زوايا

شيخ العرب “حمد الباسل”.. نصير عمر المختار وسعد زغلول

في يوم 16 سبتمبر عام 1931م؛ نفَّذت سلطة الاحتلال الإيطالي لليبيا حُكمًا بإعدام شيخ المجاهدين عمر المختار. انقلب العالم العربي على واقع ذلك الخبر المفجع الذي خلق حالة احتجاج وثورة على المنابر وفي  الصحافة، وحتى داخل الأروقة الرسمية.

في مصر، كان الوضع مختلِفًا إلى حدٍّ كبير. فرغم أواصر القرب والتداخل بين الشعبين على المستوى العائلي والقبائلي والجغرافي، ورغم تطوع مئات المصريين للجهاد إلى جوار الشعب الليبي، فإن الديكتاتور إسماعيل صدقي وحكومته حرموا المصريين من إظهار الغضب، أو حتى تأبين هذا المجاهد العظيم؛ ذلك لأن الملك فؤاد كان قريبًا جدًّا من الإيطاليين خلال تلك الأيام.

حمد الباسل
حمد الباسل

وفي 13 نوفمبر 1931م، وجَّه حمد الباسل باشا دعوة للاحتفال بتأبين عمر المختار، وأعد كبار الشعراءَ وفي مقدمتهم: أحمد شوقي، وخليل مطران.. القصائد لإلقائها في ذلك التأبين؛ لكن الديكتاتور إسماعيل صدقي خشي أن يتحوَّلَ الحفل إلى مظاهرة سياسية ضد حكمه الاستبدادي؛ خاصة أن اليوم الذي اختاره “الباسل” لحفل التأبين يُواكب الاحتفال بعيد الجهاد الوطني، فأصدر تعليماته بمنع الاحتفال!

اقرأ أيضًا: محمد ياسين.. ملك الزجاج الذي شرَخه عبد الناصر

وفي اليوم التالي، صدرت الصحف تَصف كيف صادرت الحكومة حفل تأبين عمر المختار؛ حيث أوفدت حكمدارية بوليس العاصمة ألف جندي من رجال البوليس، وأحاطت تلك القوات بدار سعادة حمد الباسل، وسدَّت المنافذ المؤدية إليها، وأغلقت منافذ الوصول إلى الدار التي كان مزمعًا إقامة الاحتفال بها!

أيضًا وضع رجال البوليس أسلاكًا شائكة لمنع مرور السيارات، كما وضعوا سيارات كبيرة تعترض الطرقات، وتمنع المدعوين من المرور.

ونشرت “الجهاد” أن سعادة حمد الباسل أعدَّ سُرادقًا داخل منزله؛ ليكون محل الاجتماع لسماع القرآن الكريم. وذكرت الصحيفة مناقب المجاهد العظيم عمر المختار. وبينما حمد باشا جالس في منزله عصر يوم الأربعاء؛ إذ برسول يحمل إليه خطابًا من محافظ القاهرة يتضمَّن منع الاحتفال، لأنه سياسي!

وأبلغ مأمور القسم الباشا أنه يحمل أمرًا بهدم السرادق بالقوة، فأمر سعادة حمد باشا بغلق أبواب المنزل واتصل برئيس النيابة وطلب منه الحضور لضبط واقعة تهجُّمٍ على منزل ليس فيه أحد؛ فلم يحظ منه بطائل!

وقال حمد الباسل لحكمدار البوليس: “اسمع ما أقول لك.. إن هذا الاجتماع ليس سياسيًّا مطلقًا، وهو أبعد ما يكون عن السياسة المصرية، بل هو اجتماع لذكرى رجل يَمُت لى بقرابة، ومن العار أن يحتفلَ بذكراه السوريون والفلسطينيون، ولا يحتفل أقاربه وأكثر الناس به ارتباطًا”!

ومضى “الباشا” في طريقه لإعداد لوازم الاجتماع، وتجهيز الطعام للفقراء والمساكين. وأقبل الفقراء فلم ينالوا إلا إهانة، وبدل الطعام قُوبلوا بلكزٍ وضربٍ! فأمر الباشا بحمل ما كان مُعَدًّا للفقراءَ إلى قسم البوليس وتسليمه للحكومة؛ ليكون شاهدًا على تصرفات ما كان يتصوَّرها أحد!

حمد الباسل بجوار سعد زغلول
حمد الباسل بجوار سعد زغلول

والزعيم الوفدي حمد الباسل – الذي هو ضمن الزعماءَ المؤسسين للوفد – كان إلى جوار سعد زغلول في منفاه الأول إلى مالطا، وحُكم عليه بالإعدام فيما بعد، ثم خُفِّف الحكم إلى سبع سنوات. والباسل من أوائل الأصوات الداعية للقومية العربية، وكان بيتُه بالقاهرة قِبْلة لكل الضيوف من الخليج إلى المحيط.

اقرأ أيضًا: حسن طوبار.. شيخُ الصيادين الذي أحرج نابليون

وقد ساند إخوانه الليبيين أثناء هجرتهم إلى مصر إبان الاحتلال الإيطالي، وتبرع بقرابة خمسمائة فدان من أرضه ليقيموا فيها ويزرعوها، وعرض منزله في قلب القاهرة ليكون مقرًّا للسفارة السعودية.. كما يقول بعض أفراد العائلة.

كما كان حمد الباسل قد استشعر الخطر الصهيوني مبكرًا، فرغم وفاته في عام 1940م؛ فإنه ناصر قضية فلسطين منذ البداية، وكان عضوًا في المؤتمر الفلسطيني البرلماني الذي عُقد بالقاهرة، واختير وكيلاً للجنة التنفيذية الدائمة للدفاع عن فلسطين.

وحمد باشا الباسل مولود عام 1871م، وكان شيخ قبيلة “الرماح”. وهي قبيلة هاجرت من ليبيا إلى مصر قبل قرنين من الزمان تقريبًا. وقد استقر جدودُه في البحيرة أولاً، ثم انتقلوا إلى الفيوم منتصف القرن التاسع عشر.

وكان والده محمود باشا الباسل؛ قد تُوفِي والابنُ في سِنٍ صغيرة. وتقديرًا لدور والده ومكانته أُسندت إلى حمد العمودية وهو في سن العاشرة. كما اختُير بعد ذلك عضوًا في لجنة النفي الإداري. ثم أنعم عليه الخِدِيو برتبة “ميرميران”؛ وهي أعلى الرتب العسكرية، وأرفع من “أميرلاي”، و”أمير اللواءَ”. ورغم ذلك الرضا الرسمي عليه في ذلك الوقت؛ فإنه جرى وضعه تحت المراقبة أثناء الحرب العالمية الأولى “للشك في نسجه المؤامرات مع السنوسي”.

يَذكر سعد زغلول في مذكراته قصة لقائه الأول بحمد الباسل في عام 1908م. كان سعد وقتها ناظرًا للمعارف، وذهب إلى الفيوم ليتفقَّد أحوال التعليم هناك. وخلال طوافه على بعض المراكز؛ لم يجد فيها شيئًا قد تغيَّر، لأن أكثر تلك المعاهد العلم فيها ضعيف والنظام بها غير تام، وبعضها لم ينته بناؤه، والبعض الآخر لم يَستكمل معداته. وقد أُعجب سعد زغلول بحمد الباسل؛ الذي يُشجِّع العلم،ً وقام بتشييد الكثير من المعاهد، كما حضر افتتاح كُتَّابه، وأثني عليه الثناء الجميل .

الباسل مع النحاس باشا وسعد زغلول
الباسل مع النحاس باشا

كان سعد زغلول إذن يعرف حمد الباسل منذ عام 1908م، وربما قبل ذلك. لكن المؤكَّد أن العلاقة بين الرجلين توطَّدت أكثر بعد ذلك.

ولم يظهر اسم عائلة الباسل في أي انتخابات برلمانية جرت في نهايات القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين. وفي المقابل نجد اسم “حمد الباسل” في “الجمعية الشريعية” التي شُكِّلت عام 1913م، وحلَّت مجلس شورى النواب والجمعية العمومية.

وكان التشكيل الأول للوفد يضم: سعد زغلول، وعلي شعراوي، وعبد العزيز فهمي، ومحمد علي علوبة، وعبد اللطيف المكباتي، ومحمد محمود، وأحمد لطفي السيد.. ثم انضم إليهم: حمد الباسل، وجورج خياط، وواصف غالي، وإسماعيل صدقي، وسينوت حنا، ومصطفى النحاس، وحافظ عفيفي. وشهدت الفترة التالية جولات للانضمام والانسحاب، حتى جاء يوم 8 مارس 1919م؛ وهو اليوم السابق على الثورة.

اقرأ أيضًا: الإمام المراغي.. مُعارِض الملك فاروق ومُجَابِه الصهيونية

وكانت اجتماعات الوفد تَجري في بيت سعد زغلول “بيت الأمة” وفي منزل “حمد الباسل” اللذين كانا على مقربة من بعضهما البعض. وقد قبض الإنجليز على: سعد زغلول، وإسماعيل صدقي، ومحمد محمود، وحمد الباسل.. في منزل الأخير، وسِيقوا إلى السجن ثم إلى بور سعيد؛ ومنها إلى النفي في جزيرة مالطة.

قاد حمد الباسل الحركة الوطنية بعد نفي سعد زغلول وعدد من رفاقه إلى جزيرة سيشل في يناير 1922م. وحينها سارع أعضاء الوفد السابقون، وحتى الذين انسحبوا منه في شهر أبريل 1921م، وكذلك المختلفون مع سعد زغلول من قبل.. للتوحد، متناسين كل الخلافات السابقة، داعين للاتحاد مجدداً.

وخطب حمد الباسل في الحضور قائلاً: “الحمد لله لم يَخب أملي في إخوان عرفتهم في الشدائد، وخَبرتُ وطنيتهم الصادقة ومُروَّتهم الكبيرة؛ لأنهم ما لبثوا حتى لبُّوا داعي الوطن.. أولئك هم أعضاء الوفد المصري، وأولئك هم أصدقاءَ سعد باشا، وأولئك هم أنصاره.. أقبلَ بعضُهم على بعض بالأمس متعاونين متضامنين لخدمة البلاد، بما أوتوا من كفاءة وعلم وإقدام.. فليحيا الاتحاد، وليحيا التضامن، ولتحيا مصر”.

وخلال النفي الثاني لسعد زغلول إلى سيشل، ثم إلى جبل طارق؛ قاد حمد الباسل الرموز الوطنية لحزب “الوفد”، ووجَّه هو ورفاقه نداءً للأمة في يناير 1922م بالتمسك بالمطالب القومية العادلة، وأن طموحهم الأسمى هو نَيْل الاستقلال. فأُلقي القبض عليه هو وستة من رفاقه، واقتُيدوا إلى المحاكمة. وقد صدر ضدهم حكمٌ بالإعدام، ثم خُفِّف إلى السجن المؤبد سبع سنوات مع غرامة 500 جنيه لكلٍّ منهم. لكن في الأخير؛ جرى إطلاق سراح السبعة، نتيجة الضغط الشعبي .

وظل حمد الباسل وفيًا للوفد ولمبادئه التي شارك في تشييدها إلى جوار سعد زغلول ورفاقه لسنوات. لكنه في نوفمبر 1932م استقال من الحزب، وأسَّس “الوفد السعدي” نسبة إلى سعد زغلول .وظلت تلك المجموعة تنادي بالعودة إلى مبادئ سعد زغلول، رغم التنابز بين قيادات حزب الوفد.

اقرأ أيضًا: حكاية عمر بك لطفي.. أبو التعاونيات ومؤسس النادي الأهلي

وفي يوم 9 فبراير 1940م تُوفي حمد باشا الباسل، تاركًا ميراثاً ثريًّا من العطاءَ الثوري لصالح مصر والأمة العربية كلها. كما ترك للفيوم ما تفتخر به سنويًّا في ذكرى خروج الأهالي للمطالبة بالإفراج عن قادة ثورة 19.

لم تأخذ ثورة يوليو موقفًا عدائيًا من عائلة الباسل؛ بل إن المشير عبد الحكيم عامر كرَّم – بأوامر من الرئيس جمال عبد الناصر – ذكرى حمد الباسل، وأسقط الحراسة عن ممتلكاته، نظرًا لماضيه المشرف.

عائلة حمد الباسل
صورة نادرة لعائلة حمد الباسل

رموز عائلة “الباسل”

بنى حمد باشا الباسل قصره عام 1907م بقرية “قصر الباسل”، ثم أعاد تجديده عام 1939م مع زيارة الملك فاروق للقصر، عند افتتاحه لمشروع المياه بمركز إطسا بالفيوم .

وتتوارث عائلة الباسل – التي هي إحدى فروع قبيلة الرماح – منصب العمودية في القرية. كما تنتشر فروع عائلة الباسل في قرى ومراكز الفيوم، وكذلك في القاهرة وفي عدد من المحافظات. وورث رموز العائلة أيضًا من خلال الانتخابات المتعاقبة عضوية البرلمان. ومن أبرز نواب العائلة بالبرلمان: عبد الستار الباسل، وعبد القادر الباسل، وأبو بكر الباسل، وعبد العظيم الباسل (النائب الحالي، والكاتب الصحفي  بجريدة “الأهرام”).

اقرأ أيضًا: أبو رجيلة.. إمبراطور الأتوبيسات وعاشق الزمالك

 

المصادر

 . مذكرات سعد زغلول: تحقيق د. عبد العظيم رمضان.

.  هؤلاء الرجال من مصر: لمعي الضبعي.

.  مذكرات إبراهيم الهلباوي: تحقيق د. عصام ضياء الدين.

.  مذكرات فخري عبد النور: تحقيق د. يونان لبيب رزق.

.  معلومات ومقابلات مع شخصيات من العائلة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى