سياسةمختارات

صُداع جنوبي.. الجزائر تنتظر “شتاء متوترًا” بعد انقلاب مالي

 

لماذا تُقلق الأزمة في مالي السلطات الجزائرية؟ سؤال طرحته مجلة “جون أفريك” الفرنسية في ظل عدم الاستقرار المزمن الذي تعاني منه مالي، الجارة الجنوبية للجزائر، حيث تَعُد الأخيرة التوترات الأمنية في الدول المجاورة لها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

ففي 4 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أُعلن عن إطلاق سراح العشرات من الإرهابيين (أكثر من 100 وفقًا لوكالة فرانس برس) الذين يقضون أحكامًا بالسجن في باماكو، وذلك من أجل الإفراج عن زعيم المعارضة سوميلا سيسي، وموظفة الإغاثة الفرنسية صوفي بترونين.

سوميلا سيسي زعيم المعارضة في مالي – أرشيفية

وسوميلا سيسي، سياسي يتمتع بشعبية وشغل منصب وزير المالية من 1993 إلى 2000، خُطف أثناء قيادته حملة انتخابية بمنطقة تمبكتو الشمالية، مارس/آذار الماضي، في حين خطفت بترونين، قرب مدينة جاو (شمال البلاد)، أواخر 2016.

هذا الإجراء كان مصدر قلق كبير للسلطات الجزائرية، وقال مسؤول جزائري إن “هذا العمل غير المنسق من قبل الماليين يهدد بمزيد من زعزعة الاستقرار شمال مالي، في خضم حرب حقيقية بين الفصائل الإرهابية وسلطات وقوات تحالف برخان (الفرنسية ) وقوات مينوسما (التابعة للأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي)”.

عنصر بقوات برخان الفرنسية – أرشيفية

وبالنسبة إلى هذا المسؤول، الذي لم يكشف عن اسمه، كان هذا الإفراج متوقعًا في ضوء المفاوضات التي بدأت قبل أكثر من عام بين الجماعات التابعة للقاعدة والحكومة المالية السابقة.

ولم يمنع اتفاق السلام، الموقع في الجزائر العاصمة عام 2015، بين حكومة باماكو وجماعات مسلحة، تدهور الوضع الأمني بهذا البلد، فقد أشار خبراء الأمم المتحدة في تقاريرهم المتتالية، إلى مسؤولية أعضاء الجماعات المسلحة، وأيضًا في الآونة الأخيرة، لمسؤولية ضباط الجيش المالي المتهمين بعرقلة عملية السلام، إضافة إلى أن في مالي عدة أطراف ترغب في إعادة صياغة اتفاق الجزائر جزئيًّا.

في هذا السياق، بالنسبة إلى الخيار العسكري الكامل ضد الجهاديين، تقول الجزائر إنها تفضل تسوية سياسية شاملة بين الماليين، وتعتبر أن الوضع الأمني ​​هو نتيجة وليس سببًا لعدم الاستقرار.

الانقلاب في مالي – أرشيفية

على مذبح الحرب ضد الإرهاب

لكن الانقلاب الأخير الذي وقع في أغسطس/آب 2020 بمالي، هو إشارة للجزائر العاصمة إلى التضحية بنهجها السياسي على مذبح الحرب ضد الإرهاب، إذ لم يسمح هذا النهج بظهور مالي كدولة قادرة على حل الانقسامات الداخلية سلميًّا.

ووفقا لجون أفريك، فإن تركيا وروسيا، اللتين تنشطان أكثر فأكثر في المنطقة، قد تحاولان الاستفادة من الوضع، فقد أثارت التغطية الاستثنائية بالصحافة التركية للأحداث المالية بعض الدهشة بين رجال الأمن الجزائريين.

فبعد 24 ساعة، علقت الجزائر على الانقلاب ببيان صحفي صادر عن وزارة الخارجية، قال فيه الوزير  صبري بوقادوم إن بلاده تتابع بقلق بالغ الوضع السائد في مالي الشقيقة والدولة المجاورة.

كان نص وزارة الخارجية متشددًا في البداية، وخلص إلى أن “صندوق الاقتراع فقط هو السبيل للوصول إلى السلطة والشرعية”، في إشارة إلى أن الجزائر لا تزال مترددة بشأن ما يجب عليها القيام به، فقد كان رد فعل وزارة الخارجية متناقضًا إلى حد ما بعد 10 أيام من الاجتماع بين بوقادوم وأعضاء اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب يوم 28 أغسطس/آب، إذ اعترف -بحكم الأمر الواقع- بأسياد باماكو الجدد.

وبعد أسبوعين، عقب مناقشات حول الوضع في مالي بأنقرة خلال قمة جزائرية – تركية مصغرة، استحضر بوقادوم أزمة مالي وعواقب الهجرة على المنطقة، حيث يعيش أكثر من 40 ألف شخص في المناطق الحدودية خوفًا من الاضطرابات.

صبري بوقادوم وزير الخارجية الجزائري- أرشيفية

وزار وزير الخارجية الجزائري باماكو للمرة الثانية في 20 سبتمبر/أيلول الماضي، عشية تعيين باه نداو رئيسًا انتقاليًّا في مالي، بعد مفاوضات متوترة مع ممثلي المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO).

ويشكل تراجع النفوذ الفرنسي وركود القوى والبرامج الدولية وبعثة الاتحاد الأوروبي التدريبية ومينوسما، بسبب الوضع السياسي ووباء   كورونا، في نظر المحللين، تهديدًا، وفرصة أيضًا للجزائر التي تميل إلى زيادة مجال المناورة داخل جارتها الجنوبية.

تدخل محتمل وقلق غربي

ويبقى أن نرى ما إذا كانت المراجعة الدستورية الجارية في الجزائر ستسمح بإرسال قوات إلى أراضٍ أجنبية، بناءً على تعليمات من الرئيس وبعد تصويت ثلثي أعضاء مجلس النواب. فمثل هذا التعديل للقانون الأساسي الجزائري، من شأنه أن يمهد الطريق للدعم العسكري لأعمال المساعدة لسكان شمال مالي.

ويمكن القيام بهذا الإجراء بناءً على طلب اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب (CNSP) أو حتى الاتحاد الإفريقي، لكن هذا الثقل الجزائري في مالي من غير المؤكد أن يُنظر إليه على نحو جيد من جانب باريس وواشنطن، ناهيك بفريق الحكم الجديد في باماكو.

توترات على الحدود بين الجزائر ومالي

فهذا الاحتمال يشكل رعبًا في الجانب المالي، حيث اتهمت العديد من وسائل الإعلام المالية، وكذلك الاتحاد الديمقراطي للشعب المالي، في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، الجيش الجزائري بضم جزء من الأراضي المالية.

واستغرق نفي السلطات الجزائرية هذه المعلومات 10 أيام، ففي 5 أكتوبر/تشرين الأول، وبحسب بيان رسمي صادر عن وزارة الدفاع الوطني، لم يكن هناك “ضم” أو حتى دخول إلى الأراضي المالية.

وقال البيان: “عقب بعض الادعاءات التي قدمتها الأطراف المالية، في ما يتعلق بوجود مزعوم لعناصر من الجيش الشعبي الوطني في بلدة إن خليل الحدودية مع مالي، فإنّ وزارة الدفاع الوطني تفنّد قطعيًّا مثل هذه الادعاءات المغرضة”.

لكن يبقى السؤال: هل يَعِد الإرهاب والتهريب وتدفقات الهجرة وعدم الاستقرار السياسي والميل إلى التدخل، بشتاء متوتر على الحدود الجزائرية المالية؟ -كما علقت صحيفة جزائرية، هذا الأسبوع، على المشكلات التي تبرز في العلاقات بين الجارتين- وهل قد ينجم عنها برودة في العلاقات الدبلوماسية؟ هذا سؤال للأيام المقبلة.

الكاتب: أكرم خريف، صحفي جزائري وخبير في الشؤون الأمنية

 

 

المصدر
Jeuneafrique

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى