صفحة عبقرية من تراثنا

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

كأنها أتت من عالم آخر، فيه من السحر والفن والتأنق ما يأخذ بالألباب، وفيها من القوة والعبقرية ما ينتزع الدهشة والتعجب.. في ظاهرها تبدو متنا من تلك المتون التي وضعها أئمة الإسلام لتجمع العلوم الشرعية واللغوية وتختصرها.. لكن عند التأمل تظهر مزية هذا المتن، وتتبدى العبقرية في فكرته وبنائه وحتى موسيقاه الشعرية.

“حرز الأماني ووجه التهاني” هكذا سماها واضعها، الإمام أبو القاسم بن فِيرُّه الشاطبي الأندلسي الضرير، المتوفى عام 590 هجرية، واشتهرت منسوبة إلى صاحبها بـ”الشاطبية”.. قصيدة مكونة من 1173 بيتا ضمت اختلاف القراء السبعة ورواتهم.. انتشرت وذاعت في أرجاء العالم الإسلامي، وأصبحت الطريق الأول لتلقي القراءات السبع، ولاقت من اهتمام المحققين والشراح ما لم يلقه متن من متون العلوم الدينية، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنها محاطة بهالة من الهيبة والاحترام الذي يقترب من التقديس.

في كثير من متون العلوم الشرعية، نجد أن النص هو مجرد اختصار موزون، يذكر بمسائل العلم المتناول، أو يكون شاهدا له، لاسيما أن معظم العلوم تحكمها قواعد مضطردة، لذا يمكن الاستغناء عن المتن، وصرف الجهد إلى فهم القواعد ثم تنزيلها على المسائل الفرعية، أما علم القراءات، فينقسم إلى قسمين رئيسين: الأصول، وهي القواعد التي تضطرد، مثل المد والإمالة وتسهيل الهمزات والإدغام كبيرا كان أم صغيرا.. أما القسم الثاني، فهو ما يسمى بفرش الحروف، وهو يتناول خلافات الأئمة في كلمات القرآن، تلك الخلافات الموضعية غير المحكومة بقاعدة، كالتذكير والتأنيث، أو الجمع والإفراد أو النصب والرفع، أو النصب والخفض، أو إبدال حرف بحرف، وغير ذلك مما لا يكاد الدارس أن يحصي مواضعه، أو يحفظ اختلاف الأئمة فيه إلا من خلال متن جامع مانع، سهل الحفظ… ولم يكن هذا المتن إلا “الشاطبية”.

وإذا علمنا أن بعض الكلمات القرآنية فيها ثلاث قراءات وبعضها أربع أو خمس أو ست قراءات، يختلف فيها الأئمة السبعة، وأحيانا رواتهم الأربعة عشر، وأن قاعدة الاختصار تستلزم أن يجمع الناظم هذا الاختلاف في شطر بيت، أو بيت كامل أو بيتين على الأكثر، علمنا مدى صعوبة المهمة التي قرر الإمام الشاطبي أن يتصدى لها.

وتجلت عبقرية الناظم في “الرموز” الحرفية التي وضعها للإشارة إلى القراء ورواتهم، وحددها بقوله: جعلت أبا جاد على كل قارئ.. دليلا على المنظوم أول أولا.. ويعني بذلك أن حرف الألف يعني الإمام نافع المدني، والباء تعني قالون عن نافع، والجيم تعني ورش عن نافع.. وهكذا في بقية السبعة… “دهز” الدال لابن كثير، والهاء للبزي، والزين لقنبل.. “حطي” الحاء لأبي عمرو، والطاء للدوري، والياء للسوسي.. “كلم” الكاف لابن عامر، واللام لهشام، والميم لابن ذكوان.. “نصع” النون لعاصم، والصاد لشعبة، والعين لحفص.. “فضق” الفاء لحمزة، والضاد لخلف، والقاف لخلاد.. “رست” الراء للكسائي، والسين لأبي الحارث، والتاء للدوري عن الكسائي.

وللتوضيح بمثال، نشير إلى قول الشاطبي: وإضاعك التوراة ما رد حسنه.. وقلل في جود وبالخلف بللا، ويعني أن لفظة التوراة، قرأها بالإضجاع، أي الإمالة الكبرى، كل من هشام والكسائي وأبي عمرو،  فهشام مرموز له بحرف الميم في (ما) والكسائي مرموز له بحرف الراء في (رد) وأبو عمرو مرموز له بالحاء في حسنه.. وقلل لفظ التوراة، أي قرأها بالإمالة الصغرى كل من حمزة وورش، فحمزة مرموز له بالفاء في (في) وورش مرموز له بالجيم في (جود)، وقرأها بالخلاف بين الفتح والتقليل قالون عن نافع المرموز له بحرف الباء في (بللا)، ويكون لباقي القراء السبعة الفتح دون إمالة أو تقليل على الأصل المسكوت عنه.. كل هذا الخلاف جمعه الشاطبي في بيت واحد سهل، معتمدا على خطته العبقرية في الترميز بالحروف.

ومثال آخر، لخلاف شهير في كلمة “هيت لك” بسورة يوسف، ففيها خمس قراءات: هَيْتَ بفتح الهاء بعدها ياء ساكنة مع فتح التاء، وبه قرأ أبو عمرو والكوفيون الثلاثة: عاصم وحمزة والكسائي.. هَيْتُ بفتح الهاء بعدها ياء ساكنة مع ضم التاء، وبه قرأ ابن كثير المكي.. هِيتَ بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة مع فتح التاء، وبه قرأ نافع وابن ذكوان.. هِئتَ بكسر الهاء بعدها همزة ساكنة مع فتح التاء، وبه قرأ هشام عن ابن عامر.. هِئتُ بكسر الهاء بعدها همزة ساكنة مع ضم التاء، وهو الوجه الثاني لهشام.. هذا الخلاف المتشعب الموقع في الارتباك والخلط جمعه الشاطبي بعبقريته في بيت واحد من منظومته الخالدة قائلا: وهيت بكسر أصل كفء وهمزه.. لسان وضم التا لولا خلفه دلا.

لقد أشار إلى من كسر الهاء وهم نافع وابن عامر، فالهمزة في لفظة (أصل) إشارة إلى نافع، والكاف من (كفء) إشارة إلى ابن عامر، وتكون قراءة الباقين بالفتح حتما، ثم أشار إلى رواية هشام بالهمز بدلا من الياء بقوله وهمزه لسان، فاللام من لسان إشارة إلى هشام، فيكون منفردا بالهمز، والباقون بالياء، وقرأ ابن كثير بلا خلاف وهشام بخلاف عنه بضم التاء، وقد أشار إلى قراءة هشام والخلاف عنه بقوله وضم التاء لوا خلفه، فاللام في (لوا) إشارة إلى هشام، ولفظة خلفه للإشارة إلى أنه يقرأ بوجهين هما الضم والفتح، أما ابن كثير فأشار إليه بالدال من لفظة (دلا)

لقد سار الشاطبي على هذا النهج في قصيدة على روي واحد وقافية واحدة، وعالج أدق الاختلافات وأصعب المشكلات في نص سهل طيع للحفظ، فاستحق نظمه أن يلقى من القبول والانتشار والتقدير ما لم يحظ به متن من متون العلوم الشرعية.

ونص الشاطبي، هو مثال حي نابض واضح، لمناطق من التألق والعبقرية في تراثنا، وملمح مشرق من ملامح ذكاء وتوقد ونبوغ كثير من أئمتنا.. وليس من الصنيع العلمي أن نتعامل مع تراث هذا شأنه وكأنه كومة واحدة من الشرور أو القيود، أو أن نتعامل معه باعتباره بابا للجمود والتخلف، ولست بذلك أدعو لأن نجعل الماضي حكما على الحاضر، ولا أن أصادر على المستقبل.. لكن في ظل التوقح المستمر والتطاول الذي يصل حد الشتم والبذاءة ضد عقول كبيرة وأئمة أعلام، فمن الواجب أن نلقي الضوء على بعض إنتاج أسلافنا، المتسم بالتوقد والعبقرية.. لعل المتطاول يعرف قدره.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search