زواياسياسةمختارات

صائب عريقات يترجل عن جواده.. فلسْطِين: لأنَّكِ سيِّدَتِي.. أَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ

 

في ربيع عام 1955، وبينما كانت المواجهات مع إسرائيل على أشدها في قطاع غزة تزامنًا مع تظاهرات الفلسطينيين الرافضة لمشروع توطينهم في سيناء، كانت أصداء صرخات طفل رضيع تنطلق في الفضاء من داخل منزل رجل الأعمال محمد صالح عريقات الكائن في أريحا بالضفة الغربية، لتعلن عن قدوم طفله السادس داخل العائلة المنحدرة من بلدة أبوديس في القدس الشرقية، والذي أُطلق عليه “صائب”.

خريطة أريحا

داخل مدرسة تيرا سانتا رومان الكاثوليكية في نفس بلدته، بدأ “صائب” صاحب الـ 3 سنوات في تلقي أحرف تعلمه الأولى. وبينما لم ينه عامه الثاني عشر وتحديدًا في عام 1967، بدأت إسرائيل في سياسات مصادرة الأراضي (بداية الاحتلال)، وبناء مستوطنات غير قانونية في كل من القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية، ومثلت هذه الأحداث البداية لانخراط صائب في العمل السياسي. جرى اعتقال الصبي (ابن الـ 13 عامًا) للمرة الأولى بتهمة إلقاء الحجارة والكتابة على الجدران.

وبمجرد أن أتم الطفل قبل الأخير داخل العائلة الصغيرة عامه السابع عشر، أرسله والداه إلى الخارج لإنهاء دراسته، وبين أحضان عائلة في مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا. وبينما كانت القضية الفلسطينية تحتل مكانه على طاولة مجلس الأمن الذي أوصى وقتها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في الصراع، والتوصل إلى تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، وإنهاء جميع الادعاءات أو حالات القتال والذي أصبح بعد ذلك أساس خيار حل الدولتين، تخرج صائب في جامعة ولاية سان فرانسيسكو بدرجة البكالوريوس في العلوم السياسية عام 1977، ثم الماجيستير في العلاقات الدولية عام 1979، وخلال هذه الفترة انتُخِب رئيسًا لاتحاد الطلاب في الجامعة.

لا حل.. إلا المفاوضات

لم يطِل الشاب غيبته في بلاد الغرب، فسرعان ما لملم أشياءه وعاد إلى الوطن، وعقب عودته تزوج عريقات بقريبته نعمة في سبتمبر/ أيلول 1981، وتزامن ذلك مع خطواته الأولى في الحياة السياسية التي بدأها كمحاضر في العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، ثم حصل على منحة دراسية لبرنامج الدكتوراه في جامعة برادفورد في المملكة المتحدة. درس خلالها حل النزاعات في قسم دراسات السلام الممنوح من الكويكرز، وتخرج في عام 1983 بدرجة  الدكتوراه، أي بعد عام من الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982.

وكانت أطروحة الدكتوراه لصائب حول دور “الأوبك” في الصراع العربي الإسرائيلي، والتي دفعته للإيمان بأنه لا بديل للصراع العربي الإسرائيلي إلا المفاوضات. “لا يوجد حل عسكري للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولن ينتهي إلا من خلال المفاوضات”.

عريقات في الجامعة

“إن تفرد صراعي مع الإسرائيليين هو أنه لا يمكن لعبها كلعبة محصلتها صفر. إنه رابحان أو خاسران، والفوز هو فقط من خلال طريق السلام والتفاوض. هذا ما أقدمه لهم”

مقابلة لصائب مع برنامج “فرونت لاين وورلد”

في مايو/ أيار عام 2006

ومن منطلق المفاوضات، بدأ عريقات في نشاطه السلمي تجاه القضية الفلسطينية، من خلال عمله كصحفي في جريدة القدس اليومية الفلسطينية والتي كان يكتب مقالات افتتاحية ومقالات إخبارية عبر صفحاتها لمدة تقارب 12 عامًا، وفي عام 1982 أثارت إحدى مقالاته الغضب في جامعة النجاح بعد دعوته للحوار بين الأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين، على خلفية برنامج التبادل الأكاديمي الذي دشنه في عام 1983.

شخصية المفاوض

في عام 1991، كانت بداية تكوُّن شخصية المفاوض الشامل لعريقات، عندما قبل دعوة من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، ليكون ضمن وفد فلسطيني في مؤتمر مدريد حول السلام في الشرق الأوسط الذي أقيم في أعقاب حرب الخليج الأولى، والذي عمل فيه نائبًا لرئيس الوفد الفلسطيني-الأردني في مدريد إلى جانب الناشطة الفلسطينية حنان عشراوي تحت قيادة الدكتور حيدر عبد الشافي، وتبعتها محادثات واشنطن خلال عامي 1992 و1993.

عريقات بمؤتمر مدريد

في أعقاب مباحثات مدريد، بات عريقات ضمن الدائرة المقربة من ياسر عرفات، وأُسند إليه إنشاء مجلس مدينة أريحا بموجب اتفاقية غزة-أريحا في عام 1994 ، وعُين رئيساً للوفد الفلسطيني المفاوض، كما شغل عريقات منصب كبير المفاوضين الفلسطينيين خلال مفاوضات أوسلو في عام 1995 ، ثم انتخب عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني عام 1996 ممثلاً عن أريحا، ليكون بذلك الوجه العام للفلسطينيين في العالم الناطق باللغة الإنجليزية والمفاوض الرئيس خلال مباحثات عملية السلام.

بدأ عريقات الذي أصبح أبًا لأربعة أطفال، هم سلام ودلال وعلي ومحمد، يحتل مكانه كضيف على الشبكات الإخبارية الكبرى مثل “سي إن إن” خلال فترة التسعينات ليصبح الوجه المعروف لمنظمة التحرير الفلسطينية وقتها دون منازع، رجلاً آمن دائمًا بـ”حل الدولتين” وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية.

تقارب

ظل عريقات محتفظًا بحقيبة الحكومة المحلية حتى إبريل/ نيسان 2003، وعُين حينها وزيرًا لشؤون المفاوضات في الحكومة الأولى لرئيس الوزراء عباس أبو مازن، واحتفظ عريقات بولائه الشديد للرئيس الراحل ياسر عرفات رغم العلاقة المتوترة بينهما في أوائل التسعينات، على خلفية استقالته من وفد مدريد احتجاجًا على تعامل عرفات مع محادثات واشنطن في أغسطس/ آب 1993، إذ عمل ممثلاً لعرفات في الخارج، وأصبح من الأشخاص ذوي التأثير في السلطة الفلسطينية الذين يحظون بتقدير وإعجاب كبيرين من الفلسطينيين.

“إنه ليس وقت التفاوض.. إسرائيل هي إسرائيل على حدود 1967، فلسطين هي فلسطين”

عريقات في حوار لـ”نيويورك تايمز”

في عام 2007

عريقات وعرفات وكلينتون

وشهدت المرحلة الأولى من الألفية الجديدة صعودًا وهبوطًا في حياة عريقات السياسية، فكان له دور بارز فيها خصوصًا في مباحثات السلام في أثناء قمة كامب ديفيد التي فشلت في يوليو/ تموز 2000، وتدرج في مناصب مختلفة خلال هذه الفترة، إذ انتُخِب عضوًا في اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” في عام 2006، ثم عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 2009، ولكنه استقال من منصبه كرئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية في فبراير/ شباط 2011 بعد إذاعة قناة الجزيرة القطرية وثائق عن مفاوضات السلام مع إسرائيل ما بين 1999 و2010.

“استقالتي تأتي من منطلق تحملي كامل مسؤوليتي لخرق سرقة الوثائق من مكتبي وما لحقها من تحريف وتزوير”

صائب عريقات في أعقاب استقالته


“الحياة مفاوضات”

وفي ظل انخراط عريقات في حياة التفاوض من أجل القضية الفلسطينية، عكف على إعداد كتاب يكون بمثابة مقدمة أساسية في فهم علم التفاوض في فلسطين كأحد أهم الأشكال السلمية في حل النزاع، وفي عام 2008 أصدر كتابه “الحياة مفاوضات” الذي حقق هذا الهدف، أعقبتها عدة مؤلفات أخرى منها “بين علي وروجر” عام 2014.

صائب عريقات

وفي سن 57 عامًا، وتحديدًا في أواخر عام 2012، أصيب عريقات بنوبة قلبية في خضم صولاته وجولاته لإيجاد حل لتسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وخضع في عام 2017 لعملية زراعة رئة ناجحة في الولايات المتحدة، بعد إصابته بفيروس سبب له تلفًا في الرئة.

وصباح اليوم الثلاثاء (10 نوفمبر/ تشرين الثاني الحاليّ) غادر كبير المفاوضين الفلسطينيين الحياة داخل مركز هداسا الطبي في إسرائيل، على أثر إصابته بفيروس كوفيد-19، دون أن يشهد على حل عادل لقضية فلسطين التي طالما كرس عمره من أجلها، على أن يواري جثمانه الثرى في مدينة أريحا التي نشأ وقضى حياته فيها.

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى