ثقافة وفن

شيء من القهر.. سينما تبيع الحب ولا تُنصف النساء

رغم أن أول فيلم مصري طويل (ليلى)، 1927، من إنتاج وبطولة امرأة، عزيزة أمير، ورغم حضور المرأة في الأفلام العاطفية الكثيرة التي تدور حول علاقات حب متباينة بين الرجال والنساء، فإن السينما المصرية نادرا ما تتناول قضايا النساء اليومية أو تلك التي ينظمها قانون الأحوال الشخصية (دائم الجدل في كل أشكاله وصوره السابقة والحاضرة ومنها المسودة الأخيرة)، إلا أنه كانت هناك استثناءات حاولت أن تصنع أفلاما عن النساء أو من أجلهن.

الخلع.. صالحة دون زوجها

 فيلم أريد حلا
فيلم أريد حلا

ضمن أشهر الأفلام التي تناولت المشكلات الناجمة عن ثغرات في قانون الأحوال الشخصية فيلم “أريد حلا” 1975 بطولة فاتن حمامة ورشدي أباظة وإخراج سعيد مرزوق، (قيل إن الفيلم كان السبب وراء تعديل قانون الأحوال الشخصية بعد عرضه، وهو واحد من أهم وأفضل الأفلام التي تناولت قضايا المرأة في السينما المصرية).

القضية الرئيسية هي عدم استطاعة البطلة الحصول على الطلاق بحكم محكمة على الرغم من معاملة زوجها السيئة التي تؤدي إلى استحالة المعاشرة بين الزوجين، ولكن الفيلم يشير أيضا إلى الكثير من المشكلات التي تواجه المرأة منذ طفولتها وحتى العجز.

فالفيلم يشير إلى زواج القاصرات، حيث لا يكون لدى المرأة أي حق في الموافقة أو الرفض بالزواج، أو بيع الأهل لبناتهم لأول عريس قادر ماديا، وهو ما حدث بالفعل مع البطلة حينما يقول أبوها للعريس: “عايز تخليها تكمل تعليمها خليها، مش عايز بلاش.. الموضوع كله في إيدك. إحنا ناس نعرف الأصول”، لترد زوجة الأم مُؤمِّنة على كلام زوجها: “هي الواحدة مننا تسوى حاجة من غير جوزها”.

تلخص هذه الجملة التي يرسلها الأب/الولي (بشهادة الميلاد) ويستقبلها العريس/ الزوج المستقبلي/الولي (بعقد الزواج) حياة المرأة في المجتمع المصري من انتقال كسلعة أو شيء مادي بين الرجال، فهم وحدهم الذين يحددون حياة وحاضر ومستقبل المرأة التي تحت أيديهم وولايتهم.

ولكن الفيلم يتخطى هذه الرؤية الاجتماعية، ونقده اللاذع لمؤسسة الزواج، نحو انتقاد المؤسسات الرئيسية التي ترتكز عليها أي دولة، وعلى رأسها مؤسسة القضاء.

في أول لقطة في المحكمة، يبين الفيلم كيف أن النساء داخل المحكمة وأمام القضاء غير متساويات بتاتا مع الرجال، فالرجل هو الذي يحكم، فلا نرى أي امرأة تعمل بالمحكمة، لكننا نرى نساء يسعين بكل الطرق قانونية وغير قانونية (كالرشوة وغيرها) من أجل الحصول على حقوقهن التي من المفترض أن القانون يحميها وينص عليها.

في المحكمة، نجد “القواد” الذي يبحث بين النساء فاقدات الأمل المعوزات عن فريسة يجعلها تعمل بالدعارة ليستفيد ويكسب من ورائها، أو العامل في “البوفيه” الذي يمارس سلطته الذكورية على النساء المعدمات اللاتي جئن إلى المحكمة طلبا للنفقة من الطليق، والمحامون الذي يستنفزون القروش القليلة في جيوب النساء عبر المماطلة والتأجيلات التي تتطلب مصاريف أكثر والمسؤول عنها مؤسسة القضاء نفسها التي تسوف دائما في هذه القضايا حتى تصل أحيانا إلى عشرات السنوات أو تصل أحيانا إلى وفاة صاحبة القضية نفسها مثلما نرى في الفيلم.

لكن مع تطورات السنوات العشرين الماضية، خاصة مع صدور قانون الخلع عام 2000 والجدل الكبير الذي أثاره، بدأت السينما المصرية تهتم بعرض قصص تدور حول فكرة الخلع مثل فيلم “محامي خلع” 2002 بطولة هاني رمزي وداليا البحيري وتأليف وحيد حامد وإخراج محمد ياسين، وأيضا “أريد خلعا” بطولة أشرف عبد الباقي وحلا شيحة وإخراج أحمد عواض.

تناولت هذه الأفلام القضية بشكل كاريكاتوري في محاولة لتخفيف وقع القضية الجديدة على الجمهور ولكنها كانت أفلاما مهمة، لأنها بينت ما وصل إليه الحال من خلافات بين الأزواج وما يترتب عليه من قضايا خلع ونتائج ذلك على الأسرة والأطفال.

الطلاق.. عيب في النظام

فيلم واحد صفر
فيلم واحد صفر

تناولت السينما المصرية موضوع الطلاق في عددٍ محدود من الأفلام، وجمعت إلى تناولها للمشكلات التي يواجهها المسلمون مشكلة الطلاق عند المسيحيين، فالطلاق في الدين المسيحي أكثر تعقيدا من الدين الإسلامي، وهو ما نجده مثلا في فيلم “واحد صفر” 2009 بطولة إلهام شاهين ونيللي كريم وتأليف مريم نعوم وإخراج كاملة أبو ذكري.

في الفيلم نشهد معاناة البطلة في محاولاتها للحصول على الطلاق، حيث تحاول أن تقنع القساوسة في الكنيسة بأن حياتها لا تُحتمل مع زوجها وأن الحل الوحيد هو الطلاق.

يؤكد “واحد صفر”، تماما مثلما أكد فيلم “أريد حلا”، أن المنظومة الاجتماعية بأكملها خاطئة، حيث يهيمن عليها الذكور، والمفارقة أن المرأة تشتكي لرجل في القضاء/ الكنيسة من رجل آخر/الزوج، عبر وسطاء من الرجال: المحامي/القسيس. مع الاحتكام لقوانين (على رأسها قانون الأحوال الشخصية) يضعها الرجال، فالأغلبية في مجلسي الشعب والشورى من الرجال، والسلطة التنفيذية التي تنفذ هذه القوانين يسيطر عليها الرجال أيضاً.

الأهلية.. نصف يطمح للمساواة

فيلم أفواه وأرانب
فيلم أفواه وأرانب

ناقشت السينما المصرية أيضاً إشكالية المساواة الكاملة مع الرجل، وهي القضية التي تصاعد الجدل حولها منذ صدور مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد، فما زالت المرأة مطالبة بأن توكل أحد أقاربها من الرجال حتى تستطيع الزواج، بينما لا تستطيع أن تستخرج شهادة ميلاد لأولادها ولا تستطيع أن تسجله في أي مدرسة ولا تستطيع السفر دون إذن زوجها.

وهي أمور لا تجعل المرأة تحصل على حقوقها، بل تؤذيها أحيانا، والأهم هو أن هذه القوانين لا تعتبر المرأة إنساناً كاملاً مثلها مثل الرجل ولكنها تعتبرها نصف إنسان أو نصف رجل، حيث الرجل ينفرد وحده بالتمتع، وفقا للقوانين المصرية، بالأهلية الكاملة.

ففي فيلمي “شيء من الخوف” 1969 بطولة شادية ومحمود مرسي وإخراج حسين كمال، و”أفواه وأرانب” بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين وإخراج هنري بركات، تتجلى هذه المشكلة، فحينما يخبر الوكيل والشهود زورا أن العروس وافقت على الزواج، لتزوج البطلة غصباً في الفيلم الأول، ولتصبح البطلة في الفيلم الثاني زوجة لعدة سنوات لرجل لا تعرف أنها تزوجته.

فالوكيل والشهود في هذه الحالات كانوا تحت ضغط الخوف ورحمته، ولكن في الواقع كثيراً ما يكون الطمع والجشع والتواطؤ على الميراث هي الدوافع الحقيقية التي تؤدي بالوكيل أن يتواطأ مع الشهود والمأذون والعريس ليزوج وكيلته دون موافقتها.

قضايا الشرف.. تُقتل ولا تَقتل 

فيلم عفوا أيها القانون
فيلم عفوا أيها القانون

المساواة أمام القانون في جرائم الشرف كانت من القضايا التي ناقشتها السينما المصرية أيضاً، وهي القضية التي لا زالت تتجاهلها القوانين المصرية، حيث ينص القانون على أنه من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها في الحال هي ومن يزني بها يعاقب بالحبس. أي أن التهمة تتحول من محكمة الجنايات إلى الجنح. بينما لم يرد في القانون العكس بمعنى أن تفاجئ الزوجة الزوج ومن تزني معه.. وهو ما تناوله فيلم “عفوا أيها القانون” 1985 بطولة نجلاء فتحي ومحمود عبد العزيز وتأليف إبراهيم الموجي وإخراج إيناس الدغيدي.

تتحمل الزوجة في الفيلم عجز الزوج الجنسي الناجم عن مشكلة نفسية تتعلق بخيانة زوجة الأب وقتل الأب لها أمامه، وحينما تصلح له ما أفسدته الحادثة يبدأ الزوج في خيانتها. المساواة بين الرجل والمرأة تغيب في الفيلم كما تغيب في القانون الذي يعامل الرجل القاتل معاملة مختلفة عن المرأة القاتلة حتى ولو كان السبب واحداً: الخيانة.

هذا التناول الجريء من قِبل المخرجة إيناس الدغيدي في أول أفلامها دفعها نحو اقتحام القضايا الشائكة في المساحة نفسها في أفلامها اللاحقة.

لكن، على رغم من هذه الأفلام القليلة والمتباينة الأهمية، فإننا ليس لدينا في السينما المصرية تيار كامل يمس قضايا المرأة بشكل مباشر أو غير مباشر. فمحاولات فردية وأحيانا يقدم المخرج فيلماً طليعياً عن حقوق المرأة ويخرج فيلماً آخر ضد المرأة وقضاياها تماماً.

والمخرجات السيدات -وهن قليلات في السينما المصرية- كان بعضهن يصنع أفلاماً ضد المرأة لمجرد أنهن يردن أن يعملن ويصنعن أفلاماً مهما كانت الأفلام التي تُقدَّم لهن من قبل المنتجين وكتاب السيناريو.

لقرن من الزمان سيطر الرجال على صناعة السينما، فنجوم السينما من الرجال وصناعها من المؤلفين والمخرجين وغيرهم من الرجال، ومنتجوها وموزعوها من الرجال، ومن جهة أخرى الرجل/الأب هو الذي يحدد الفيلم الذي ستدخله الأسرة. كلها عوامل جعلت السينما المصرية تهتم بمشكلات الرجل وتقدمه على اعتبار أنه محور الكون بينما المرأة تدور في فلكه.

وعلى الرغم من المحاولات المتفرقة النادرة القليلة التي شهدناها في الألفية الجديدة لصنع سينما منحازة لقضايا المرأة، ولا زالت المخرجات يسعين جاهدات لصنع أفلام، وما زالت السيناريوهات تتجاهل مشكلات النساء وتميل إلى الأفلام الذكورية التي تعتمد على الحركة والإثارة والغموض والتشويق والجنس من أجل إثارة غرائز المشاهد/الرجل.

كل هذه الأسباب تجعل السينما المصرية بعيدة كل البعد عن التعبير عن قضايا المرأة وتجعل هذه الأفلام القليلة النادرة التي ذكرناها لا تشكل وزناً حقيقياً قادرا على تغيير لا قوانين الأحوال الشخصية ولا المجتمع، ولكن تجعلها صرخة، كصرخة يأس بطلة فيلم “أريد حلا” بنهاية الفيلم.. صرخة تحتاج من السينمائيين ومن فئات المجتمع المختلفة إلى وقفة حتى يتم سد هذه الثغرات التي تمتلئ بها القوانين المصرية، لا قانون الأحوال الشخصية فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى