وجهات نظر

صحابة رسول الله “الأقباط”

عبد الرحمن الطويل

باحث مصري

 

لم نكن في طفولتنا ونحن نسمع قصة السيدة مارية القبطية ووفودَها على النبي صلى الله عليه وسلم، بتفاصيلها المقتضبة، نظن أن في الصحابة المعروفين أقباطًا غيرها.

“حاطب بن أبي بلتعة يسافر إلى الإسكندرية حاملاً رسالة النبي إلى المقوقس حاكم مصر، فيرجع بجاريتين وغلام، وحمار وبغلة وثياب”.

هكذا مرت علينا القصة الموجزة، ربما لم نكن قادرين على معرفة اسم الجاريتين لولا أن رسول الله اتخذ إحداهما لنفسه فأنجب منها ولده إبراهيم، فصارت أم ولد رسول الله، واقتربت في تديُّننا الشعبي من منزلة أمهات المؤمنين، لم لا؟ فهي أنجبت ولده، وهي المكانة التي لم تنلها من أمهات المؤمنين غير السيدة خديجة، والتي انتقلت قبل قدوم مارية بزمان بعيد، كما كان للنبي إماء أخريات لم تشتهر أي منهن، لأنهن لم يُنجبن له، ولا يُذكرن إلا في بطون كتب التراجم.

كتب التراجم والتواريخ ذاتها هي التي ستجعلنا نتوقف عند عدد من الصحابة الأقباط الذين حضر بعضهم من مصر مع مارية، وأتى بعضهم في ظروف أخرى لم تبلغنا. ورغم أن كتب التراجم لا تخبرنا بكثير من المعلومات عنهم، تدفع كتب تاريخ مصر ذكرهم إلى المقدمة مرة أخرى حين تذكر اشتراكهم في فتح مصر مع عمرو بن العاص، واختطاطهم بيوتًا حول الجامع العتيق “جامع عمرو بن العاص” بالفسطاط.

وقد كان اشتراكهم في فتح مصر بديهيًّا وحتميًّا، لمهمة الترجمة بين العرب والقبط، والتي لم يكن ليقوم بها إلا “الصحابة القبط”، والعرب الذين يسكنون صحارى مصر الشرقية.

مارية وسيرين وحسنة

عام 7 من الهجرة وصل حاطب بن أبي بلتعة إلى الإسكندرية رسولاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس حاكم مصر يدعوه إلى الإسلام.

المقوقس الذي لم يُسْلِم أكرم الرسالة والمرسِل، وردَّ مع الرسول رسولاً وجاريتين –وقيل 3 جاريات– وغلامًا وهدايا، وحمارًا وبغلة وثيابًا وعسلاً.

أما الجاريتان فهما الأختان مارية(1) وسيرين(2)، فقد أسلمتا في الطريق قبل أن تبلغا المدينة، فاتخذ رسول الله مارية لنفسه، وكانت جميلة حتى غارت منها السيدة عائشة وبقية أمهات المؤمنين، وضُرب عليها الحجاب معهُن، ثم وَلَدت له إبراهيم في ذي الحجة من السنة الثامنة للهجرة، فعلَت به منزلتها وصارت أم ولده، وصار يقضي عندها وقتًا أطول ليأنس بولده، لكن شاء الله أن يقبض إليه إبراهيم في العام العاشر من الهجرة ولم يكمل العامين، ففُجع به قلب النبي صلى الله عليه وسلم ولم تطل أيامه بعده.

ظل رسول الله يزور السيدة مارية بعد انتقال إبراهيم، وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم  إلى رحاب الله كان ينفق عليها أبو بكر، ثم عمر، حتى لحقت بالرفيق الأعلى في شهر محرم سنة 16هـ فكان عمر بن الخطاب يحشد الناس لجنازتها وصلى عليها بنفسه ودفنها في البقيع.

أما أختها السيدة سيرين فقد وهبها النبي صلى الله عليه وسلم لشاعره حسان بن ثابت، فأنجب منها ولده الشاعر عبد الرحمن، فكان عبد الرحمن بن حسان ابن خالة إبراهيم بن النبي عليهما السلام، وروى عن أمه أنها قالت: “حضرتُ موت إبراهيم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما صِحْتُ أنا وأختي ما ينهانا فلما مات نهانا عن الصياح”.

هكذا يحدثنا أكثر الروايات عن جاريتين، ويربكنا بعض الروايات فيقول لنا إن النبي صلى الله عليه وسلم وهب الثانية لجهم بن قثم العبدي (أو جهم بن قيس العبدري) فولدت له ابنه زكريا الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر حين سافر إلى أمير المؤمنين عمر في المدينة.

لكن مؤرخ مصر الأقدم ابن عبد الحكم (ت 257 هـ) والإمام البيهقي (ت 458 هـ) والإمام ابن عساكر (ت 571 هـ) يحسمون الأمر فيروون عن حاطب بن أبي بلتعة أن المقوقس أهدى إلى النبي 3 جاريات، اختص نفسه بإحداهن وهي مارية، واختص بالثانية حسان بن ثابت، ووهب الثالثة لأبي جهم بن حذيفة العدوي(3)، وقيل إن اسمها حسنة، وقيل قيصر، ويسميها الإمام السيوطي أم زكريا(4).

مهاجرون من الإسكندرية والمنيا

لم يخرج حاطب من الإسكندرية بالجواري الثلاث وحده، وإنما خرج بهن معه جَبر القبطي(5) رسول المقوقس إلى النبي، فأسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى مصر مع الفتح فابتنى قصرًا بزقاق القناديل، وكانت القبط تفخر بصحبته للنبي، وقد مات جبر عام 63 هـ.

ضم موكب حاطب وجبر رجلين من الأقباط خرجا مع مارية، ليس فقط من الإسكندرية، بل من قريتها (حفن) بمحافظة المنيا، فأسلما وصحبا النبي وذكرتهما كتب تراجم الصحابة.

أما الأول فكان ضمن هدية المقوقس، وهو رجل خصي يقال له مأبور(6) وكان قريبًا لمارية، فقيل إنه كان أخاها لأمها، وقيل عمها وقيل غير ذلك، ومأبور هو اسمه المشهور، لكن روى الواقدي أن اسمه “هابو” ويبدو أنه اسمه القبطي، فإن “حابو” كان من أسماء المصريين القدماء، وكان للملك أمنحتب الثالث وزير يُدعى أمنحتب بن حابو، لكن مع التأثير اليوناني تحول نطق الحاء في عدد من اللهجات القبطية إلى هاء.

وأما الرجل الثاني فهو صالح القبطي(7) ولم يكن من هدية المقوقس، وإنما اتبع مارية من قريتها.

أبو رافع القبطي

بعيدًا عن موكب مارية يقابلنا أشهر الصحابة الأقباط أبو رافع القبطي(8) مولى النبي صلى الله عليه وسلم، والذي اشتهر بكنيته، في حين اختلف المؤرخون في اسمه، فقالوا “أسلم” و”إبراهيم” وأسماء أخرى من بينها “قرمان”، ولعل الأخير تصحيفٌ لقزمان ويكون اسمه القبطي، فإنه روي أنه كان اسمه “قرمان” فسُمِّي بعده “إبراهيم”.

أسلم أبو رافع قبل بدر، أي قبل قدوم حاطب ومن معه بـ5سنين، وهو بذلك أقدم الصحابة الأقباط الذين ثبت لنا تاريخ إسلامهم، وشهد غزوة أحد وما بعدها من المغازي، وروى عنه عدد كبير من التابعين.

وقد شهد أبو رافع فتح مصر وبنى مع عقبة بن عامر الجهني ومسلمة بن مخلد الأنصاري دارَ الرمل التي كانت موجودة قبليّ جامع عمرو بن العاص(9)، ثم عاد إلى المدينة ومات فيها بعد استشهاد عثمان بقليل، أي في حدود سنة 36هـ.

ولأبي رافع القبطي مكانة عند الشيعة، فهو عندهم من شيعة الإمام علي وأصحابه، ويقول الشيعة إنه أسلم قديمًا في مكة قبل الهجرة وهاجر إلى الحبشة(10)، وإنه خرج إلى الكوفة مع عليّ، وإن عليًّا عينه على بيت المال، وينسبون إليه تأليف أول كتاب في الفقه، وتقول رواياتهم إن وفاته كانت بعد الإمام عليّ.

بقي صحابيان من الأقباط حملا اسمًا واحدًا: يعقوب القبطي مولى بني فهر(11)، ويعقوب القبطي مولى الأنصار(12).

أما الأول فكان ممن بعثهم المقوقس مع مارية، فأسلم وصحب النبي ثم شهد فتح مصر، واختطَّ داره بجوار جامع عمرو بن العاص، والتي عُرفت بعد بدار يحيى بن بكير، وروى عنه شيخ البُخاري سعيد بن عفير أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصبح فما سمع شيئًا أحسن من قراءته.

وأما الثاني فليس لدينا دليل على أنه قدم مع مارية، وربما كان أقدم منها، وكان مولى لأبي مذكور الأنصاري، وقد عرفنا بوجوده من حديث في الصحيحين أنّ أبا مذكور أعتقه عن دبر –أي عند موته– ثم باعه النبي صلى الله عليه وسلم ليوفي به دين أبي مذكور، وقد مات يعقوب هذا في خلافة ابن الزبير بين عامي 64 و73هـ.

المراجع :

 

  1. الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني: 4/537 ترجمة 984
  2. الإصابة: 4/450 ترجمة 609
  3. فتوح مصر لابن عبدالحكم 50 وتاريخ دمشق لابن عساكر 34/281
  4. در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة للسيوطي 136
  5. الإصابة 1/289 ترجمة 1064
  6. الإصابة 3/444 ترجمة 7583
  7. الإصابة 2/234 ترجمة 4026
  8. الإصابة 4/87 ترجمة 391
  9. الانتصار لواسطة عقد الأمصار لابن دقماق 4/5
  10. (10)إيضاح الاشتباه للحلي 80
  11. (11) الإصابة 3/882 ترجمة 9359
  12. (12) الإصابة 3/882 ترجمة 9360

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى