صراع وتجنيد

"داعش" يحاول التهام القاعدة في خُراسان

على أهازيج الأناشيد المصحوبة بصوت الرصاص والتفجيرات، بث تنظيم داعش إصدارًا مصورًا جديدًا لمقاتليه في أفغانستان بعنوان “معذرة إلى ربكم 2″، مؤكدًا استمرار الصراع بين التنظيم من ناحية وبين تنظيم القاعدة وحركة طالبان المتحالفة معه من ناحية أخرى.

الإصدار الذي جاء في 39 دقيقة يأتي ضمن حملة إعلامية جديدة بدأها “داعش” في إبريل الماضي بعنوان “معذرة إلى ربكم”، وحدد هدفها بـ”كشف انحراف تنظيم القاعدة”، عقب ما عرف بثورات الربيع العربي، رغم أن داعش لم يتوقف منذ حدوث الشقاق الجهادي في 2013 بينه وبين القاعدة عن مهاجمة قيادتها ووصل الأمر في النهاية للحكم عليها بـ”التكفير” لأنها انحرفت عن نهج القادة الأوائل على حد تعبير التنظيم.

وتضمن “معذرة إلى ربكم 2” عددًا من الرسائل الإعلامية والدلالات التنظيمية أبرزها القفز على اختيارات “داعش” القديمة التي تعتبر حركة طالبان الأفغانية “حركة جهادية تربطها به علاقات وروابط الأخوّة والولاء”، واعتبار أن الحركة “انحرفت بعد موت مؤسسها الملا محمد عمر إلى نهج ديمقراطي” يؤمن بفكرة المشاركة مع الفصائل السياسية، وهو ما يعتبره داعش مناطًا من مناطات التكفير.

مقاتلو داعش في العراق

اعتمد داعش على رسالة مزدوجة في خطابه الإعلامي، شقها الأول يعبر عن نوع من خطاب الذات ويتوجه بالأساس صوب مقاتلي التنظيم ومناصريه، في حين يتوجه الشق الثاني إلى مقاتلي حركة طالبان وتنظيم القاعدة، في محاولة لاستقطابهم وتجنيدهم في “داعش” الذي بات يعتبر نفسه الوريث الشرعي لقيادة الحركة الجهادية العالمية.

وأكد التنظيم، عبر إصداره الجديد، إستراتيجيته القديمة المتمثلة في “قتال العدو القريب” أولاً، كالشيعة والأنظمة الحاكمة في مناطق نشاطه، ثم الانطلاق من تلك القاعدة إلى قتال العدو البعيد، وهي الإستراتيجية التي نشأ عليها تنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين” بقيادة أبو مصعب الزرقاوي والذي يعد نواة “داعش” بصورته الحالية.

وأشار التنظيم بصورة ضمنية إلى سيطرة ما يُعرف بتيار “اللجنة المفوضة” على قيادة داعش العليا منذ 2018، عندما وصف “أبو مصعب السوري”، مُنظِّر “القاعدة” الإستراتيجي بـ”الضال”، ويتبنى هذا التيار مواقف أكثر تشددًا في قضايا التكفير، بالمقارنة مع نظيره “تيار مكتب البحوث والدراسات”، رغم أن داعش حاول طوال الفترة الماضية تأكيد عدم وجود خلاف من الأساس، ولا تباينات في المواقف بين مقاتليه.

التنظيم في خراسان

وأوضح الإصدار الداعشي الجديد أن قيادة التنظيم في جنوب آسيا تتمركز في “خُراسان”، وأن تلك القيادة تدير الأفرع التنظيمية في: “أفغانستان، باكستان، بنجلاديش، الهند، إيران”، رغم أن “داعش” أعلن في أوقات سابقة تأسيس ولايات مكانية مستقلة في تلك المناطق.

صحوة داعش.. والاستنزاف المجهد

اعتمد “داعش” منذ انهيار خلافته المكانية في قرية الباغوز فوقاني السورية (مارس 2019)، على إستراتيجية الحرب الاستنزافية، التي تتسم باستنزاف وتشتيت أعداء التنظيم وعلى رأسهم التحالف الدولي المعروف باسم عملية العزم الصلب، (يتكون من 82 دولة)، عبر تنشيط الأفرع والأذرع الخارجية لتخفيف الضغط على مركز التنظيم في العراق وسوريا.

وفي إطار السعي لتطبيق هذه الإستراتيجية، عملت قيادة التنظيم على دعم الأفرع الخارجية وعلى رأسها “داعش خراسان، وغرب ووسط إفريقيا” بالقيادات الفاعلة، وكذلك الدعم المالي اللازم لإطلاق موجة إرهاب طويلة الأمد، ينجح فيها التنظيم في إنهاك وإجهاد خصومه، ومن ثمّ يحسم المعركة لصالحه بعد سنوات.

أبوبكر البغدادي

وبحسب تقرير سابق لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، انتقلت قيادات داعشية إلى أفغانستان بتوجيه مباشر من أبو بكر البغدادي، زعيم داعش السابق المقتول في أكتوبر 2019، لتقييم أداء فرع التنظيم هناك. وأوصت تلك القيادات بعزل أمير التنظيم هناك، مولوي ضياء الحق، وتعيين مولوي أسلم فاروقي، المعروف أيضًا بعبد الله أوركزي، بدلاً منه بسبب الإخفاقات التي عانى منها التنظيم في ظل قيادة “ضياء الحق”، في حين أشار تقرير للجنة الجزاءات المعنية بـ”داعش” و”القاعدة” في مجلس الأمن الدولي، إلى انتقال قيادات داعشية من العراق إلى أفغانستان، ومن بينهم أبو قتيبة العراقي، مسؤول عمليات التنظيم سابقًا بمحافظة صلاح الدين العراقية. 

ورغم أن التنظيم تعرض لضربة قوية على مستوى قيادته العليا، باعتقال أميره عبد الله أوركزي، مع 19 قياديًّا آخر، بمن فيهم الأمير العسكري والمسؤول عن التجنيد، فإنه نجح في ترميم هيكله القيادي والدفع بأمير جديد أكثر شراسة من سابقه هو أسد الله أوركزيالمهاجر الذي شغل سابقًا إمارة الاستخبارات الداعشية في خراسان، كما أنه أحد المنظرين العسكريين لحروب العصابات في أفغانستان.

وفي نفس التوقيت، عملت قيادة داعش على استقطاب مقاتلين جدد من الطاجيك والباكستانيين والهنود والبنغال، بعد نجاحها سابقًا في كسب ولاء مجموعات أخرى من مقاتلي شبكة حقاني، إحدى مكونات حركة طالبان، وحركة أوزبكستان الإسلامية ذات الانتماء السلفي الجهادي، إضافةً إلى حركة عسكر الإسلام المحظورة في شبه القارة الهندية.

وقدرت تقارير أممية سابقة عدد مقاتلي التنظيم في خراسان بنحو 2500: 4000 مقاتل، لكن يُرجح أن هذا العدد تناقص بدرجة كبيرة، في خضم العمليات العسكرية التي شنتها قوات التحالف والقوات الأفغانية، وحركة “طالبان” التي تسعى لطرد “داعش” من معاقله الرئيسة في ولايتي ننجرهار وكونر.

أفراد داعش
مستقبل "داعش خراسان"

نجح “داعش خراسان” في فرض نفسه كرقم صعب في المعادلة الأفغانية المعقدة، منذ الإعلان عن تأسيسه للمرة الأولى في عام 2015، وأثبت قدرته على التكيف والتعايش في وسط بيئة عملياتية مضطربة، ومقدرته على ترميم بنيته الهيكلية واستعاضة القيادات والعناصر التي تقتل أو تعتقل خلال عمليات مكافحة الإرهاب.

ومن الواضح أن التنظيم، يعيش حالة صحوة عملياتية حالية، تجلت أبرز صورها في الهجوم على سجن مدينة جلال آباد، (مركز ولاية ننجرهار)، وقصف القصر الرئاسي خلال الاحتفالات بعيد الاستقلال الأفغاني، ويبدو أن هذه الحالة مرتبطة على نحو وثيق بقيادته الجديدة التي تعي مفاهيم وإستراتيجيات وتكتيكات حروب العصابات.

الهجوم على سجن جلال آباد

من المتوقع أن يبقى تنظيم “داعش” فاعلاً مهمًّا على الساحة الأفغانية خلال الفترة المقبلة، وسيستفيد بالتأكيد من تراجع غريميه التقليديين هناك؛ تنظيم “القاعدة” الذي يعيش أضعف أطواره، وحركة “طالبان”، التي قررت خوض مسار التفاوض الذي يرفضه “داعش” بالكامل، وبالتأكيد سيشكل “داعش” تهديدًا كبيرًا لعملية السلام في أفغانستان، وسيعقد المسارات المستقبلية التي ستسلكها البلاد في ظل إصرار مقاتليه وقيادته على العمل العنيف كمسار وحيد للتغيير، وهو ما تجلى في اللقطة الأخيرة من إصدار “معذرة إلى ربكم 2” التي تضمنت مقولة أبي محمد العدناني- متحدث داعش السابق والذي أعلن ميلاد الفرع الأفغاني في 2015: “إن داعش اختار صناديق الذخيرة لا صناديق الاقتراع، واختار التفاوض في الخنادق لا الفنادق، وهجر أضواء المؤتمرات ليضرم نار الغارات”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد سلطان

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram