صحوة داعش “خراسان”.. وفشل الاستراتيجية الأمريكية لحرب الإرهاب

أحمد سلطان

صحافي مصري

خلال حملته الدعائية التي سبقت إعادة انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في 2012، روج باراك أوباما الرئيس الأمريكي السابق لفاعلية الاستراتيجية التي تتبعها إدارته في مواجهة التنظيمات الجهادية المعولمة، والتي اعتمدت على توجيه ضربات انتقائية وقطع رأس القيادة العليا للتنظيمات، وبالتالي إضعافها وتفكيكها.

وفي حين انشغل “الأوباميون” من الخبراء والباحثين المتخصصين في مكافحة الإرهاب، بالتدليل على فاعلية نهج الإدارة الأمريكية السابقة، كانت التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش تستعيد عافيتها التنظيمية، وتُصّعد قيادات جديدة محل الأمراء المقتولين، ليتمكن التنظيم خلال أقل من سنتين ونصف في السيطرة على مساحات شاسعة داخل سوريا والعراق وتأسيس ما سماه بـ”الخلافة المكانية الممتدة من حلب إلى ديالي”.

ورغم أن استراتيجية قطع رأس القيادة، خضعت لسجالات وجدالات بين الباحثين والخبراء لإعادة تقييم فاعليتها العملياتية وتقييم جدواها في مواجهة التمدد الجهادي المعولم، إلا أن الوقائع المتعاقبة أثبتت أن الولايات المتحدة لا زالت تتبع هذا النهج وتمنحه أولوية قصوى رغم وصف الرئيس الحالي دونالد ترامب لسياسات سلفه “أوباما” بـ”الفاشلة”.

ربما تشكل الحالة الأمريكية، إحدى المرتكزات الهامة في دراسة تجارب الإرهاب والمكافحة باعتبار أن الولايات المتحدة أخذت على عاتقها مسؤولية مكافحة الإرهاب والتطرف والتنظيمات الجهادية، منذ الـ11 من سبتمبر والذي تحل ذكراه خلال يومين فقط، لكن ومع ذلك تبقى الرؤية الأمريكية مشوبة بالقصور، وتبقى تقديراتها محلًا للتشكك في أحيان، والاستغراب والتندر في أحيان أخرى.

ويتجسد ذلك بوضوح في “التجربة الأفغانية” التي فشلت أمريكا في حل معضلة الإرهاب فيها، بعد حرب دامت لأكثر من 19 عامًا وتكلفت نحو 2.7 تريليون دولار، إذ لم تنجح في القضاء على “القاعدة” أو إنهاء “طالبان” بل ساهمت بصورة أو بأخرى في تمدد تنظيم داعش إلى “أرض خراسان”، بعد أن منحته قبلة الحياة في العراق بغزوها له عام 2003.

“داعش” والتمدد فوق “جبال الهندكوش”

في عام 2015، أعلن المتحدث باسم تنظيم داعش- آنذاك- أبومحمد العدناني الشامي، تمدد داعش رسميًا لذرى جبال الهندكوش، كاتبًا بصوته شهادة ميلاد ما سيغدو لاحقًا أحد أخطر الأفرع الداعشية، وبينما كان التحالف الدولي لحرب داعش منشغلًا بالقضاء على الخلافة المكانية في سوريا والعراق، تمددت جذور الإرهاب في أرض الأفغان، ونجح التنظيم في ضم مجموعات له من فصائل عسكر الإسلام وشبكة حقاني (إحدى مكونات طالبان)، وحركة أوزبكستان الإسلامية، بحسب تقرير سابق صادر عن مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت الأمريكية.

عمدت الولايات المتحدة لاتباع استراتيجيتها «القديمة- الجديدة» في مواجهة تمدد “داعش خراسان”، فلجأت لاستراتيجية قطع رأس القيادة، وبالفعل نجحت منذ ذلك الحين في اغتيال حافظ سعيد خان القائد المؤسس لداعش خراسان، وخلفه عبد الحسيب اللوجري- مشيد صروح الدواوين الداعشية-، ثم أبي سيد أوراكزاي- سعد أرحبي-، كما نجحت، قبل 4 أشهر فقط- في اعتقال عبد الله أوركزاي، و2 من أبرز قادة التنظيم هما المسؤول العسكري، ومسؤول التجنيد في عملية نوعية، وكان “أوركزاي” هو الأمير الفعلي لداعش خراسان، والذي عينه “أبوبكر البغدادي” في إبريل 2019، بعد أن أوفد لجنة من كبار مساعديه لأفغانستان لبحث أسباب تراجع العمل الإرهابي هناك، والتي أوصت في النهاية بعزل الأمير الداعشي هناك المعروف بـ”مولوي ضياء الحق” أو أبي عمر الخراساني.

لكن رغم النزيف القيادي الذي أصاب داعش في أفغانستان، أثبت التنظيم الإرهابي قدرته على التكيف والبقاء في بيئة عملياتية وتنظيمية مضطربة، بل وضاعف عدد وحدة الهجمات الإرهابية التي ينفذها، ليثبت أنه مازال رقمًا صعبًا في المعادلة الأفغانية، وينجح في فرض حضوره على الساحة ويبرز التهديد الذي يمثله لمستقبل اتفاق السلام «الأمريكي – الطالباني»، وبالتبعية مستقبل البلاد.

تحسن القدرات العملياتية

خلال الأشهر الأربعة التي تلت اعتقال أبرز 3 قيادات للتنظيم الإرهابي في أفغانستان، تحسنت قدرة داعش العملياتية بشكل كبير، ونجح في تنفيذ عدة هجمات استعراضية ملفتة للنظر، أبرزها الهجوم على سجن جلال آباد بولاية ننجرهار، شرقي البلاد (مطلع أغسطس الماضي)، وقصف القصر الجمهوري خلال الاحتفال بعيد الاستقلال الأفغاني ومحاولة اغتيال النائب الأول للرئيس ورئيس جهاز الاستخبارات السابق، أمر الله صالح بتفجير سيارة مفخخة، صباح اليوم.

وفي الوقت الذي ركزت فيه الآلة الدعائية الداعشية على إبراز تلك الهجمات الإرهابية وتشبيهها بحملتي «حصاد الأجناد، وهدم الأسوار»- والتي سبقتا مرحلة التمكين الداعشية في 2014- تعمدت دعاية داعش إخفاء هوية الأمير الداعشي الجديد أو الإشارة إليه بأي معلومات تفصيلية، رغم أن تحسن القدرات العملياتية للتنظيم الإرهابي يعد مؤشرًا على قدرته على قيادة التنظيم وترميم البناء القيادي له، والذي تداعى تحت وطأة الضربات التي تلقها خلال الفترة الماضية.

ويبدو أن إضفاء هالة من الغموض على شخصية الأمير الداعشي الجديد مرتبط بشكل وثيقة بالضرورات التنظيمية، وسعي التنظيم للمحافظة على قيادته بعيدًا عن الرصد الاستخباري والملاحقة الأمنية في تلك المرحلة الدقيقة لـ”داعش خراسان”، وهو ما يوحي بمحورية دوره الحالي ومسؤوليته عن موجة الإرهاب الشرسة التي تضرب أفغانستان.

أمير جديد واستراتيجية قديمة

وتشير المعلومات المتاحة عن أمير داعش الجديد، والتي نشرتها إحدى القنوات الداعشية على تطبيق تيليجرام للتواصل الاجتماعي، إلى أنه يدعى: “أسد الله المهاجر”، وبالبحث عن هذا الاسم الحركي نجد أن أوصاف صاحبه تتشابه إلى حد كبير مع أسد الله أوركازي الذي وصفته الاستخبارات الأفغانية في وقت سابق بـ”رئيس الاستخبارات الداعشية”، ويرجح أن الاسمين لنفس الشخص.

ويذكر “مناصرو داعش” أن “المهاجر” هو أحد المنظرين الاستراتيجيين للتنظيم الإرهابي بشكل عام، موضحين أنه له كتاب يدرس في صفوف عناصره بعنوان: «حرب الكر والفر» وهو أحد المصطلحات المستخدمة لوصف حرب العصابات الاستنزافية التي ينتهجها التنظيم في جميع مناطق نشاطه، منذ انهيار سيطرته المكانية على المناطق التي سيطر عليها في مارس 2019، وتوجهه نحو النمط اللامركزي الذي يعتمد على التمدد والتحرك عبر الأفرع البعيدة عن المركز كفرعي داعش في خراسان وغرب أفريقيا.

ومع أن المعطيات السابقة تساهم في إماطة اللثام عن حالة الصحوة الأخيرة التي انتابت داعش خراسان، إلا أنها تدلل في نفس التوقيت على فشل الاستراتيجية الأمريكية المعتمدة على قطع رأس القيادة في مواجهة التنظيمات الجهادية التي تنجح في الاستمرار في العمل رغم غياب قادتها لوجود مخزون أيديولوجي وتنظيمي يدفعها ويحركها ويعلي من قيمة مقتل أو اعتقال القادة باعتباره دليل على صدق الدعاوى وصحة الأفكار التي قامت عليها تلك التنظيمات.

في النهاية، قد تنجح عمليات مكافحة الإرهاب في قطع رأس أسامة بن لادن، وقتل أبي بكر البغدادي، وأسر خالد شيخ محمد، لكنها ستظل مشوبة بالقصور على مستوى النظرية والتطبيق لأنها أغفلت العوامل التي تساهم في خلق وتعزيز الإرهاب، بجانب إهمالها مواجهة الدوافع الحقيقية له، وستبقى حركات وتنظيمات الإسلام السياسي موجودة، طالما بقيت الأسباب التي أدت لوجودهما.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search