صراع في "الجماعة"

خلافة "عزت" تُفجر موسم الشقاق الإخواني

على مدار 7 سنوات من التيه الإخواني منذ حراك يونيو الشعبي في عام 2013، والقبض على قيادات التنظيم الإرهابي؛ لا يكاد الصراع بين القيادات الهاربة يتوقف، لتبدو صورة الإخوان دائمًا كحرب مماليك على الولاء والثروة وأحلام تصدر المشهد.

نعم.. لقد استقرت الأجواء قليلًا لصالح “محمود عزت”، القائم بأعمال المرشد، ومن خلفه “محمود حسين”، الأمين العام للإخوان، و”إبراهيم منير”، نائب المرشد، بعد صراعهم لمدة عامين مع جبهة شباب الجماعة، لكن نار الصراع لم تنطفئ أبدًا؛ بل كانت تنتظر لتعود إلى السطح مرة أخرى بعد إلقاء قوات الأمن القبض على “عزت” في 28 أغسطس الماضي.

محمود عزت

تتجدد كل فترة أزمة “الشرعية” في التنظيم، لتعيدنا إلى السخرية التي راجت عن هذا المصطلح على الفضاء الإلكتروني عقب الإطاحة بـ”مرسي”، لكنها هذه المرة انفجرت في وجه الرجلين القويين في التنظيم (منير، وحسين) اللذين استفادا من وجود “محمود عزت” في مخبئه داخل مصر منذ 2013، إذ تقاسما إدارة التنظيم، فسيطر “حسين” على القيادة الإدارية والتنظيمية، وكان الرجل الأول في اتخاذ قرارات الجماعة من تركيا، فيما أمسك “منير” بخزينة أموال الإخوان، مسيطرًا على مواردها المالية عبر رئاسته لـ”رابطة إخوان الخارج“، التي تتولى ما يمكن تسميته بـ”الجباية” وجمع مقابل اشتراكات وتبرعات وأرباح شركات تملكها الجماعة، فضلًا عن موارد أخرى.

السجن الذي ضمّ “عزت” أطلق حرية وأحلام إبراهيم منير (83 عامًا)، ومحمود حسين (73 عامًا)، ليحاولا التهام تفاحة الجماعة، وتهيّأ لهما ذلك أولًا بإقصاء “جبهة الشباب“، المنشقة عن التنظيم.

"حرب اللائحة" بين "منير" و"حسين"

ولأن كلا الرجلين، منير وحسين، رأى في نفسه صاحب حق في قيادة التنظيم، بحسب مصادر، فقد انتقل الصراع بينهما إلى منطقة أخرى. فإبراهيم منير هو نائب المرشد، وبالتالي فمن وجهة نظره أن إدارته للتنظيم كقائم بأعمال المرشد هو حقه الأصيل، بينما محمود حسين الأمين العام للتنظيم هو الوحيد الذي تم انتخابه عضوًا بمكتب الإرشاد، ما يعني بالنسبة له أنه أجدر بالقيادة.

إبراهيم منير ومحمود حسين

ابتدأت الحلقة الأولى من الصراع العلوي بين الرجلين خلال الأسبوع الماضي بعقد اجتماع لمجلس شورى الإخوان في تركيا تحت إدارة محمود حسين، وضم الاجتماع 14 عضوًا من مجلس شورى الإخوان، الذي يتكون من 108 أعضاء، غالبيتهم إما في السجون أو ماتوا خلال سنوات التيه أو مقاطعون للاجتماعات بسبب صعوبة التواصل من داخل مصر أو تحول ولائهم لجبهة الشباب.

كان اجتماع تركيا ذاك مخصصًا لمناقشة أمور تنظيمية فرضها القبض على “عزت”، لكن الحاضرين فوجئوا بوجود بند على جدول أعمال الاجتماع أضيف دون علمهم به مسبقًا، وهو الدعوة للتصويت على اختيار محمود حسين قائمًا بأعمال المرشد بدلًا من إبراهيم منير، الذي كان مقررًا انتقال المنصب إليه بما يعرف بالتراتبية، التي تقضي بأن نائب المرشد يتولى منصب مرشد الجماعة حال سجنه أو عدم قدرته على الإدارة.

عن حقه في منصب القائم بأعمال المرشد تحدث محمود حسين للمجتمعين، فهو الوحيد المنتخب بمكتب الإرشاد، بينما إبراهيم منير تم تعيينه في منصب نائب المرشد ولم ينتخبه أحد، بل لم يكن عضوًا بمكتب الإرشاد من الأساس، وعُيّن بقرار محمود عزت مخالفة للائحة، إذ ليس منطقيًّا أن يعين نائب المرشد نائبًا آخر على درجته نفسها، ولذلك فوجود “منير” في مكتب الإرشاد وتوليه منصب النائب ثم القائم بالأعمال هو أمر مخالف للائحة الإخوان الداخلية.

ضغط “حسين” على الحاضرين للتصويت على قرار تعيينه قائمًا بأعمال المرشد، لكن غالبية الأصوات حطمت أحلامه برفض تعيينه.

آخر مكتب إرشاد للإخوان

على الجانب الآخر من الصراع، استاء إبراهيم منير من القفزة التي أرادها “حسين” لنفسه، فقد جرى الاتفاق على إسناد منصب القائم بأعمال المرشد له من قبل، لذا فقد قرر الانتقام من تلك الخطوة والإطاحة بمحمود حسين ككل من منصبه وإحكام سيطرته على الجماعة منفردًا، وبدأ مساعدوه في التنقيب عن طريقة لإخراج سيناريو الإطاحة بـ”حسين”، لكن أزمة انتخاب الأخير في مكتب الإرشاد وقفت عائقًا أمام خطة التخلص من أحلام المنافس، حتى ظهرت أخيرًا المادة 39، التي تم إلغاؤها في 2012، وكانت تنص على وجود منصب الأمين العام للجماعة بعد منصب النائب، الذي يشغله ثلاثة من مكتب الإرشاد، وبإلغائها في ذلك العام لم يعد هناك وجود لمنصب الأمين العام.

"شورى الجماعة".. ساحة الصفعات المتبادلة
محمود غزلان

كان محمود غزلان آخر من شغل منصب الأمين العام للجماعة، وكان التوصيف الحقيقي لمنصب محمود حسين هو أمين عام مكتب الإرشاد، ودوره تنسيقي بين الأعضاء وليس أمين عام الجماعة، الذي يعد دورًا قياديًّا داخلها. وبناء عليه، كما يقول سيناريو الإطاحة، يصبح محمود حسين مجرد عضو وحيد بمكتب الإرشاد، منصبه هو التنسيق بين أعضاء غير موجودين، فلا قيمة لمنصبه ولا تسميته الملغاة، ما يعني أن “حسين” كان منتحلًا صفة داخل التنظيم طوال الأعوام الماضية، وهو المعنى الذي صاغه “منير” في بيان لقيادات مجلس شورى الإخوان، مقررًا خروج محمود حسين لعدم وجود هيكل تنظيمي لمكتب الإرشاد بعد تغييب جميع أعضائه باستثنائه هو، ليتفرد “منير” بقيادة التنظيم على أن يشكل لجنة لإدارة شئون الإخوان، يكون “حسين” مجرد عضو فيها، بالإضافة إلى إلغاء منصبه الذي تمتع به طوال السنوات الماضية.

وبدأ “منير” تشكيل لجنة لإدارة الإخوان من خمسة أعضاء برئاسته، يكون محمود حسين عضوًا بها، كما تضم شخصية تلقى قبولًا داخل الإخوان، وهو حلمي الجزار، عضو مجلس شورى الجماعة، الذي هرب إلى السودان ووصل إلى تركيا مطلع العام الماضي.

ولكسب مزيدٍ من الشرعية، تواصل “منير” مع قيادات بجبهة الشباب، متعهدًا لهم بتشكيل لجنة إدارية من ثلاثة أعضاء آخرين بالإضافة للجزار وحسين، تكون لديهم توجهات وسطية ومن التيار العام للجماعة، غير المحسوبين على أي جبهة، وسرّب “منير” خبر إلغاء منصب الأمين العام للإخوان وتشكيل لجنة لإدارة التنظيم مع احتفاظه بمنصب القائم بأعمال المرشد لموقع “عربي 21” المقرب من “منير” والمملوك لقطر، ثم لشبكة “رصد” الأكثر انتشارًا منه، ليقطع الطريق على أي ترتيبات محتملة لـ”حسين” بعد فشل محاولته السيطرة على الجماعة.

طلعت فهمي

ولمحاولة إنقاذ أحلامه، أمر “حسين” المتحدث باسم الجماعة طلعت فهمي، الموالي له، بالحديث إلى قناة “وطن”، التي يرأس مجلس إدارتها، لينفي خبر إلغاء منصبه أو تشكيل لجان لإدارة الجماعة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الوساطات بين الجانبين المتكالبين عبر تدخل أعضاء بمجلس الشورى العام للإخوان، والتي رفضها كلها إبراهيم منير، ليحاول أعضاء شورى الجماعة مرة أخرى إسناد منصب رئيس لجنة إدرة الإخوان لمحمود حسين، ليشغل مكانة الرجل الثاني في الجماعة حفظًا لماء وجهه، مطالبين بتأجيل إعلان قرار تشكيل تلك اللجنة وترك بعض الوقت لدراسة الأعضاء الآخرين بها، ومنصب محمود حسين داخلها، ما أرجأ الإعلان عن اللجنة، التي يصر “منير” على إنجازها خلال أيام.

وتزامن الصراع العلوي مع تباين آراء ومواقف قيادات الجبهة الشبابية المعارضة داخل الجماعة إزاء قرار إقصاء “حسين”، فقد رحب جمال حشمت، القيادي بالجماعة، وأحمد رامي، المتحدث السابق باسم حزب الحرية والعدالة المنحل بقرار قضائي في 2014، ويحيى حامد وزير الاستثمار السابق بحكومة الإخوان وآخرون، بالإطاحة بالأمين العام، ورأوها “خطوة في طريق إعادة لحمة الجماعة”، خاصة أن لجنة الإدارة الجديدة ستتشكل من أعضاء يتمتعون بقبول من الإخوان، كما رأوها خطوة للتخلص من سيطرة محمود حسين على الجماعة عبر إقالته معارضيه، ما يعني اعترافًا بوجودهم وتأثيرهم داخل التنظيم، ما دفعهم لتشكيل لجان تهدف إلى تنقية الأجواء وإعادة توحيد الجماعة مرة أخرى.

أشرف عبدالغفار، القيادي بالإخوان

تيار آخر تزعّمه أشرف عبدالغفار، القيادي بالتنظيم، دعمه عدد من شباب الإخوان، رأى أن الإطاحة بـ”حسين” مجرد محاولة من “منير” لتدوير نفسه وكسب شرعية ليست له داخل الجماعة، فهو معين في هذا المنصب بالمخالفة للائحة الإخوان، وأن إطاحته بمحمود حسين تمثل تأصيلًا لمنهج الترقيع في إدارة الجماعة، التي تحتاج لإجراء انتخابات شاملة وفقًا لمبادرة القرضاوي السابقة، والتي تقضي بتخلي جميع المسئولين في الإخوان عن مناصبهم، واختيار قيادات جديدة لإدارة الجماعة.

سعى إبراهيم منير لتصدير القرار الأخير حلًّا لأزمة الجماعة وإعادة وحدتها، لكن تلك الخطوة على ما يبدو زادت الانقسام داخل الجماعة، فجعلت إبراهيم منير قائمًا بالأعمال في جبهة مناوئة لمحمود حسين الذي أُطيح به من منصبه، وكذلك فإن جبهة الشباب انقسمت إلى فريقين أحدهما يميل للتأييد، بينما يرى الآخر أنه لن يتغير شيء داخل الجماعة طالما ظلت تلك القيادات في مكانها، مهما أصدرت من قرارات وسعت لكسب الشرعية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبدالخالق بدران

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram