زوايامختارات

صداع سد النهضة.. إلى دواء مجهول!

 

أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن إمكانية أن تضرب مصر سد النهضة، موجة عارمة من ردود الفعل والتكهنات، لكونها تحمل عديد المعاني والدلالات في ما يتعلق بنزاع ممتد لعقد من الزمان بين مصر وإثيوبيا، كما أنها أثارت الشكوك بشأن حدود ومستقبل الدور الأمريكي في التوسط أو الضغط لحل هذا النزاع.

وتتمتع الولايات المتحدة بشراكة إستراتيجية أمنية مع كلٍّ من مصر وإثيوبيا، وقد أهّلها هذا للعب دور الوساطة بين الطرفين، ومعهما السودان، حين تعثرت المفاوضات عام 2019 في ما يتعلق بملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي. وجّهت الولايات المتحدة دعوة للدول الثلاث في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 -بناء على طلب مصري– إلى جولة مفاوضات في واشنطن بمشاركة البنك الدولي، لمناقشة وحسم القضايا العالقة. وسرعان ما تعثرت هذه الجولة من المفاوضات كسابقاتها، عندما رفضت إثيوبيا توقيع الاتفاق النهائي الذي صاغته الولايات المتحدة في فبراير/شباط 2020، وهو ما دفع الأخيرة، في سبتمبر/أيلول 2020، إلى تعليق حزمة من المساعدات الموجهة لإثيوبيا.

والجدير بالذكر أن مصر تمسكت -منذ اليوم الأول لإعلان إثيوبيا إنشاء السد عام 2011- بالمسار التفاوضي مع إثيوبيا والسودان، بهدف التوصل إلى اتفاق يحكم ملء وتشغيل السد، رغم أن مصر تعتبر هذا السد -في حال عدم التوصل إلى اتفاق- تهديدًا وجوديًّا، نظرًا إلى تأثيره المحتمل على الأمن المائي المصري الذي يعاني بالفعل شُحًّا متزايدًا.

ترامب خلال اتصاله مع رئيس الوزراء السوداني

مفاوضات شاقة

وقد مرت المحادثات بين مصر والسودان وإثيوبيا بمراحل عدة عبر العقد المنصرم، تضمنت مئات اللقاءات على مختلف المستويات، والعديد من التقارير الفنية والجولات المتتابعة، ولكنها فشلت جميعًا في التوصل إلى أية اتفاقات بخلاف اتفاق إعلان المبادئ مع السودان وإثيوبيا في مارس/آذار 2015، والذي لا يعتبر اتفاقا نهائيًّا مُلزِمًا وإنما يوفر فقط إطارًا قانونيًّا لحكم عملية التفاوض حول ملء وتشغيل السد.

ورغم التوافق بين الدول الثلاث على العديد من القضايا في السنوات الأخيرة، فإن عددًا آخر من القضايا الهامة لا يزال معلقًا، بما في ذلك قواعد أمان السد ونظم تشغيله وملئه في أوقات الجفاف، وآلية فض النزاعات. وقد نجحت جهود الوساطة الأمريكية في الوصول إلى اتفاقية في فبراير/شباط 2020 لحسم هذه القضايا، وبعد قبول مصر وتوقيعها على الاتفاقية بالأحرف الأولى رفضتها إثيوبيا، وانسحبت من المفاوضات مع اتهام الولايات المتحدة بالتحيز لصالح مصر، في حين تحفظ السودان على الاتفاقية.

وقد أنهى هذا الانسحاب الإثيوبي من المفاوضات جهود الوساطة الأمريكية في تلك المرحلة، وزاد من التوتر بين مصر وإثيوبيا، ولكنه لم ينه التدخل الأمريكي لحل الأزمة. وبناءً على هذا التوقف توجهت مصر بطلب إلى مجلس الأمن في يونيو/حزيران 2020 مطالبةً بتدخله في أزمة السد في ضوء تعثر المفاوضات، إلا أن الاتحاد الإفريقي برئاسة جنوب إفريقيا بادر بدعوة الدول الثلاث للعودة للمفاوضات برعاية الاتحاد، وهو ما نقل الأمر برمته إلى عهدة الاتحاد؛ وقد شاركت الدول الثلاث منذ ذلك الحين في جولتين من المفاوضات، حضرهما مراقبون من الاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة. وكسابقتها من محاولات التسوية، واجهت المفاوضات مشكلات فنية وقانونية نظرًا إلى التعنت الإثيوبي، ما أدى إلى توقفها نهاية أغسطس/آب الماضي.

وكانت إثيوبيا قد أعلنت أنها عازمة على المضيّ قدمًا في ملء خزان السد، الذي تبلغ مساحته 74 مليار متر مكعب، بصرف النظر عن التوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان من عدمه. وقد نفّذت هذا بالفعل في يوليو/تموز الماضي تزامنًا مع موسم الأمطار الغزيرة، وهذا عبر احتجازها ما يقارب 5 مليارات متر مكعب من المياه، مُعلنة بذلك الانتهاء من أولى مراحل تعبئة خزان السد، وسط احتجاجات مصرية وسودانية.

ترامب خلال لقاءه ممثلي وفود مصر والسودان وإثيوبيا

تداعيات تصريحات ترامب الأخيرة

جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة، بخصوص احتمالية أن تفجر مصر سد النهضة، صادمة للعديد من المتابعين، وترتّب عليها تصاعد التوتر بين مصر وإثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة، وهو ما وصفه منتقدو ترامب بأنه أكبر فشل دبلوماسي لإدارة الرئيس ترامب في إفريقيا، مع العلم بأن من المتابعين كثيرين قد حذروا عبر السنوات الماضية من احتمالية تصاعد النزاع بين مصر وإثيوبيا إلى نزاع عسكري، خصوصًا في ظل تلميح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى احتمالية استخدام القوة العسكرية لوقف بناء السد، ثم إبداء إثيوبيا استعدادها للدخول في حرب للدفاع عن السد. ويبدو للبعض أن هذا التحذير بات أقرب للتحقق في ظل تصريحات ترامب الأخيرة.

ويشير الخبراء -بوضوح- إلى أن الوساطة الأمريكية بشأن السد فاقمت التوترات بين مصر وإثيوبيا، فقد شرعت إثيوبيا في زيادة تأمين منطقة السد بما يشمل حظر الطيران فوق الولاية التي يُبنى السد فيها. وتزامن ذلك مع تصريحات قادة عسكريين عن قدرة سلاح الجو الإثيوبي على حماية السد من أي هجوم عدائي، وكذلك إشارة تقارير عديدة إلى نشر إثيوبيا منظومة دفاع جوي متقدمة حول السد، لتأمينه ضد أية هجمات محتملة.

ورغم ذلك، فإن تصريحات ترامب الأخيرة تحمل أكثر من دلالة، ويمكن تأويلها بأكثر من معنى:

  • قد تكون هذه التصريحات أداة للضغط على إثيوبيا، للعدول عن موقفها الرافض للوصول إلى اتفاق ملزم قانونًا بخصوص ملء وتشغيل السد، فقد رفضت إثيوبيا على سبيل المثال تسمية الصك الذي يجري التفاوض بشأنه بـ”الاتفاق”، كما رفضت إدراج أية آلية ملزمة لحل النزاعات المستقبلية، واقترحت بدلاً من ذلك حل الخلافات من خلال التفاوض والوساطة.
  • قد تكون هذه التصريحات مناورة انتخابية للرئيس ترامب، بغية الوصول إلى انتصار دبلوماسي جديد وهو على أعتاب انتخابات رئاسية جديدة، لعل إثيوبيا تنصاع للضغوط الأمريكية للتوقيع على الاتفاقية التي رعتها الولايات المتحدة في فبراير/شباط الماضي، وهذا إذا ما فُهمت تصريحات ترامب بأنها تعطي ضوءًا أخضر لمصر كي تضرب السد. ويؤكد هذا المعنى اتفاقيات التطبيع العربية-الإسرائيلية الأخيرة التي تمت برعاية أمريكية، وكان هناك حرص شديد من الإدارة الأمريكية على الانتهاء منها قبيل الانتخابات الرئاسية، وتسويقها على اعتبارها انتصارًا تاريخيًّا لإدارة ترامب.
السيسي وأبي أحمد
  • إن منهج وتاريخ ترامب في عقد الاتفاقات أو “الصفقات” الخارجية يوفر لنا إطارًا نفهم من خلاله ما وراء التصريحات المعنية. فقد دأب ترامب على استخدام النفوذ الأمريكي والتهديدات لفرض رؤيته على الحلفاء والأعداء على السواء، وليس ببعيد علينا الربط التعسفي الذي فرضته الإدارة الأمريكية بين رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبين تطبيعها للعلاقات مع إسرائيل، رغم غياب أي وجه للارتباط بين الأمرين. لذا، يمكن أن تُفهم تصريحات ترامب على اعتبارها إنذارًا عقابيًّا لإثيوبيا على عدم امتثالها لرغبات واشنطن حتى الآن.

يبقى هنا القول بأن المفاوضات الأخيرة برعاية الاتحاد الإفريقي كانت قد توقفت نهاية أغسطس/آب الماضي بعد خلافات فنية وقانونية، ولكنها عادت للانعقاد من جديد يوم الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول الحالي بدعوة من رئيس الاتحاد الإفريقي، وهذا عقب أيام معدودة من تصريحات ترامب الأخيرة. ربما لا يوجد ارتباط مباشر بين تصريحات ترامب واستئناف المفاوضات بعدها بأيام، لكن بكل تأكيد سيكون لتلك التصريحات تأثير قوى في حرص الاتحاد الإفريقي على حل النزاع بالطرائق السلمية، وعلى نحو يُرضي جميع الأطراف، وكذلك على دفع إثيوبيا للقبول بخيار الاتفاق المُلزِم مع كلٍّ من مصر والسودان، وهو الخيار الذي طالما رفضته حتى وقت كتابة هذه السطور.

ترامب والرئيس السيسي

مستقبل الدور الأمريكي

في ضوء اتهام إثيوبيا لواشنطن بالتحيز لصالح مصر، وتعليق الإدارة الأمريكية لما يقدر بـ130 مليون دولار من المعونات المخصصة لإثيوبيا في سبتمبر/أيلول الماضي، وأخيرًا تصريحات الرئيس ترامب بخصوص احتمال توجيه مصر ضربة عسكرية إلى سد النهضة، وأن “عليهم (المصريين) أن يفعلوا شيئًا ما”، أضحت مصداقية الولايات المتحدة كوسيط محايد في حل هذا النزاع محل شك كبير.

وعلى الرغم من أن قرار الولايات المتحدة بتعليق المساعدات لإثيوبيا ليس بالأمر الهين بالنسبة إلى دولة منخفضة الدخل كإثيوبيا، فمن غير المرجح أن يُخفف هذا الضغط من موقف إثيوبيا في ما يتعلق بملء وتشغيل السد، والذي يُعلِّق عليه الإثيوبيون آمالاً عريضة في ما يتعلق بتوليد الكهرباء وقضايا التنمية الاقتصادية عمومًا.

ويمكن القول إنه في حال فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية، من المتوقع أن يواصل ضغطه على إثيوبيا من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي ملزم مع كلٍ من مصر والسودان، ليُسجل ذلك على اعتباره انتصارًا دبلوماسيًّا جديدًا لإدارته في مستهل فترة رئاسته الثانية. ولكن من المتوقع أيضًا أن يُقابَل هذا بمقاومة كبيرة من إثيوبيا، التي رفض مسؤلوها على مختلف المستويات تصريحات ترامب الأخيرة.

أما في حال فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، فيمكن أن يفتح هذا الباب أمام استئناف الولايات المتحدة للعب دور الوساطة بين أطراف النزاع، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار علاقة بايدن غير المستقرة بالنظام المصري، في مقابل العلاقة الوطيدة التي كانت تربط ترامب بمصر، يكون من المتوقع أن يقل مقدار دعم الولايات المتحدة للموقف المصري في المفاوضات، أو على الأقل أن يختفي ما وصفه بعض المعلقين بالتحيز الأمريكي لصالح مصر في هذه الأزمة.

صور من القمر الصناعي (Sentinel-1) تظهر توسعًا في مستويات المياه خلف سد النهضة

موقف الأطراف المتنازعة

وبصرف النظر عن قاطن البيت الأبيض بعد الانتخابات الأمريكية الحالية، فإن قدرة أي وسيط خارجي على تسوية هذا النزاع ستبقى رهنًا برغبة الأطراف في تقريب المواقف والوصول إلى حلول وسط، وهو الأمر المستبعد في ظل تأكيد إثيوبيا مرارًا وتكرارًا، رفضها الوصول إلى اتفاق ملزمة قانونًا، أو حتى لآلية ملزمة لفض النزاعات المستقبلية، لما يفرضه ذلك من حدود على قدرتها على إدارة سد النهضة في الأعوام المقبلة.

وأخيرًا، ففي ظل تصريحات إثيوبيا حول اعتزامها إنشاء عدد كبير من السدود في البلاد، للمساعدة في توليد الكهرباء والزراعة، وفي ظل غياب اتفاقية شاملة مُلزمة لتنظيم استخدامات النيل الأزرق في غير أغراض الملاحة، يبقى الصراع بين دول حوض النيل الأزرق عُرضة للتصعيد في أي وقت.

 

أحمد حمدون

باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى