وجهات نظر

صحوة تنظيم القاعدة مع العام الجديد

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

استقبل تنظيم القاعدة بأفرعه وتشكلاته الجماعاتية المختلفة، العام الجديد، على طريقته الخاصة، وذلك بسلسلة من العمليات المتنوعة التي استهدفت جغرافيات جديدة، مع العمل على تعزيز تمركزها القديم في ذات الوقت، زادت من وتيرته حدة الاشتباك مع الأحداث من حولها بهدف التمدد بنحو مغاير عن سابقه.
سارع التنظيم في الساعات الأول من العام الجديد، عبر ذراعه الكائنة في المشهد السوري، ممثلة في تنظيم “حراس الدين” في سابقة هي الأولى في الجغرافية السورية، بشن أول هجوم من نوعه بالريف الشمالي لمحافظة الرقة (شمال شرقي سوريا) التي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ما أسفر عن مقتل عدد من الجنود الروس، فضلاً عن سقوط جرحى، واللافت في هجوم “حراس الدين” أنه الأول الذي ينفذ خارج مناطق تمركزه في إدلب غربي سوريا، وهو ما يستدعي قدرًا من التساؤل عن كيفية كسره للطوق الأمني المفروض عليه من الثلاثي (قوات النظام السوري، الروس، وقوات قسد) وتسلله إلى العمق بهذا القدر.
وتزامنًا مع ذلك، استهدفت حركة الشباب الصومالية عمالاً في شركة تركية، في الصومال، أودى بحياة 4 أشخاص، بينهم مواطن تركي، يعملون في مجال الإنشاءات، وذلك في منطقة قريبة من العاصمة “مقديشو”.
لم يكتفِ القاعدة بهذا القدر من الناحية العملياتية العسكرية في الأسبوع الأول من العام الجديد، إذ كشف بيان بإمضاء القيادة العامة للتنظيم -مؤرخ بشهر نوفمبر/ تشرين الثاني، إلا أنه ظهر مع مطلع العام الجديد- عن رسالة تهديد واضحة للقيادة السياسية الفرنسية، ممثلة في الرئيس إيمانويل ماكرون، معنونة بـ”إذا كررت الجريمة سنكرر العقوبة”، داعية أنصارها إلى استهداف القوات الفرنسية في إفريقيا وفي كل مكان يطاله التنظيم من جراء الإساءات الأخيرة والمتكررة، للنبي محمد -صلوات الله وسلامه عليه- رغم ما طرأ على الحدث من هدوء نسبي في الأسابيع الأخيرة من العام المنصرم.
على الفور، تلقفت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين -جناح القاعدة في منطقة الساحل الإفريقي- البيان، لتجعله واقعًا عمليًّا، لتعلن مسؤوليتها عن قتل 3 جنود فرنسيين في دولة مالي، وأعقبته في اليوم التالي باستهداف اثنين آخرين بعبوة ناسفة، معلنة أنه جاء استمرارًا للوجود العسكري الفرنسي في الساحل الإفريقي، فضلاً عن نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد.
بدا كأن التنظيم يسعى حثيثًا نحو ضبط إيقاع تحركاته، في ضوء المتغيرات الحادثة على المستويات الإقليمية والمحلية والدولية، رغبة في الانتقال والمراوحة من دائرة السكون والكمون إلى التصدر والظهور، من خلال لملمة صفوفه وأوراقه المبعثرة، من جراء قيادة الظواهري الشائخة، بدأت مع ظهور قيادات جديدة ساهمت في ضخ الدماء مجددًا في جسد “القاعدة” العليل، متكئة على الإرث الكبير الذي تمخض عن مسيرة التنظيم –الأقدم- طيلة العقود الثلاثة الماضية.
وفي محاولة لفهم تسارع وتيرة هذه العمليات العسكرية الأخيرة لتنظيم القاعدة، تجب الإشارة إلى جملة من التحولات التي عايشها التنظيم في الآونة الأخيرة، يأتي على رأسها لغز اختفاء زعيم تنظيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري، والحديث عن مقتله دون معرفة ملابسات وفاته، وانعكاسات ذلك على التنظيم، وما أعقبها من تكهنات بخلافة محمد صالح زيدان أو “سيف العدل” الضابط السابق والخبير العسكري، إضافة إلى الدور الذي لعبته قيادات القاعدة في تنظيم حراس الدين رغم حداثة نشأتها في تموضعها السريع الذي بدأ مؤخرًا، ثم تعيين الجزائري أبو عبيدة يوسف العنابي أميرًا لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي خلفًا لأميره السابق عبد المالك دروكدال، إضافة إلى تعيين خالد باطرفي زعيمًا للتنظيم عقب مقتل قاسم الريمي، ونهاية لتراجع القاعدة في كل من أفغانستان وباكستان، واستشعاره أن حركة طالبان قد أدارت ظهرها له بعد اتفاقية السلام الأمريكية الأخيرة مع الحركة.
يمكننا القول إن ثمة تغيرًا يمكن تلمسه في تصاعد وتيرة العمليات العسكرية، يرجع لسببين أساسيين، أولهما: تغيير القيادات القاعدية في جغرافيات مختلفة يتمركز خلالها التنظيم والعمل من خلال الأطراف دون تأثير المركز، نظرًا إلى غياب أعلى الرأس التنظيمي، الممثل في الظواهري، لحين إعلان التنظيم عن مصير زعيمه.
وثانيهما: الرغبة في وقف تمدد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي كان استمراره على هذا النحو يخصم من نصيبه التنظيمي من خلال احتواء الساخطين والحائرين من واقع القاعدة المرتبك، فضلاً عن المواجهة العسكرية الضارية والصراع القائم على أشده على الأرض والموارد المالية والنفوذ، وخاصة تزاحمهما على تمثيل “الإسلام السني الجهادي”.
يسهم تغيير القيادات بنحو أو بآخر في طرح إستراتيجيات جديدة ومغايرة عن سابقاتها، تعمل على تلافي أخطاء الماضي ورسم خارطة مسار جديدة، يسلكها التنظيم لإعادة تموضعه، بهدف ترسيخ وجوده من جديد، وهو ما نلحظه بدقة ونرصده في نشاطات القاعدة، ابتداء بـ”حراس الدين” الذي لعبت قياداته القاعدية وتحديدًا قائد التنظيم أبو همام الشامي دورًا هامًّا ورئيسًا في سرعة انتشاره وتمدده في الجغرافية السورية، وكان آخره فتح جبهة في الشرق السوري خارج مناطق تمركزه، وهو يواجه القوى العسكرية الروسية وقوات قسد والنظام السوري، من جهة، والجولاني وهيئته، فضلاً عن بقايا تنظيم الدولة الإسلامية، من جهة أخرى، ما يعني أن “حراس الدين” تحولت إلى قوة عسكرية ليست بالهينة، وهي الرسالة الأهم التي حاول التنظيم إرسالها إلى جميع الفاعلين في المشهد السوري، على المستويين السياسي والعسكري في آن معًا.
بموازاة ذلك، لعب تعيين القاعدي المخضرم أبو عبيدة يوسف العنابي زعامة فرع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي خلفًا لأميره السابق عبد المالك دروكدال بعد مقتله، دورًا كبيرًا ومؤثرًا في دول الساحل والصحراء، مهد للتنظيم أن يتبوأ موقعًا مؤثرًا بين التنظيمات هناك، وأن تكون له الكلمة العليا، خاصة وأنه يمسك بزمام الأمور، لما يملكه من قدم تاريخي من جهة ومقاومته للزحف الداعشي من جهة أخرى.
وفي مشهد مماثل لكن في جغرافية مغايرة، بدا كأن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يعاني موتًا سريريًّا من جراء حالة الإرباك التي عايشها خلال السنوات الأخيرة، التي ظهرت بوضوح مع مقتل قاسم الريمي وما أعقبه من تعيين خالد باطرفي، ثم الانقسامات والهواجس الأمنية الحادثة داخل التنظيم وفوبيا “الجاسوسية” والاختراقات التي على أثرها شن “باطرفي” حملة استهدافات كبيرة داخل التنظيم، ساهمت في اتساع رقعة الانشقاقات والخلافات بين منتسبي التنظيم، وخروج عدد منه نحو “داعش” وآخرين باتوا يسعون للإطاحة به.
بيد أن المؤشرات الحادثة على السياق السياسي والاجتماعي لمنطقة الخليج العربي، وخاصة في ما يتعلق بمسألة التطبيع مع الدولة الإسرائيلية، قد تزيد من خطورة أن يلجأ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب إلى الإسراع في معالجة هذه المشكلات، والعمل على توحيد الصف، خاصة في ظل ما أصدره تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من بيانات أكد خلالها على نيته استهداف دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، نظر إليها تنظيم القاعدة على أنها في حال تحققها ستكون بمثابة صفعة على وجه التنظيم، في عقر داره، ما يسهم في سحب البساط من تحته، وهو ما يتخوف منه تنظيم القاعدة مستقبلاً.
في المقابل، ساهمت اتفاقية السلام التي أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية مع “طالبان” العام الماضي في شعور التنظيم بأن حاضنته القديمة أوشكت على إعلان تخليها عنه، خاصة مع قيادة أمير الحركة الملا أختر منصور، ورؤيته الإستراتيجية المغايرة عن سلفه الملا محمد عمر، والشراكة الإستراتيجية المرتقبة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتمد بالأساس على فك ارتباط حركة طالبان بالتنظيمات الإرهابية، ممثلة في القاعدة ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
هذا الأمر يجعل من اختفاء الظواهري والحديث عن مقتله جزءًا من ضبابية العلاقة بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان، ولكن ما يعنينا في هذا الاستقراء أن “القاعدة” لن يراهن مستقبلاً على علاقته بحركة طالبان، لتفهمه حجم التحولات القائمة في المشهد الأفغاني وخاصة داخل الحركة نفسها، ما يشعره بالحاجة إلى وضع إستراتيجيات جديدة ومغايرة، تعتمد بالأساس على الاعتماد على الذات وتفعيل الأفرع والأطراف في كل الجغرافيات التي تنشط داخلها.
خلاصة القول: نحن إزاء ما يشبه انبعاثًا جديدًا لتنظيم القاعدة، يسعى من خلاله لتصدر المشهد الإرهابي مجددًا، الذي يغيب عنه بفعل قيادة الظواهري المترهلة، وبروز تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بهذه القوة التي حافظ على أجزاء كبيرة منها رغم خساراته في حواضره القديمة، ونقاط تمركزه السابقة في الرقة والموصل، وفتحه لجبهات جديدة في قلب إفريقيا، وخاصة دول الساحل والصحراء، الأمر الذي شعر إزاءه تنظيم القاعدة أنه بين سندان قيادة شائخة متوارية عن الأنظار، من جهة، ومطرقة تمدد تنظيم الدولة الذي بات يحاصره من كل اتجاه من جهة أخرى، ما دفعه إلى محاولة النهوض ومعاودة رسم سياسات جديدة تعزز من موقعه الإستراتيجي، في ما يشبه صحوة مرتقبة شديدة العنف.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى