صراع عاطفي وسياسي قديم

التصويت الأسطوري للغة الإنجليزية في الكونجرس 1795

في شهر إبريل/ نيسان من عام 1987م، كتب أحد قضاة الانتخابات من ولاية ميسوري إلى آن لاندرز(1) مُستشهِدًا بالمُقتَطَف التالي من “كُتيب الانتخابات المحلية” لتدعيم حُجة أن صوت كل شخص يصنع فارقًا: “في عام 1776م، أعطى صوتٌ واحد اللغة الإنجليزية لأمريكا بدلاً من اللغة الألمانية”. وهذا الكلام ليس صحيحًا بالمرة كما أسرع بالتوضيح العديد من قارئي “لاندرز” الأكثر انتباهًا، فالتصويت محل النقاش لم يحدث من الأساس. وعلى الرغم من ذلك، فقد صارت اللغة نقطة خلاف سياسية وعاطفية باكرًا منذ خمسينات القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك عندما بدأ المستوطِنون البريطانيون في ولاية بنسلفانيا يخافون ويستاؤون من حقيقة أن ثلث سكان الولاية من الناطقين بالألمانية.

انتشار الناطقين بالألمانية في الولايات المتحدة (إحصاء العام 2000م)

منذ ذلك الوقت، بدأ الأهلانيون (2) الأمريكيون في السعي للقضاء على لغات الأقليات وإعاقة وتثبيط ثنائية اللغة أينما وُجِدَت: في ولايات ماين ولويزيانا وكاليفورنيا ونيو ميكسيكو وهاواي وجزيرة بورتريكو، تمامًا كما يفعلون في ولاية بنسلفانيا. وصارت الشكاوى والاتهامات بشأن الألمان كما غيرهم من الناطقين بغير اللغة الإنجليزية أمرًا شائعًا أكثر من اللازم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي. وتكرَّر الأمر مرةً أخرى في أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، عندما عجَّل الخوف من المُهاجرين ولغاتهم تشريع قوانين حِمائية للُّغة الإنجليزية فقط. وقد اعتبر العديدُ من الأمريكيين أن المُتحدِّثين بغير الإنجليزية أقل من البشر: ففي العام 1904م، تحدَّث أحد رؤساء السكك الحديدية في جلسة استماع للكونجرس عن سوء المعاملة التي يتعرَّض لها العُمَّال المهاجرون، فقال “هؤلاء العُمَّال لا يُعانون.. إنهم حتى لا يتحدثون الإنجليزية”.

واليوم كذلك توجَد معارضة للحديث بغير الإنجليزية ولثنائية اللغة، هذه المرة ليس ضد الألمان بل ضد الأمريكيين الهسبانيك (ذوي الأصول الإسبانية –م) والآسيويين. والنتيجة هي تعديل اللغة الإنجليزية المُقتَرح ((ELA، وهو تعديلٌ دستوري يجعل من اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية في الولايات المتحدة.

ورغم المراجعة الأخيرة في عمود آن لاندرز الصحفي بشأن الأسطورة التي تقول إن اللغة الألمانية كادت يومًا ما تحل محل اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة، إلَّا أن الأمريكيين لم تكُن لهم أبدًا لغةً رسميةً بنحو قانوني. وما يُطلَق عليه تصويت اللغة الألمانية لم يحدث في العام 1776م، ولا علاقة لهذا التصويت بتصعيد اللغة الألمانية فوق الإنجليزية. وقد انتشرت تلك الأسطورة منذ خمسينات القرن التاسع عشر الميلادي على الأقل، وذلك على يد مُروِّجي الدعاية الذين كانوا يحتفلون بالإسهامات الألمانية في الثقافة الأمريكية.

ومنذ ذلك الوقت، تبنَّى تلك الأسطورة أولئك الذين يزعُمون أن اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة هي نوعٌ مُهدَّدٌ بالانقراض. وبين الفينة والأخرى، تصير قصة تصويت اللغة الألمانية مُحبَّبةً لداعمي تعديل اللغة الإنجليزية المُقترَح (ELA) لإظهار قوة المجموعات العِرْقية في تخريب وتدمير الوحدة الوطنية، ولتحذير الأمريكيين من أنه رغم انزواء تهديد اللغة الألمانية للُّغة الإنجليزية، ما زال تهديد اللغة الإسبانية قائمًا.

أمَّا الأحداث التي أدَّى سوء فهمها إلى بزوغ أسطورة تصويت اللغة الألمانية، فقد حدثت في العام 1795م، رغم أن هذا التاريخ تغير مرارًا إلى العام الأكثر حسمًا من وجهة النظر الوطنية وهو عام 1776م.(3) وكما هي الصفة المُميَّزة لأمثال تلك الحكايات، فإن ما حدث بالفعل ليس واضحًا تمامًا، أمَّا الواضح فهو أن الكونجرس لم يتدارس قط مسألة إحلال أي لغة أخرى محل اللغة الإنجليزية أو إعطاء أي لسان آخر مكانةً متساويةً مع اللغة الإنجليزية. وفي القرن الثامن عشر الميلادي، انتشرت إشاعات مفادها أن قلةً من الشوفينيين (4) المُناهِضين لبريطانيا قاموا بحملة لجعل الأمة الجديدة (يقصد: الولايات المتحدة –م) تتخلَّى عن اللغة الإنجليزية لصالح اللغة العبرية أو الفرنسية أو اليونانية. وتلك اللغات كانت تُعتَبر في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي لغات الرب والعقلانية والديمقراطية على الترتيب. إلَّا أن الرغبة في تأسيس “عدن الجديدة” كانت أكبر من الرغبة في تأسيس “بابل الجديدة”،(5) وتلك الرغبة هي التي ضمنت للولايات المتحدة وحدتها قانونيًّا واجتماعيًّا تحت راية لغة واحدة وهذه اللغة ستكون الإنجليزية. وقد سانَد نواه ويبستر لغةً إنجليزيةً فيدرالية لا تُخالطها أية لهجات، وتعتمد تلك اللغة على كتاب التهجئة الذي تولى تأليفه (وعلى لهجة نيو إنجلاند الخاصة به). وتنبَّأ جون آدامز بحق أن اللغة الإنجليزية ستصير لغة العالم الآخر! وحثَّ روجر شيرمان من ولاية كونيكتيكت الأمريكيين على استبقاء اللغة الإنجليزية وجَعْل البريطانيين يتحدثون اللغة اليونانية. ورغم الموقف الصلب للُّغة الإنجليزية في البداية أو طوال التاريخ الأمريكي، فإن أسطورة تصويت اللغة الألمانية بقيت مُستمِرَّة.

صحف ألمانية في الولايات المتحدة عام 1920م
تصويت اللغة الألمانية:

في الثالث عشر من يناير/ كانون الثاني، عام 1795م، تدارس الكونجرس اقتراحًا –ليس بإعطاء اللغة الألمانية أية مكانة رسمية– بل لمجرد طباعة القوانين الفيدرالية باللغة الألمانية كما تُطبَع بالإنجليزية. وفي أثناء النقاش، فشل اقتراح بتأجيل ذلك المشروع لمناقشته لاحقًا بفارق صوتٍ واحد، ورَفض التصويت النهائي –الذي تم لاحقًا بعد شهرٍ واحد– ترجمة القوانين الفيدرالية، ولم يُسجَّل ذلك التصويت. وقد نشأ اقتراح الترجمة هذا نفسه كعريضةٍ مُقدَّمة إلى الكونجرس في العشرين من مارس/ آذار عام 1794م، من مجموعة من الألمان يعيشون في مدينة أوجوستا بولاية فرجينيا. وقد استجابت لجنة فرعية بالكونجرس لهذه العريضة، وأوصت بنشر مجموعات التشريعات الفيدرالية باللغة الإنجليزية وتوزيعها على الولايات، جنبًا إلى جنب مع نشر 3 آلاف مجموعة من القوانين باللغة الألمانية، “من أجل راحة أمثال هؤلاء المواطنين الألمان المُنتَمين إلى الولايات المتحدة، نظرًا إلى كونهم لا يفهمون اللغة الإنجليزية”. وطبقًا لتقرير موجز نشرته جريدة “أورورا” وقتها: “اقتُرِح عدد ضخم من المشاريع والبرامج، إلَّا أن أيًّا منها يبدو أنه لم يُلامس الحس العام للمجلس”.

وفشل تصويتٌ للتوصية بتأجيل المشروع وانعقاد جلسة أخرى لمناقشته بنتيجة 42 صوتًا مقابل 41، إلَّا أنه لا يوجد سببٌ للاعتقاد بوجود شيءٍ ما من هذه النتيجة المُتقارِبة للتصويت أكثر من وجود دعمٍ رمزيٍّ لنشر القوانين باللُّغة الألمانية. ويبدو أن التصويت للتأجيل قد فسَّره المجلس بأنه تصويتٌ بعدم الثقة بتوصية اللجنة الفرعية بترجمة القوانين، وبتوصيتها في توزيع مجموعات القوانين بمجرد طبعها باللغة الإنجليزية. وفيما لا يوجد سجل عن النقاش الذي دار حول بند الترجمة وتوفيرها ذلك اليوم، فإنه إذا كان في الكونجرس تعاطف أو ميل تجاه هذا الموضوع مثل نظيره في بنسلفانيا، فإن معارضة الترجمة كانت على الأرجح من غالبية النواب الكاسحة.

من جهة أخرى، أثارت خطة اللجنة لتوزيع مجموعات القوانين نوعًا من الرفض القوي داخل المجلس. فبعد ارتفاع أصوات الاعتراضات على تلك اللجنة، تشكلت لجنة جديدة وطُلِب منها تقديم تقريرٍ جديد، ووافق المجلس على التأجيل. ومن ذلك التصويت المُؤقَّت مُتقارِب النتيجة –ليس على مشروع القانون الفعلي بل على التأجيل– نشأت أسطورة “تصويت اللغة الألمانية”.

بعد مرور شهر، وفي السادس عشر من فبراير/ شباط عام 1795م، تدارس المجلس مرةً أخرى مسألة إصدار القوانين. ومرةً أخرى، كانت ترجمة التشريعات الفيدرالية إلى اللغة الألمانية من بين الأمور التي ناقشها المجلس. وهذه المرة حفظ المجلس جزءًا من النقاش الفعلي الذي حدث. فقد جادل النائب توماس هارتلي من ولاية بنسلفانيا بأنه “ربما كان من المُستَحَبّ أن يتعلَّم الألمان الإنجليزية، لكن إن كان هدفنا هو إعطاء معلومات آنية، فينبغي علينا فعل ذلك بِلُغةٍ مفهومة. والألمان المُتقدِّمون في السن لا يستطيعون تعلُّم لغتنا في يوم، وسيكون من سخاء الحكومة أن تُعلِّم هؤلاء الناس. فالعديد من الرجال المُخلِصين المُشارِكين في الاضطرابات الأخيرة [تمرُّد الويسكي](6)، غرَّر بهم سوء الفهم؛ لقد جعلهم الجهل بالقوانين عُرْضةً للخداع”.

أمَّا النائب ويليام فِ. موراي من ولاية ميريلاند –الذي عارَض ترجمة القوانين إلى الألمانية– فقد ردَّ بأن “العادة في إنجلترا لم تكُن قط ترجمة القوانين إلى اللغة الويلزية أو الغالِيَّة (نسبةً إلى بلاد الغال، وهي أسكتلندا وويلز وأجزاء من إيرلندا حاليًّا –م) رغم أن عددًا ضخمًا من الويلزيين، ونحو مئات الآلاف من سكان أسكتلندا، لم يكونوا يفهمون كلمةً إنجليزيةً واحدة”. وأخيرًا، أَقَرَّ المجلس نشر التشريعات الحالية والمستقبلية باللغة الإنجليزية فقط. ووافق مجلس الشيوخ على مشروع القانون، ووقع الرئيس “واشنطن” عليه في الشهر التالي.

يُعرَف تصويت شهر يناير/ كانون الثاني على التأجيل أحيانًا باسم “نصويت مولينبرج”، نسبةً إلى المُتحدِّث باسم نواب المجلس، نائب بنسلفانيا فردريك أغسطس مولينبرج. وقد كان مُؤيِّدًا للنظام الفيدرالي ويتحدث الألمانية بصعوبة، هكذا كان يُقال عنه. وكان على أية حال عضوًا في عائلة ألمانية مُندَمِجة، فضَّلَت الإنجليزية كلغة للتعلُّم وممارسة الطقوس الدينية. وعلى الرغم من أن نظام التصويت بنداء الأسماء (7) لم يدُم طويلاً، كان التقليد يقضي بنزول مولينبرج عن كرسيه، ليُلقي بنتيجة التصويت السلبية الحاسمة. وبذلك حُكِم على اللغة الألمانية بأن يكون وضعها في أمريكا كلغة أقلية. وعلى الرغم من التقاليد والأعراف، فلا يجب إعطاء وزنٍ أضخم من اللازم لحقيقة أن المُتحدِّث لم يكُن على كرسيه في هذه المناسبة، فقد كان شائعًا أن ينزل المُتحدِّث عن كرسيه، وقد فعل مولينبرج ذلك في عديد المناسبات في أثناء انعقاد الكونجرس الثالث. وحتى لو كانت نتيجة التصويت إيجابية على موضوع التأجيل، فإن ذلك لم يكُن ليؤدِّي إلى إقرار الترجمات الألمانية للقوانين، فقد رفض الكونجرس هذا الامتياز مرارًا وتكرارًا منذ ذلك الوقت.

ومع ذلك، فقد ألقَى فرانتس لير باللائمة على مولينبرج لخيانته مصالح اللغة الألمانية. وقدَّم “لير” في كتابه المنشور عام 1847م المُسمَّى “تاريخ وإنجازات الألمان في أمريكا” فكرةً مُشوَّشة تعيد وتُكرِّر اقتباس وصفٍ لما كان ينبغي أن يحدث. ووضع “لير” تصويت اللغة الحاسم هذا ليس في الكونجرس الأمريكي، بل في مجلس ولاية بنسلفانيا التشريعي الذي ترأَّسه مولينبرج من قبل. ولا يوجد دليل على آراء مولينبرج الفعلية بشأن النشر باللغة الألمانية، ولا يوجد دليل على أن صوته كان الصوت الحاسم في ذلك الأمر، ولاتوجد دلالة مُعاصِرة على أن الجماعة الألمانية في أمريكا كانت مُستاءة من إشرافه وترؤسه للكونجرس الثالث. رغم ذلك، فقد نجح مولينبرج في إزعاج وإغضاب ناخبيه الألمان بإلقائه الصوت الحاسم لمصلحة معاهدة “جاي”(8) في أثناء انعقاد الكونجرس الرابع، ما دفع بصهره لطعنه بسكين، وكلَّفته تلك البادرة الانتخابات التالية في العام 1796م. ولعل اختلاط الأذهان في توصيف هذا الرجل المُهم ككاسر للتعادل بعد أن كان قبلاً بطل تصويت التأجيل، هو ما جسَّد بنحو ملائم أسطورة تصويت اللغة الألمانية.

منشور أمريكي في أثناء الحرب العالمية الثانية يحض على التوقُّف عن الحديث بالألمانية والإيطالية واليابانية !
الإنجليزية الرسمية قديمًا وحديثًا:

يتشكَّك المُعارِضون لجعل اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية للولايات المتحدة كثيرًا، بأن المُدافعين عن الإنجليزية وفقط ليست المثالية السياسية هي دافعهم الوحيد، ويُبرِّر هذا التشكُّك بالتأكيد السجل التاريخي. فطوال القرنيْن الماضييْن، نادَى أنصار الإنجليزية وفقط بموضوعيْن مُنفصِليْن، أحدهما عقلاني ووطني، أمَّا الآخر فعاطفي وعنصري. فقد كان المُعتَقد التنويري بأن اللغة والأمة متشابكان تشابكًا لا تنفصم عُراه، مصحوبًا بالفكرة الشوفينية القائلة بأن الإنجليزية هي لغة تناسب المجتمعات المُشكَّلَة ديمقراطيًّا بنحو خاص، كافييْن لإقناع العديد من الأمريكيين الذين وجدوا أن التمييز على أسسٍ غير لغوية أمرًا مُستَهجَنًا بالكلية. الأمر الأكثر وضوحًا عبر التاريخ الأمريكي، هو أن هجمات الأهلانيين كانت على لغات الأقلية والمُتحدِّثين بها: الأمريكيين الأصليين، الآسيويين، الفرنسيين، الألمان، اليهود، وذوي الأصول الأسبانية. وقد ذكرنا فقط المجموعات التي استُهدِفت بقدر أكبر.

استخدم الأهلانيون أنصار الإنجليزية وفقط الذين هاجموا الألمان، حججًا مُشابِهة للَّتي نسمعها هذه الأيام ضد المُهاجِرين الجُدُد. فقد اعتبر بنجامين فرانكلين ألمان بنسلفانيا مجموعةً عرقيةً “داكنة اللون، مُتميِّزة عن الغالبية الإنجليزية في المستعمرة”. وفي العام 1751م، تذمَّر من أنه “لماذا يجب على الفلَّاحين الألمان الفقراء المعاناة بالاحتشاد والتجمُّع داخل مُستوطناتنا، وهم يُؤسِّسون بتجمُّعهم هذا للغتهم وعاداتهم على حساب استبعاد لغتنا وعاداتنا؟ لماذا يجب على بنسلفانيا –التي أسَّسها الإنجليز– أن تصير مُستعمرةً للأغراب، الذين سيصيرون قريبًا كثيرين جدًّا فيستطيعون “أَلْمَنَتِنا” بدلاً من أن “نُؤَنْجِلَهم” نحن، ولن يتبنوا أبدًا لغتنا وعاداتنا أكثر من استطاعتهم أن يكتسبوا لون بشرتنا!”

وقد اتُّهِم الألمان من إنجليز القرن الثامن عشر الآخرين بالكسل، والأُمِيَّة، والعشائرية، وعدم الرغبة في الاندماج، والخصوبة الزائدة، والكاثوليكية! بل لقد لاموهم على فصول الشتاء القاسية التي مرَّت بها بنسلفانيا! ولعل أكثر ما سبَّب انزعاج إنجليز بنسلفانيا الأوائل في أواخر القرن الثامن عشر، الولاء للُّغة الألمانية، مع أنه كان واضحًا –رغم مجهودات الجماعة الألمانية في الحفاظ على لغتها– أن الألمان تبنُّوا اللغة الإنجليزية وهجروا الألمانية بمعدل كان ينبغي أن يُبهِر بقية السكان الناطقين بالإنجليزية.

وانتشرت المشاعر المُناهضة للُّغة الألمانية طوال هجرة الألمان إلى الولايات المتحدة، وقاومت الأمة الأمريكية ككُّل كُلاً من المدارس الألمانية ثنائية اللغة التي تأسَّست في أجزاء من الغرب الأوسط في القرن التاسع عشر الميلادي، والممارسة العامة بنشر الإشعارات القانونية باللغة الألمانية في الصحف الألمانية الأمريكية. وفي عددٍ من المناسبات، رفض كونجرس الولايات المتحدة مُجدَّدًا مُقترَحات لطباعة القوانين أو الوثائق الأخرى باللغة الألمانية كما تُطبَع بالإنجليزية. وقد جاء التعامُل مع تلك المُقترحات غالبًا بخفةٍ وتهريج، وكان يجري إسكات المُتحدِّثين بصرخات عنصرية من نوعية: “ماذا! بِلُغة الشيروكي؟ [و] بِلُغة الكونغو القديمة؟”

فريدريك مولينبرج

عادت العداوة تجاه الألمان ولغتهم للظهور في الغرب الأوسط أواخر ثمانينات وأوائل تسعينات القرن التاسع عشر، وعاودت الظهور عبر البلاد مُجدَّدًا في أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى. فبين عاميْ 1917 و1922م، أَسْقَطَت غالبية الولايات اللغة الألمانية من مناهجها الدراسية، وحظر قانون “نبراسكا” للاجتماعات المفتوحة استخدام اللغات الأجنبية في العَلَن. وفي العام 1918م، طالَب “هاردينج” حاكم ولاية أيوا بالتالي: “يجب أن تكون اللغة الإنجليزية هي الوسيط الوحيد لإعطاء الإرشادات في المدارس العامة، والخاصة، والمدارس الدينية وما يشابهها. كما يجب أن يكون الحديث في الأماكن العامة، والقطارات، وعبر الهاتف باللُّغة الإنجليزية. فلنَدَعْ أولئك الذين لا يستطيعون الحديث بالإنجليزية أو فهمها يُمارسون طقوسهم الدينية في منازلهم”. وقد كان لمثل هذا السلوك تأثيرًا مُريعًا في استخدام اللُّغة، فقد تم اتهام عددٌ يُقارِب الثمانية عشر ألف شخص بانتهاك تشريعات وقوانين الإنجليزية وفقط بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرةً.

وفي العام 1923م، أعلنت المحكمة الأمريكية العليا عدم دستورية القوانين المُناهِضة للمدارس الألمانية. وفي قضية “ماير” ضد نبراسكا، حكمت المحكمة بأن “الحماية الدستورية تشمل الجميع… وهي تشمل أولئك الذين يتحدثون لغاتٍ أخرى، كما تشمل أولئك الذين وُلِدوا يتحدثون الإنجليزية”. وقد أَبْطَلت المحكمة كذلك قوانين مُشابهة مُعادية للُّغة اليابانية في قضية “فارينجتون” ضد “توكوشيجي” في العام 1927م. وأكَّدَت المحكمة العليا مُجدَّدًا مسؤولية الولايات عن تعليم الغير ناطقين بالإنجليزية بنحو فعَّال في قضية “لاو” ضد “نيكولس” عام 1974م، رغم أن المحكمة لم تُحدِّد كيفية تحقيق هذا الأمر.

وعلى الرغم من ذلك، ظلَّ الأمريكيون مُنزعِجين من اللغات الأجنبية والمُتحدِّثين بها، رغم أن إحصاء الولايات المتحدة لعام 1980م أَظْهَر أن أكثر من 97 بالمئة من سكان أمريكا يتحدَّثون الإنجليزية. ويبدو أن مخاوف الأهلانيين بشأن أمن اللغة الإنجليزية ظلَّ أقوى مِمَّا كان من قبل، فتم تقديم تعديل اللغة الإنجليزية (ELA) أمام الكونجرس منذ العام 1981م، ومرَّرت ولاية كاليفورنيا قانونًا خاصًّا بالإنجليزية الرسمية في العام 1986م، وهي السنة التي تدارست فيها 37 ولاية تدابيرَ خاصة باللغة الرسمية. وفي العام 1989م، مرَّرت ولايات أريزونا وكولورادو وفلوريدا قوانين الإنجليزية وفقط، وكانت هناك تصويتات على الموضوع ذاته في ولايات ماساشوستس وأوهايو وبنسلفانيا في المستقبل القريب. وتتجسَّد اليوم محاولات إيقاف استخدام اللغات الآسيوية واللغة الإسبانية في الولايات المتحدة في: استفتاءات الولايات للُّغة الرسمية، وفي المراسيم المحلية التي تُوصي باستخدام الأبجدية الرومانية على اللوحات الإعلانية أو تحظر على المكتبات العامة بيع الكتب المنشورة بِلُغة غير الإنجليزية، وفي اللوائح التي تطلب من المُوَّظفين استخدام اللغة الإنجليزية في الوظيفة وفي أثناء فترات الراحة أو تلك التي تُرغِم أطفال المدارس على استخدام اللغة الإنجليزية في حافلات المدرسة وفي الفصول المدرسية كذلك.

تُعَّد اللغة الإنجليزية الرسمية قضيةً عاطفيةً بالنسبة إلى كثيرٍ من الناس، وهي تتضمَّن أسئلةً عن الوطنية، وبنفس القدر أسئلةً عن العنصرية والولاء للُّغة والاندماج. وقد كاد المُؤيِّدون والمُعارِضون لتعديل اللُّغة الإنجليزية (ELA) يشتبكون بالأيدي في أثناء مناقشة الموضوع في برنامج “دوناهو” الحواري التلفازي (9) في ميامي منذ أعوامٍ قليلة. وزاد من تعقيد المسألة، صعوبة أو استحالة فرض تشريع للُّغة بالقوة، على الأقل في الولايات المتحدة.

ففي العام 1906م، أمر الرئيس ثيودور روزفلت الحكومة الفيدرالية بتبنِّي تهجئة مُبسَّطة في منشوراتها الرسمية، وقد ولَّدت هذه الخطوة الكثير الكثير من المقاومة لها حتى إن “روزفلت” اضطُّر إلى سحب أمره هذا بهدوء.

وقد أقرَّ دستور ولاية نيو مكسيكو اللغة الإنجليزية لغةً رسمية جديدة للولاية، ثم استُدرِك ذلك بإقرار وسائل الاقتراع ثنائية اللغة. وجعل قانون ولاية إيلينوي الصادر عام 1923م من “الأمريكية” وليس “الإنجليزية” لغةً رسميةً لتلك الولاية، ثم تعدل بهدوء عام 1969م لأن سكان ولاية إيلينوي استمروا في الحديث والتدريس باللغة الإنجليزية مُعبِّرين عن نوع من أنواع التحدِّي أو الجهل حيال هذا القانون. وقد يُبرهِن تعديل اللغة الإنجليزية –حال تمريره وإقراره– على كونه أمرًا رمزيًّا أكثر من كونه قانونًا مُلزِمًا، رغم خشية الكثيرين من أن يصير أداةً خطيرةً للقمع اللغوي والثقافي.

على أية حال، ورغم كل شيء، فيبدو أن تعديل اللغة الإنجليزية (ELA) هو محاولة أخيرة –وبالنسبة إلى بعض المُراقِبين محاولة مجنونة– للتعويض عن الإذلال الملموس في العام 1795م، عندما كانت اللغة الإنجليزية –كما يُقال– على بُعْد شعرة من خسارة مكانتها كلُغةِ رسمية للولايات المتحدة الأمريكية، في تصويتٍ لم يحدث في الحقيقة قط!

هوامش المُترجِم:

1- آن لاندرز (1918- 2002م): هو الاسم المُستعار الذي اتخذته كاتبة العمود الأمريكية إيستر باولين ليدرَر، أو بالاختصار إيبي ليدرَر، بدأت في كتابة عمودها الصحفي “اسأل آن لاندرز” عام 1955م واستمر لمدة 47 عامًا، اختيرت في استفتاء عام 1978م كأكثر النساء تأثيرًا في الولايات المتحدة.

2- الأهلانية: هي نهج سياسي يقوم على حماية مصالح أهل البلاد الأصليين وتقديمها على مصالح المهاجرين. في الدراسات العلمية، تُعَّد الأهلانية مصطلحًا تقنيًّا، لكن أولئك الذين يحملون هذه النظرة السياسية، لا يَقبلون عادةً بهذه التسمية.

3- عام 1776م هو العام الذي أُعلن فيه عن استقلال الولايات المتحدة، وبدأت فيه حرب الاستقلال الأمريكية التي انتهت عام 1783م.

4- الشوفينية: هي الاعتقاد المُغالي والتعصُّب للوطن والقومية والعنجهية في التعامل مع خلافه، وتُعبِّر عن غياب رزانة العقل والاستحكام في التحزُّب لمجموعة ينتمي إليها الشخص والتفاني في التحيُّز لها. ويُنسَب اللفظ إلى الجندي الفرنسي “نيكولا شوفان”.

5- أي إن الرغبة في تأسيس مجتمع مثالي كانت تغلب الرغبة في إنشاء مجتمع كوزموبوليتاني متنوِّع اللغات والأعراق.

6- تمرُّد الويسكي: أو “عصيان الويسكي”، هو احتجاج على الضرائب حدث في الولايات المتحدة ابتداءً من عام 1791 خلال رئاسة جورج واشنطن. وكانت “ضريبة الويسكي” أول ضريبة تفرضها الحكومة الاتحادية التي تشكَّلت حديثًا على المُنتَج المحلي. وقد صارت الضريبة قانونًا في عام 1791، وكانت تهدف لجمع الإيرادات لدفع ديون الحرب التي تكبَّدتها خلال حرب الاستقلال. وصلت المقاومة إلى ذروتها في يوليو/ تموز 1794، عندما وصل المارشالات الأمريكيون إلى المنطقة لتقديم الأوامر القضائية لمُقطِّري الكحول الذين لم يدفعوا المكوس. وهاجم أكثر من 500 رجل مسلح المنزل المُحصَّن الخاص بالمفتش الضريبي والجنرال جون نيفيل. انطلق واشنطن بنفسه على رأس جيش لقمع التمرُّد مع 13 ألف رجل من رجال الميليشيات، وعاد المتمرِّدون إلى منازلهم قبل وصول الجيش، ولم تكن هناك مواجهات. وأُلقِي القبض على نحو 20 رجلاً، ولكن جرت تبرئتهم أو العفو عنهم جميعًا. وأظهر “تمرُّد الويسكي” أن الحكومة الوطنية الجديدة لديها الإرادة والقدرة على قمع المقاومة العنيفة لقوانينها.

7- التصويت بنداء الأسماء: نظامٌ للتصويت في النظام التشريعي الأمريكي، يقضي بأن يُصوِّت كل نائب بـ”نعم” أو “لا” عند ينطق الحاجب باسمه، وتُسجَّل الأصوات لمعرفة النتيجة النهائية. ويُمكِن طلب هذا النظام للتصويت طبقًا للدستور إذا طلبه خُمس الحاضرين بحد أدنى 11 نائبًا.

8- معاهدة جاي: وُقِّعت عام 1794 وحلَّت النزاعات بين الولايات المتحدة وبريطانيا بعد نهاية الثورة الأمريكية، وكان جون جاي رئيس القضاء الأمريكي قد رتَّب لهذه الاتفاقية في لندن. وقَّع ممثلو بريطانيا وأمريكا اتفاقية “جاي” في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1794، وصدَّق جورج واشنطن عليها في أغسطس/ آب عام 1795م.

9- دوناهو: برنامج حواري تلفازي أمريكي قدَّمه فيل دوناهو واستمر لمدة 26 عامًا على التلفاز الوطنى، وقد عُرِض بين عاميْ 1970 و1996م. وقد عاد البرنامج لفترة وجيزة بين عامي 2002 و2003م قبل أن يتوقَّف نهائيًّا.

مراجع البحث:

1- American State Papers 1834. Washington, D.C. ser. 10, v. 1:114.

2- Ann Landers. 1987. Your one vote can be important. Los Angeles Times (April 7).

3- Annals of Congress 1849. Washington, D.C. 4:122829.

4- Aurora Gazette 1795 (22 January), p. 3.

5- Baron, Dennis. 1990. The English-Only question: An official language for Americans? New Haven: Yale Univ. Press.

6- _______________. 1982. Grammar and good taste: Reforming the American language. New Haven: Yale Univ. Press.

7- Congressional Globe 1844, 7.

8- Crawford, James. 1989. Bilingual education: History, politics, theory, and practice. Trenton, N.J.: Crane Publishing.

9- Dorpalen, Andreas. 1942. The German Element in Early Pennsylvania Politics, 1789-1800: A Study in Americanization. Pennsylvania History 9:178.

10- Feer, Robert A. 1952. Official use of the German language in Pennsylvania. Pennsylvania Magazine of History and Biography 76:394-405.

11- Franklin, Benjamin. 1959. The papers of Benjamin Franklin. Ed. Leonard W. Labaree. New Haven: Yale Univ. Press 4:234.

12- Lher, Franz. 1847. Geschichte und Zustnde der Deutschen in Amerika. Cincinnati.

13- Mittelberger, Gottlieb. 1898. Journey to Pennsylvania in the year 1750 and return to Germany in the year 1754. Trans. Carl T. Eben, Philadelphia.

14- Shanahan, Daniel. 1989. We need a nationwide effort to encourage, enhance, and expand our students’ proficiency in languages. Chronicle of Higher Education 21 May, p. A40.

15- Waggoner, Dorothy. 1988. Language minorities in the United States in the 1980s: The evidence from the 1980 census. In Language diversity: Problem or resource?, ed. Sandra Lee McKay and Sau-ling Cynthia Wong. New York.: Newbury House. Pp. 69-108

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أمير عثمان

مترجم مصري

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram