ضريبة غياب الـ"mentality"

هل كان "صلاح" على حق؟

في بداية شهر يوليو من العام الماضي، خرج “محمد صلاح” نجم المنتخب المصري ونادي ليفربول الإنجليزي، بتصريح في أحد المؤتمرات الصحفية أكد خلاله أن الفارق بينه وبين باقي اللاعبين المصريين أنه يملك العقلية أو “mentality”، وأن هذا الأمر “ينقصنا ونعاني منه منذ مراحل التعليم في المدارس”.

نال “صلاح” على إثر تصريحه هجومًا ونقدًا لاذعًا وصل إلى حد التهكم والسخرية من بداياته، سواء على المستوى الاجتماعي أو التعليمي.

إلا أن الأحداث التي شهدتها الرياضة المصرية من أزمة محمود عبدالمنعم “كهربا” لاعب الأهلي، وانتقال رمضان صبحي لنادي “بيراميدز”؛ فتحت الباب بعد عام كامل من تصريح “صلاح”، للسؤال حول إمكانية كونه على حق؟

mentality "صلاح" الخاصة

رحلة “صلاح” الذي قاد منتخب مصر للمونديال بعد غياب 28 عامًا، وبطل دوري أبطال أوروبا وبطل البريمييرليج مع ليفربول بعد غياب 30 عامًا للعملاق الإنجليزي عن التتويج؛ لم تكن سهلة مطلقًا، وشهدت منحنيات خطيرة منذ بدايتها.

محمد صلاح في بازل السويسري

كان “صلاح” على وشك الانتقال لنادي الزمالك قبل بداية مسيرته الاحترافية مع بازل السويسري في عام 2012، قبل أن يُعرقِل انتقاله رئيس نادي الزمالك “ممدوح عباس”، معللًا ذلك بقلة خبرته واحتياجه لمزيدٍ من الوقت للانضمام للقلعة البيضاء.

إلا أن “صلاح” واصل العمل وانضم للفريق السويسري بعقد لمدة أربع سنوات في صفقة قياسية بالنسبة لنادي المقاولون العرب، حيث بلغت قيمتها 2 مليون يورو.

في يناير عام 2014، اتخذ “صلاح” الخطوة الأكبر في تاريخ انتقالات اللاعبين المصريين في أوروبا باللعب ضمن فريق تشيلسي الإنجليزي تحت قيادة الداهية البرتغالية جوزيه مورينيو.

لم تكن أوضاع “صلاح” في تشيلسي مُرضية لطموحه، فقد لازم دكة البدلاء لفترات طويلة، لذا كان قراره الأصعب بالرحيل في إعارة لمدة 6 أشهر لنادي فيورونتينا الإيطالي، مُعرِّضًا نفسه لمخاطرة الانتقال من أحد عمالقة أوروبا والبريمييرليج إلى فريق يعاني منذ سنوات وبعيد عن الساحة، وفي حال الفشل فالخطوة التالية قد تكون العودة إلى نقطة الصفر.

صلاح في تشيلسي

مع فيورنتينا ظهرت بوادر الـ”mentality” التي تحدث عنها صلاح لاحقًا، فالفريق الإيطالي يعتمد على ماضٍ وجمهور عريق، لكنه فريق هش لا يسمح بالتطور، إلا أن “صلاح” صنع الفارق ولفت نظر فريق العاصمة روما لطلب التعاقد معه، ليلعب جنبًا إلى جنب مع النجم الإيطالي “فرانشيسكو توتي”، وهنا أدرك “صلاح” أنه يسير في الطريق الصحيح.

موسمان من التألق مع روما منحا “محمد صلاح” فرصة العودة للدوري الإنجليزي وإثبات خطأ “مورينيو” الجسيم بالتخلي عن خدماته، ولكن الأمر لم يكن سهلًا.

فصفقة تقترب من الـ40 مليون جنيه إسترليني دفعت جمهور “الريدز” للهجوم على الألماني “يورجن كلوب” الذي أصر على ضم “صلاح”، معتقدين أن بإمكانهم جلب “لاعب أفضل”.

الصفقة تمت، وارتدى “صلاح” قميص ليفربول مُحملًا بمهمتين: الانتقام لنفسه من التجربة الأولى، وكيف يثبت لجمهور ليفربول أنه يستطيع أن يصبح ملكًا لقلعة “آنفيلد” العريقة.

صلاح يتألق في ليفربول

وهنا ظهرت “mentality” “صلاح” في ذروتها، حيث حقق الشاب المصري في الفترة من 2017 إلى 2020 لقب دوري أبطال أوروبا ولقب الدوري الإنجليزي والسوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية، إضافة إلى حفنة من الألقاب الفردية، وأصبح منافسًا لكبار نجوم اللعبة في العالم.

وتحوّل من لاعب قيمته السوقية 2 مليون يورو في عام 2012، إلى لاعب قيمته 120 مليون يورو، وفقًا لموقع “ترانسفير ماركت” المختص بالأرقام والإحصاءات.

الطرق الصعبة للنني وتريزيجيه

“محمد النني”، لاعب أرسنال الإنجليزي تعرض لحملات هجوم غير عادية وصلت إلى أن وصفه البعض بأنه “لا يستحق اللعب في الدوري المصري، فكيف يلعب ضمن صفوف أحد كبار أوروبا؟”.

مر “النني” بظروف صعبة مع أرسنال، وأصبح حبيسًا لدكة البدلاء لفترة طويلة، ما زاد موقفه تعقيدًا وزاد من حدة الهجوم عليه، وتم وصفه بـ”الموظف الذي يبحث عن الراتب وارتداء قميص أرسنال”.

النني في أرسنال

لكن الفتى القادم من أسرة بسيطة بمحافظة الغربية قرر خوض تجربة جديدة مع “بيشكتاش” التركي وهو يعلم أنها قد تكون تجربته الأخيرة في أوروبا، ونجح في العودة لصفوف أرسنال، وحمل لقب “كأس الدرع” الخيرية على حساب رفيقه “صلاح”، وبات محل إشادة كل من انتقده في السابق.

موهبة "صبحي" التي لا تكفي

في الوقت الذي تحمّل فيه “أحمد حجازي”، ذو الـ29 عامًا، مشقة اللعب موسمين متتالين في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي، ورفض العروض الخليجية ليعود رفقة “ويست بروميتش ألبيون” إلى قلب البريمييرليج بداية من الموسم المقبل، قرر رمضان صبحي صاحب الـ23 عامًا الانتقال من صفوف “هيدرسفيلد” الإنجليزي إلى “بيراميدز” في عقدٍ لمدة 5 سنوات.

رمضان صبحي في هيدرسفيلد

“رمضان” أثار غضبًا واسعًا لدى جمهور النادي الأهلي، وأصبح حديث الساعة، إذ يؤمن جمهور متصدر الدوري المصري أن النادي أنقذ اللاعب من الفشل في “هيدرسفيلد” ومن قبله “ستوك سيتي” بالدوري الإنجليزي فكان من الأولى بقاؤه مع الأهلي، ولكنه اختار “بيراميدز” أو اختار المال كما يتم اتهامه.

“رمضان” الذي بدأ مشواره مع قطاع الناشئين بالنادي الأهلي، ونجح سريعًا في تسطير اسمه كنجم للفريق الأول منذ تصعيده بموسم 2014/2015 وهو في عامه الـ17، واستمر 4 سنوات في التألق، انتقل إلى “ستوك سيتي” الإنجليزي مقابل 6 ملايين جنيه إسترليني، وهي صفقة تاريخية بكل المقاييس.

شارك “صبحي” مع الفريق الإنجليزي في 46 مباراة، وسجل 3 أهداف، وصنع مثلهم فقط خلال موسمين، وهبط “ستوك” للدرجة الأولى، ليحصل اللاعب بعدها على فرصة جديدة في البريميرليج بقميص “هيدرسفيلد تاون” ولكن الأمر كان أسوأ.

فقد شارك “صبحي” في 4 مباريات فقط، ولم يسجل أو يصنع أهدافًا، وظل حبيس دكة البدلاء لفترة طويلة.

خلال فترة الانتقالات الشتوية بالموسم الماضي، مر النادي الأهلي بظروف فنية صعبة، وكذلك الأمر مع “صبحي”، فعاد اللاعب لـ”بيته” من جديد ليحقق لقب الدوري بعد صراع مع الزمالك، ومن ثم تجددت الإعارة لعام جديد وسط طموح الحصول على دوري أبطال إفريقيا والمشاركة مع المنتخب الأولمبي في أولمبياد طوكيو الذي تأجل بسبب انتشار فيروس كورونا.

وجد “رمضان صبحي” نفسه أمام سؤال المصير، سواء بالبقاء في الأهلي أو خوض تجربة جديدة، وكان لديه عرض من نادي “باشاك شهير” التركي، الذي تُوّج بلقب الدوري التركي، ويستعد للمشاركة في دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، ومن ثمّ منح “صبحي” العودة للقارة العجوز، لكن اللاعب رفض العرض.

رمضان صبحي في بيراميدز

كان الخيار الثاني أمام “رمضان” يتمثل في العودة لصفوف “هيدرسفيلد” والقتال مع فريقه حتى يعود من جديد مثل “أحمد حجازي” مع “ويست بروميتش” و”أحمد المحمدي” مع “هال سيتي” و”أستون فيلا”.

لكن “صبحي” قرر الانتقال إلى “بيراميدز” والـ”mentality” هنا واحد، سواء الانتقال إلى بيراميدز أو البقاء في صفوف الأهلي، لأن الاحتكاك والمنافسات سواء في الدوري المصري أو البطولات الإفريقية متقارب، ولا يُقارن بالمنافسات الأوروبية. وإنْ كان بقاء اللاعب في الأهلي أفضل، خاصة أنه وضع على عاتقه ضغطًا جماهيريًا كبيرًا من جمهور القلعة الحمراء بعد انتقاله إلى “بيراميدز” ليصبح مُطالبًا بتحقيق الكثير مع فريقه الجديد، أحد منافسي الأهلي على البطولات.

هناك تفسيرات جمّة لانتقال اللاعب إلى بيراميدز، لكن من المؤكد أن موهبة بحجم “رمضان صبحي” من الناحية الفنية والبدنية تستحق اللعب في مستويات عالمية كبرى، وعليه مسئولية موازية للمنتخب المصري على غرار ما يقدمه “محمد صلاح” و”تريزيجيه”.

مفتاح الفرج المفقود

الدوري المصري يشهد حاليًّا بزوغ نجم عانى من الإنطفاء لسنوات، وهو “محمد إبراهيم”، نجم الزمالك السابق ومصر المقاصة الحالي. “إبراهيم” الذي كان النجم الأول لمنتخب الشباب في مونديال كولومبيا 2011، والذي ضم وقتها “محمد صلاح” و”النني”، كان من المتوقع انتقاله إلى أحد الأندية الأوروبية الكبرى.

فمع بداية موسم 2014/2015 انتقل “محمد إبراهيم” إلى “ماريتيمو” البرتغالي بحثًا عن تكرار مجد رفيقه “محمد صلاح”، ولكن اللاعب الموهوب ترك ناديه وبحث عن العودة إلى الزمالك دون إكمال عقده، مما دفع الفريق البرتغالي لشكواه، ليدخل في أزمة انتهت بعودته لصفوف الزمالك بعد غياب موسم كامل عن الملاعب.

كهربا في الأهلي

بعد أن عاد “إبراهيم” إلى الزمالك كان من الطبيعي أن يختلف مستواه كثيرًا بسبب الغياب عن الملعب، ليدفع ثمن عدم إكمال تجربته في البرتغال، واتخاذه القرار الأسهل بالعودة للدوري المصري.

الأمر نفسه مع “محمود كهربا” لاعب النادي الأهلي، الذي تصدرت أزمته مشهد الرياضة المصرية خلال الأسابيع الماضية، بعدما تعرّض لاعب الزمالك السابق، لغرامة مالية وصلت لمليون جنيه مصري لـ”أسباب سلوكية”.

“كهربا” الذي احترف في الدوري السويسري عام 2013، وهو الدوري الذي انطلق منه “محمد صلاح”، كان لاعبًا مبشرًّا للغاية، ولكنه دخل في صدامات عديدة، وظل يتنقل بين أندية “جراسهوبرز” السويسري وإنبي والزمالك بالدوري المصري واتحاد جدة السعودي، ثم مؤخرًا مع النادي الأهلي.

على المستوى الفني، “كهربا” لاعب لا يُشق له غبار، ولكنه لم يخض تجربة إلا ولازمته المشاكل، قد يحتاج اللاعب لمعاملة خاصة، ولكن في النهاية “mentality” اللاعب هي العامل الأكثر تأثيرًا في مسيرته، ولعل إخفاقه في الدوري السويسري أبلغ دليل على ذلك.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمود حمدي

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram