طارق بشير

رحابة الغناء المدهش

 استطاع المطرب والعازف طارق بشير أن يجمع بين أضداد لا تكاد تلتقي عند أحد أبدا، فمعه، يمكنك أن تستمع إلى دور قديم معتق من ألحان عبده الحامولي أو محمد عثمان، ومعه يمكنك أيضا أن تستمع إلى حداثيات عبد الحليم حافظ، ومواويل أحمد عدوية، بل يمكنك أن تستمع –ومن كلماته وألحانه- إلى غناء باللغة الإنجليزية.. وما بين الأضداد والنقائض، مساحة واسعة، أحاط بها بشير، وأصلح ذات بينها، فصارت الألوان الغنائية تحيا عنده في سلام دائم.

ربما كان للأسرة دور في اهتمام بشير بالموسيقى والغناء، فشرائط الكاسيت تملأ البيت، والوالد كان يحب عبد الوهاب القديم، وعبد الحليم حافظ، وأيضا فرقة Bee Gees، وينصت كثيرا إلى بيتهوفن.. والوالدة وهي ربة منزل، تسمع أم كلثوم وعبد الحليم، كما تحب فريق Beatles، وأيضا The Jacson 5.. أما عمته فقد احترفت الغناء قديما، ومن خلالها تعرف على أصوات أسمهان وليلى مراد، وكان تليفزيون الكويت نافذته للتعرف على محمد فوزي ومحمد قنديل وكارم محمود وعبد الحليم.

في أمسية ذات مصر.. يغني دور في البعد ياما كنت أنوح
غرام الاسطوانة

لكن الاهتمامات الفنية للأسرة لا تفسر اهتمام “مهندس ميكانيكا” بطرب عصر النهضة، أو ما يعرف بالحقبة الحمولية، ومشايخ الاسطوانات، يقول طارق: كان أول عهدي بالموسيقي الشرقية الكلاسيكية من خلال طقاطيق عبد الوهاب القديمة “مين عذبك، ليلة الوداع، خايف أقول”.. سحرتني هذه الأعمال وأخذت بجمال الأداء الآلي للتخت الشرقي، ووجدت في “الخشخشة” المميزة للاسطوانات القديمة سحرا لا أعلم سره..  هجرت الأورج والأكورديون، وقررت أن أتعلم وأمارس هذا اللون من الغناء دون أي لون آخر، فاشتريت عودا وعلمت نفسي، وكان ذلك عام 1988، ثم حدث الأمر الجلل في حياتي وهو إصدار شركة صوت القاهرة لسلسلة شرائط كاسيت بصوت سيد درويش.. هذا الشخص الأسطوري الذي كان جيلي يسمع به ويسمع أغانيه بأصوات غيره، هاهو الآن بصوته ونبراته يغني (أنا عشقت) و(ضيعت مستقبل حياتي) وقتها شعرت بانتقالي لطبقة أكبر وأرقي من الطرب الذي عرفته.. اكتشفت أن عبد الوهاب ليس الذروة، بل هناك ما هو أجمل وأغنى.

في المرحلة الثانوية، لاحظ الفنان الشاب أن الغناء الشرقي الكلاسيكي لا يحظى بأوقات مهمة في الإذاعات العربية، وانتبه إلى أن راديو إسرائيل يخصص فجر كل جمعة ساعة كاملة للتسجيلات المصرية القديمة، وعبر هذه الساعة الأسبوعية تعرف بشير على أعمال لسلامة حجازي وعبد الحي حلمي ومنيرة المهدية وعبد اللطيف البنا ويقول: كأني وجدت موسيقي وغناء يعلو مرة أخرى بالطرب الذي سمعته عند سيد درويش وعبد الوهاب وكأن المربع اكتمل: الكلمات الجميلة واللحن الطروب والصوت المكتمل والتخت المتسلطن بالشوا والعقاد، وبعدها بسنوات، تعرفت صدفة على موقع (زمان الوصل) المتخصص في الموسيقى الشرقية الكلاسيكية، لأفاجأ بعدد هائل من التسجيلات لكل أساطين الطرب: المنيلاوي وحلمي والصفتي وغيرهم، وبدأ الهوس الحقيقي، فأنا الآن أمام مكتبة غنية تحتم علي أن أسمع الكثير ثم أحفظ وأتعلم وأقارن وأمارس.

أوكسفورد مقام

حرص طارق بشير على ترجمة اهتمامه الكبير بالغناء الشرقي الكلاسيكي وطرب عصر النهضة إلى مشروع واقعي، فشارك عددا من مقدري هذا الفن في مقدمتهم عازف الكمان الكويتي أحمد الصالحي، وعازف القانون الإنجليزي مارتن ستوكس، والمطربة المصرية يارا صلاح الدين، تكوين فريق “أكسفورد مقام” .

احتفال بسيد درويش مع فرقة أكسفورد مقام

يوضح بشير الهدف من تدشين الفريق قائلا: أردنا تكوين تخت شرقي يبحث عن أسلوب في الأداء مستمد من مطربي تسجيلات العشرينات والثلاثينات، دون الوقوع في فخ النقل الحرفي للموسيقي.

أردنا فهم الأسلوب والمقامات وكيفية التعامل معها، البوليفونية والانسجام اللحني بدلا عن توحيد الجمل، الارتجالات فيما يسمح فيه اللحن دون تأثر مباشر بالأصل، ولكن مع الأمانة في النقل والحفاظ على المسار النغمي حرصا علي أداء الموشحات بالأسلوب المصري وليس الأسلوب الشامي الطاغي علي الأداء منذ الستينات، وكذلك الأداء في الأدوار والمواويل، بهدف خلق حالة هادئة وطربية تجذب السامع دون أن تزعجه أو تشعره بالتكلف والتصنع في الأداء، وأن تثبت أن هذا الفن ليس بالضرورة أن يكون نخبويا، بل هو مزيج بين أغاني الحضر والريف المصري، وقواعد الفن المدروس، والأداء البسيط الذي ينم عن ثقافة المقامات والشعر أو الزجل المصري، والتي كان يجتمع عليها أهل التلاوة والغناء وبالأخص في مصر.

في الكويت.. يؤدي دور نور العيون شرف مع فرقة أكسفورد مقام

بالرغم من تخصص “أكسفورد مقام”، في الموسيقى والغناء الشرقيين الكلاسيكيين، إلا أن الفرقة ضمت أعضاء من عدة جنسيات من مصر وأيرلندا وبريطانيا واليونان وكردستان، فكل عضو في الفرقة يجد في هذه الموسيقى شيئا يذكره بموسيقاه الفلكلورية، وبذلك نقلنا هذه الفكرة لكي تعرض أيضا أمام جماهير من كل الجنسيات والملل.

تتسع اهتمامات طارق بشير الغنائية لتضم إلى الطرب الشرقي الكلاسيكي ألوانا من الغناء الحديث والمعاصر، فقدم الفريق أغنيات والمقطوعات كلاسيكية مختارة بعناية بعناية لتلائم الآذان الحديثة التي لا تملك الصبر ولا التدريب على تناول وجبات دسمة متتالية، مع تبسيط الأداء ليحمل القدر المناسب من الزخارف والحلى، ويعتمد علي حلاوة الألحان وجمال الكلمات قبل الاستعراض وفرد العضلات، ومن خلال تجارب حفلات تنطلق بالتخت النهضوي والوصلة الكلاسيكية، وتنتهي بعبد الحليم حافظ ولحن الوفاء بأوركسترا كامل.

 يرى بشير أن العامل المشترك بين أعضاء “أكسفورد مقام” هو الحرص على فهم هذه الموسيقي الكلاسيكية وكيف تبدلت وتغربت عبر عشرات السنين مع تغير النسيج الاجتماعي والسياسي والفني في مصر، فدخول الاسطوانة التجارية كان عاملا هاما في هذا وأيضا دخول الإذاعة الوطنية ثم صناعة الأفلام ونسرد هذه التغيرات عن طريق الأغاني لكي يتلقى المستمع رحلة كاملة في الموسيقى المصرية من عبده الحامولي الي عبد الحليم حافظ مروراً بسيد درويش وعبد الوهاب وزكريا أحمد وأم كلثوم.

في أمسية ذات مصر.. يغني ليال وموال قم في دجى الليل
على الطرف الآخر

لكن بشير يمارس الغناء والتلحين باللغة الإنجليزية، وهو أمر نادر أن نراه من فنان عربي، فضلا عن أن يكون أحد أهم المولعين والمهتمين بالموسيقى الشرقية الكلاسيكية.. يقول: أسست مع أصدقاء لي فرقة تجمع بين أساسيات الموسيقى الغربية مع مزيج من الموسيقت الفلكلورية لشرق أوروبا والبحر المتوسط، بدأنا بحفظ أغاني Rhytham&blues الريذم أند بلوز من الثلاثينات وأغاني الفلكلور الإنجليزي القديم، ولحنت بعض المقطوعات الموسيقية كي تتخلل هذه الأغاني، ثم بدأت أكتب وألحن أغاني مشابهة لأغاني الثلاثينات الأمريكية كلاما ولحنا، ينبعان من رحلة استماع طويلة بحكم أني أمتلك مكتبة اسطوانات فنوغراف أمريكية وإنجليزية، ثم بدأت أُدخل مقطوعات تركية عثمانية لكن بإعادة تخيلها وصياغتها كي تخرج بشكل معاصر يلائم طابع الجمهور الذي يتابع فرقتنا وهذا النوع من الموسيقى، ومن نجاح هذه التجارب تشجعت علي صياغة كلمات وألحان بالعربية والإنجليزية علي شكل قوالب جديدة منها ما يشبه الموشح ومنها ما يشبه أغاني الـ courtney الأمريكية ولكن باستعمال آلات غير مألوفة في هذه الألوان، وفي كل الأحوال أسعى أن ألا أشوه أي شكل موسيقي عريق، عربيا كان أو أجنبيا، فإذا لم يكن اللحن يحترم أصل فكرته فسيلقى في سلة النفايات.

ويغني باللغة الإنجليزية من تأليفه وألحانه
كلاسيكية حية

يقدم طارق بشير فنه لجمهور متفاعل، مما يحتم التساؤل عن مدى التقبل الحالي للغناء الشرقي الكلاسيكي، بل وحجم فرص بقاء هذا اللون واستمراره، أجاب بشير: في بلادنا العربية هناك ظاهرة الـpop culture بمعني أن لونا من الغناء يظهر لكي يطغي على ما قبله ويحل محله، وللأسف منا من يسمي هذا تطورا، وتطور الشيء هو استحداث جديد من داخل هذا الشيء وليس الاستبدال به، كان أسلوب وموسيقي عصر النهضة في الصدارة، وشيئا فشيئا وجدنا أنفسنا مع الأغنية الشبابية التي صارت تسيطر في قنوات الفيديو كليب، فاستمرارية أي لون غنائي تعتمد على جمهوره المتلقي له وعلى إحساس حامله بمسئولية عرضه بما يليق به وبما يتفق مع سعة صدر هذا المستمع، فلا أظن أننا سنرى جمهورا لمطرب يغني 3 وصلات كل وصلة منها ساعة في الخميس الأول من كل شهر كما كانت تفعل أم كلثوم، ولا أعتقد أننا سنشاهد أفلاما غنائية كأفلام عبد الحليم وشادية والرومانسية، ولا سنرى سرادقات للأفراح تلتف فيها المعازيم حول مطرب وتخته وهو يعيد ويرتجل في الدور، هذه أجواء كانت مصاحبة لحالة سياسية واجتماعية وثقافية عاشها القطر المصري في الفترة ما بين 1860 إلى 1970، فعودة أو استمرارية الغناء الكلاسيكي بشكله القديم مكانه محدود، مجرد أرشفه تاريخية، ولكن ما يمكن ويجب أن نعمل ويكون له استمرارية هو القواعد والأصول التي ورثناها من عقود العمل في الموسيقي الشرقية، ومن هنا ينطلق الدارس لإنتاج شخصي لحنا كان أو غناء أو عزفا، ومن الضروري أن يجد هذا اللون مكانا في قنوات التليفزيون وفي العروض الرسمية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search