زوايا

طفو غير حر.. الجنيه السوداني يندفع إلى “تعويم مجهول”

ما إنْ أعلن وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، السبت المنصرم، تحرير سعر الجنيه السوداني جزئيا، تعويم  جزئي، حتى ارتفع سعر تداول الجنيه في القنوات الرسمية (البنوك والصرافات) مقابل الدولار الأمريكي من 55 جنيها للدولار الواحد (السعر الرسمي) إلى 375 جنيها، وهو السعر الذي يتم التعامل به في السوق الموازية (السوداء).

وبحسب بيان صادر عن بنك السودان المركزي، فإن قرار تحرير سعر صرف الجنيه السوداني، يُسهم في توحيد واستقرار سعر الصرف بتحويل الموارد من السوق الموازية إلى السوق  الرسمية، بما يُمكّن من استقطاب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج عبر القنوات الرسمية،  ويشجع على تدفقات الاستثمار الأجنبي، فضلا عن  تطبيع العلاقات مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية والدول الصديقة، بما يضمن استقطاب تدفقات المنح والقروض من الخارج ويُحفز المنتجين والمصدّرين ويحد من تهريب السلع والخدمات ويمنع سيطرة المضاربين على سوق العملات الحرة.

الجنيه السوداني

يأتي قرار المالية السودانية في ظل غلاء طاحن ووضع معيشي مُزرٍ يعاني منه السودانيون،  إلا أنّ “إبراهيم” قال في مؤتمر صحفي عقب قرار التعويم، إن الخطوة ضرورية لمعالجة ما سمّاها بـ”الاختلالات الهيكلية المزمنة في الاقتصاد الوطني والعجز المستمر في ميزان المدفوعات والموازنة العامة للدولة”، ما أدّى إلى زيادات متوالية في معدلات التضخم وتآكل في سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، حسب قوله.

وأضاف وزير المالية السوداني أنّ القرار صدر بعد دراسة مُستفيضة، آخذا في الاعتبار ما قد ينجم عنه من ارتفاع لأسعار السلع والخدمات الأساسية، الأمر الذي يُمثّل عبئا إضافيا على المواطنين، لذلك وضعت وزارته خطة لدعم الشرائح الفقيرة الأكثر تأثرا بالقرار، عن طريق التعويض النقدي المباشر، أو عبر برنامج “سعلتي”، الذي يطرح أسعارا مُخفضة للسلع الأساسية.

تطمينات “جبريل” وتحذيرات الخبراء

رغم تطمينات “جبريل”، فإن قرار “تعويم” الجنيه السوداني، وجد الكثير من الانتقادات، فيما اعتبره مراقبون قرارا جريئا وسلاحا ذا حدين، خاصة في ظل حالة السيولة الاقتصادية والسياسية التي يعيشها السودان، لكنّ بعضهم أكّد أنه لم يكن أمام الحكومة السودانية خيارٌ آخر، بعد أن سيطر المضاربون في العملات الصعبة، من أنصار نظام عمر البشير، على مفاصل السوق الموازية وعمدوا إلى تخريب الاقتصاد.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم

بالنسبة لهديل علي، للباحثة في الاقتصاد السياسي، فإنّ الخشية من تعويم الجنيه السوداني “غير مبررة”، بشرط أن تلتزم حكومة عبد الله حمدوك التزاما صارما بخططها لدعم الفقراء وذوي الدخل المحدود، وهذا يحتاج إلى آلية رقابية فعّالة وبصلاحيات واسعة في بلد مثل السودان ينخر الفساد عظمه.

غير ذلك، تضيف “علي”: فإن التعويم، يعني ببساطة ترك أمر تحدي سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية لآلية العرض والطلب -وهي آلية تُحدد مُجمل أسعار السلع والخدمات والتكنولوجيا، فلمَ تُستثنَ الُعملات منها؟- فإن هذا يُحدث خللا في الاقتصاد السوداني ويودي به.

تستطرد “علي” في حديثها إلى “ذات مصر”: نظام تحرير سعر الصرف وإخضاعه لآلية العرض والطلب معمول به في كل الاقتصادات العالمية الضخمة، في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها، ولا يمكن أن يتقدم الاقتصاد دون “تعويم العملة”، إذ تسمح الخطوة بنوع من الاستقلالية للسياسة النقدية للدولة، وهذا ما يحقق لاحقا استقرار أسعار السلع والخدمات والدواء، ويُحفّز الإنتاج والاستثمار، ويخلق فرص عمل، ويُسهل التكيّف مع الصدمات الطارئة ويخفف من تأثيرها على النشاط الاقتصاد، ويُعزّز نمو القطاع المالي، ويخلق آلية تصحيحية تلقائية لحالات عدم التوازن التي تطرأ على ميزان المدفوعات، فإذا حدث عجز فيه يمكن تغطيته بسهولة من فائض المعروض من العملة المحلية، ما يؤدي إلى انخفاض سعر الصرف، وبالتالي انخفاض تكلفة تصدير البضائع، ونتيجة لذلك، ترتفع الصادرات وتنخفض الواردات ويزيد الطلب على العملة المحلية، وهذا يحفز الصادرات ويشجع الاستيراد أيضا.

بنك السودان المركزي

خطوات تم تجاوزها

تمضي الباحثة في الاقتصاد السياسي قائلة: “ومع ذلك، يجب التعامل مع هذه المزايا الكثيرة بنوع من الحذر في ظل اقتصاد يكاد يكون صفرا كبيرا، كالاقتصاد السوداني، فهذه الخطوة تتطلب مئات الخطوات الداعمة الأخرى كي تسفر عن نتائج إيجابية، أولها دعم الإنتاج والتصنيع، على الأقل تصنيع المواد الأولية، وإنشاء بنية تحتية قوية، وتوفير الطاقة اللازمة لإدارة العمليات الإنتاجية، وحوكمة المعاملات والإجراءات الرسمية وفتح البلد للأجانب استثمارا وسياحية، وتخفيف الرسوم الجمركية والضرائب وضبط الصادرات والواردات، ومحاربة الفساد والشفافية، فإلى الآن لا يحقق السودان شرطا واحدا من هذه الشروط، فهل سيسعف الوقت الحكومة لتفعيل كل ذلك بعد أن اتخذت القرار وأصبح أمرا واقعا؟”.

تؤكد “هديل” أنها “ليست متشائمة”، مضيفة: “لكنني لست شديدة التفاؤل، فغاية ما أستطيع قوله، إن الخطوة ضرورية ولا مفر منها، وأنها ستسهم فعلا في حماية الاقتصاد الصدمات والضغوط الخارجية وتوفير الحد الأدنى من احتياطي النقد الأجنبي وتعزز التجارة الدولية وتشجع الاستثمار، وهذه أمور جيدة”.

سوق شعبية سودانية

ضربٌ تحت الحزام

من جهته وصف المحلل الاقتصادي عادل محمود، في حديثه إلى “ذات مصر”، ما أطلق عليها “عملية الضرب على حزام المواطن الفقير” بـ”الخطوة الخطرة”، ليس فقط في ارتفاع أسعار السلع والخدمات الضرورية، بل حتى على حركة الصادر والوراد، فارتفاع أسعار السلع المحلية، برأيه، سيجعل المستوردون الأجانب يحجمون عن شرائها، ما يؤدي إلى انخفاض الطلب عليها، وينتج عن ذلك زيادة في الواردات نتيجة انخفاض أسعارها بالنسبة للمستوردين المحليين، فيضعف الإنتاج ويحدث عجز بالميزان التجاري.

ووفقا لـ”محمود”، فإن “تعويم” العملة المحلية بشكل عام، وفي مثل هذه الظروف الحرجة التي يمر بها السودان، ستكون نتيجته الحتمية متمثلة في ارتفاع تكاليف الاستثمار وسعر الفائدة، وبالتالي  يمكن أن يحدث انكماش اقتصادي، علاوة على أن سعر الصرف المرن الناجم عن “التعويم” سيخلق حالة ارتباك وعدم يقين في التجارة والاستثمار، فلا أحد يدري كم سيكون سعر صرف الدولار بعد ثوانٍ من الآن، فكيف يضع التقديرات المالية لخططه الاستثمارية ذات المدى الطويل؟.

يستدرك: “صحيح أنه يُمكن التقليل من ذلك عبر عقود الصرف الآجلة، لكن ليس في حالة السودان، الذي يعاني هشاشة غير مسبوقة في أوضاعه الاقتصادية والمعيشية”.

غالبًا ما يؤدي تحرير سعر الصرف إلى تثبيط الاستثمار الأجنبي، وبالتالي يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وينعكس سلبيا على حركة الأرباح والخسائر لصفقات الاستثمار الأجنبي، فضلا عن أنه يشجع على المضاربة بنطاق واسع، لأن أسعار الصرف الأجنبي غير معروفة سلفا، كما هو الحال في سعر الصرف الثابت، وهذا يخلق نموا في فئة المضاربين في الأموال الساخنة، يخزّنون كُتلا من النقد الأجنبي وينتظرون انخفاضها ليشتروا المزيد، وما أن ترتفع يقومون ببيعها، وهكذا، يمكن أن تنمو طبقة طفيلية تدمر الاقتصاد، ومثل هذه الحالة كثيرة في السودان الذي يعاني ضعفا اقتصاديا.

لم ينجح أحد

بجانب ذلك، لا بُدّ أنْ نُدرك أنّ المرونة نفسها، منخفضة بطبيعتها، حتى في الأسواق العالمية، فعندما تكون مرونة الاستيراد والتصدير منخفضة للغاية، تصبح سوق الصرف غير مستقرة، فتنخفض قيمة العملة المحلية، خاصة تلك الضعيفة أصلا كالجنيه السوداني، وهذا يؤدي إلى زيادة العجز في ميزان المدفوعات، ويكرس لحالة عدم اليقين ويقلل حجم التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي، ويؤثر سلبيا على الهيكل الاقتصادي للبلاد، فأسعار الصرف المتقلبة والمتغيرة بين لحظة وأخرى تزعزع الاستقرار الاقتصادي، كما أن تدفقات رؤوس الأموال الخارجية غير الضرورية تفاقم من أنشطة المضاربات، وفي هذه الحالة يميل المنتجون والتجار إلى اكتناز الأموال عوضا عن ضخها في العملية الإنتاجية، في انتظار ارتفاع وانخفاض سعر الفائدة ليشرعوا في المضاربة.

باختصار شديد- يختم “محمود”-  فإن  تحرير سعر الصرف في الدول ذات الاقتصادات الضعيفة مثل السودان، يؤدي إلى ركود تضخمي، أي ارتفاع جنوني في الأسعار يصاحبه انخفاض مستمر في قيمة العملة المحلية، فضلا عن جمود في الأنشطة الإنتاجية وفقدان للحيوية الاقتصادية، وبعبارة واحدة، فإن هذا النظام، الذي أُسس بين الحربين العالميتين لم ينجح قط، ولا يمكن التأسيس لاقتصاد حقيقي وفقه.

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى