤوا إلى عمليات لنحت الجسد بالكامل.

هل تؤثر إزالة غدة التثدي في القدرات الجنسية؟

عبد الرحمن أحمد (اسم مستعار) مدرب كمال الأجسام وعضو الجمعية الدولية للعلوم الرياضية بأمريكا، يشرح أن للتثدي عند الرجال 3 أنواع، الأول يكون بسبب زيادة هرمون “البرولاكتين”، المسؤول عن الحليب عند النساء، وهو أضعف مراحل التثدي وعلاجها بكون بالأدوية المضادة للهرمون خلال شهر أو شهرين فقط.

أما النوع الثاني كما يقول لـ”ذات مصر” فهو وجود دهون حول الغدة المسؤولة عن حجم الثدي، وهنا تكون الغدة ملتهبة ومتضخمة وبها سوائل مثل الألبان فتسبب زيادة في حجم الثدي ويتم علاجها بالأدوية والرياضة، والنوع الثالث، وهو الأصعب، يكون نتيجة خلل الهرمونات، بمعنى زيادة هرمون الإستروجين الأنثوي عن التستوستيرون الذكري، فيزيد حجم الثدي ويحتاج هذا إلى عملية إزالة للغدة أو نحت للجسد.

عبدالرحمن أحمد - مدرب كمال الأجسام

يرجع عبد الرحمن التثدي إلى عدة أسباب منها السمنة المفرطة، أو خلل هرمونات أو تناول أدوية خاطئة، أو كيمياء الجسم التي تخزن الدهون في أماكن غير صحيحة، وكل سبب منها لديه برنامج علاجي خاص عدا المراحل المتأخرة، فلا ينفع معها إلا الجراحة، محذرًا من مضاعفات العمليات الجراحية التي يلجأ إليها الرجال في هذه الحالة، لكونها تؤثر في ممارسته الجنس، فهي تزيد هرمون الإستروجين الأنثوى وترفع معدلات الإصابة بمرض السكري وانتفاخ الكبد وضغط الدم والصلع المبكر، بسبب إزالة الغدة الموجودة في الثدي وهي المسؤولة عن توازن الهرمونات في الجسد.

وتؤكد المنظمة الوطنية للأمراض النادرة، NORD، أن الأعراض الرئيسة لتضخم الثدي عند الرجال هو الخلل الهرموني الذي يؤدي إلى تمدد الأنسجة الغدية بدلاً من الأنسجة الدهنية، وتوضح المنظمة خطورة التثدي، بأنها تظهر في التأثير النفسي في المصابين، فنجد 90% من الرجال المصابين به يعانون من انعدام الثقة بالنفس، ويتجنبون الظهور الاجتماعي، كما أنه يؤثر في المعاشرة الزوجية.

مخاطر التثدي عند الرجال

في عام 2017، خرجت ورقة بحثية من مجلة الأمراض النادرة، Orphanet، بشأن التثدي عند الرجال، والذي تسميه متلازمة الهرمونات الزائدة، حذرت فيه المجلة من أن ذلك المرض له أضرار صحية بعيدًا عن نظرة المجتمع والإحراج المصاحب له، منها الإصابة بمرض السكري أو ضعف الرغبة الجنسية.

وبحسب المجلة، فإن 35% من الرجال يعانون من مرض التثدي، خاصة البالغين أو الذين تجاوزوا منتصف العمر والمراهقين في سن البلوغ، نظرًا إلى التغيرات الهرمونية التي تحدث خلال هذه المراحل العمرية، كما أنهم يكونون معرضين للإصابة بسرطان الثدي 5 مرات أكثر من الأشخاص العاديين.

لماذا يصاب الرجال بالتثدي؟
الدكتور أحمد مطاوع

الدكتور أحمد مطاوع، استشاري طب وجراحة أمراض الذكورة بجامعة القاهرة، يوضح أن التثدي هو أحد أمراض الذكورة ويسمى “الجينو”، مضيفًا لـ”ذات مصر” أن التثدي يُصنف من الدرجة الأولى إلى الرابعة طبقًا لكمية الدهون والترهل الموجود في الثدي، مشيرًا إلى أن المرحلتين الأولى والثانية تكونان دهونًا فقط، أما الثالثة والرابعة فتكونان خللاً في الغدة المسؤولة عن حجم الثدي.

يضيف مطاوع: “الإناث لديهم دهون في تلك المنطقة أيضًا إلى جانب الغدة لذلك يظهر الثدي في حجم كبير مختلف عن الرجل، لأن الرجال من المفترض أن يكون لديهم دهون فقط، إلا أن المصابين بالتثدي من الرجال تكون لديهم تلك الغدة، لذلك يظهر الثدي في حجم ثدي الأنثى”.

تحرش في المدرسة

عامًا كاملاً ظل أحمد علاء (اسم مستعار) يقنع والديه بالخضوع لجراحة إزالة التثدي، بسبب السخرية الشديدة والوصم الاجتماعي الذي يعانيه في مدرسته، وخشي أن يتكرر نفس الأمر في الجامعة.

يتذكر علاء: “بدأ زملائي الطلاب يسخرون مني ويشبهونني بالأنثى، واعتقدنا في البداية أنها مجرد دهون لكن بالكشف علمت أنه تثدٍّ في المرحلة الرابعة، وسيزيد مع مرور السنوات”.

لم يكن والدا علاء يوافقان على جراحة في سن شبابه، لكن مع إصراره وإضرابه عن الطعام قبِل الأبوان، خاصة مع تعرض ابنهما للتحرش أحيانًا من زملائه الذين يحاولون ملامسة صدره متلفظين بألفاظ بذيئة لوصفه.

خضع علاء لجراحة بالفعل: “حجم الثدي أصبح طبيعيًّا، زادت ثقتي بنفسي وإن كانت ستظهر للعملية مضاعفات مستقبلاًف ستكون أرحم من السخرية التي كنت أعانيها”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سمر مدحت

صحفية مصرية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram