فنّ صناعة المستحيل

جلس المستشار المالي الإنجليزي في مكتبه بالقاهرة واجمًا، تُقلقه الأنباء المتوالية عن جهود إنشاء أول بنك مصري، وتزعجه ما تتداوله أوساط الساسة ورجال الأعمال من أخبار الاستجابة الشعبية الواسعة للمشروع.

استدعى “طلعت حرب” للقائه محاولًا تثبيطه قائلًا: “كنت أظنك رجلًا عاقلًا.. هل تتصور أن المصريين يمكنهم أن يديروا بنكًا؟.. إنها صناعة الأجانب وحدهم.. أنصحك أن تشرك معك بعض الأجانب لتعطي المصريين ثقة في هذا البنك”. لكنّ “طلعت حرب” ردّ بهدوء: “لقد قررت أن يكون البنك مصريًّا مائة بالمائة حتى نعفيكم من مشاركتنا في هذا الفشل”.

طلعت حرب

“طلعت باشا حرب”، رائد الاقتصاد والصناعة، والبنّاء المصري الأعظم في القرن العشرين، وهب حياته لبناء اقتصاد وطني، في ظروف غاية في الصعوبة، واحتلال لا يريد لمصر نهضة أو تقدمًا. حقق ما كان يظنه الناس أحلامًا، فشُيدت صروح، ودارت مصانع، ومهدت طرق، وتحركت أساطيل نقل، برًّا وبحرًا وجوًّا. وأتم كل هذا خلال ثلاثة عقود بدأت عام 1911، عندما أصدر كتابه “علاج مصر الاقتصادي ومشروع بنك المصريين”، وانتهت بإجباره على الاستقالة من رئاسة بنك مصر عام 1941.

في مطلع القرن العشرين، بدأت بريطانيا وفرنسا في التلميح لرغبتهما بمد عقد احتكار قناة السويس 40 عامًا أخرى، فتصدى “طلعت حرب” لهذا المخطط، ووضع كتابه “قناة السويس” لإبطال دعاوى لندن وباريس حول القناة، وقد كان لهذا الكتاب دور بالغ الأهمية في مواجهة الأطماع البريطانية الفرنسية في القناة.

عقب انتهاء أحداث ثورة 1919، دعا “طلعت حرب” الشعب المصري إلى الاكتتاب العام لإنشاء أول بنك مصري، يكون منطلقًا للاستقلال الاقتصادي، والتحرر من التبعية المالية للأجانب، وقد تكللت جهود الرجل بالنجاح. ففي 5 إبريل 1920، صدر مرسوم من سلطان مصر “أحمد فؤاد”، بتأسيس شركة مساهمة باسم بنك مصر من عدد من المساهمين، على رأسهم “أحمد مدحت يكن باشا”، و”يوسف أصلان قطاوي باشا”، وهو من كبار الأعيان اليهود، و”محمد طلعت حرب بك”، و”عبدالعظيم المصري بك”، و”عبدالحميد السيوفي بك”، و”الطبيب فؤاد سلطان بك”، و”إسكندر مسيحة أفندي”، و”عباس بسيوني الخطيب أفندي”. وتم الاحتفال بتأسيس البنك يوم 7 مايو 1920، بدار الأوبرا السلطانية. وكان رأس ماله عند الافتتاح 80 ألف جنيه، ظلت تتضاعف بمرور السنوات مع اتساع نشاط البنك، وزيادة الثقة في نجاحه واستقراره.

لم تحاول سلطات الاحتلال الإنجليزي عرقلة مشروع بنك مصر، وهو ما يرجعه الدكتور “يونان لبيب رزق” إلى حالة الغليان التي سادت الشارع المصري عقب ثورة 1919، حيث آثرت بريطانيا ألا تدخل في مواجهة شعبية، أو أن تثير الغضب الجماهيري برفض إقامة البنك. كما رجّحت سلطات الاحتلال أن يفشل المشروع سريعًا، بسبب صغر حجم رأس ماله، وقلة خبرة المصريين في الشأن المصرفي.

لكن جاءت الرياح على غير ما اشتهت بريطانيا، فقد كان لإنشاء بنك مصر أثر ضخم على الحياة المصرية سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا وفنيًّا، فقد تأسست من خلال البنك 20 شركة كبرى، من أهمها: شركة مصر للطباعة عام 1922، وشركة مصر لصناعة الورق، ومصر لحلج القطن عام 1923، أما عام 1925 فمثّل نقلة هامة في اهتمامات “طلعت حرب” تكشف عن اتساع أفقه وإدراكه دور الفن في النهوض بالمجتمع، حيث أنشأ شركة مصر لصناعة السينما “أستديو مصر”.

ثم توالت المشاريع الكبرى: شركة مصر للغزل والنسيج، مصر لمصايد الأسماك، مصر للكتان، مصر للنقل والشحن، مصر للمناجم والمحاجر، مصر لصناعة وتكرير البترول، مصر للألبان والتغذية، مصر لتجارة وتصنيع الزيوت، مصر للمستحضرات الطبية والتجميل، وغيرها من الشركات التي مثلت علامات فارقة في مسيرة الاستقلال الاقتصادي.

بنك مصر عند تأسيسه

وبذل “طلعت حرب” جهودًا كبيرة لإنشاء شركة مصرية للطيران، وتكللت جهوده بالنجاح في 27 مايو 1932، حيث صدر مرسوم ملكي بإنشاء شركة مصر للطيران كأول شركة طيران في الشرق الأوسط برأس مال 20 ألف جنيه، وبعد عشرة أشهر زاد رأس مالها إلى 75 ألف جنيه، وقد بدأت الشركة بطائرتين من طراز دراجون موت ذات المحركين تتسع كل منهما لثمانية ركاب، وكان أول خط من القاهرة إلى الإسكندرية ثم مرسى مطروح، وكان الخط الثاني من القاهرة إلى أسوان. وفي عام 1934 بدأ أول خط خارجي للشركة من القاهرة إلى القدس .
شغل “طلعت حرب” منصب نائب رئيس بنك مصر والعضو المنتدب، وبينما ظل “أحمد مدحت يكن” رئيسًا شكليًّا للبنك، حمل “حرب” المسئولية الكاملة عن إنشاء البنك وإدارته واتساع نشاطه وانتشار فروعه في أنحاء القطر المصري، واستدعى الخبير الألماني “فون أنار” لوضع النظم الإدارية للبنك، وأرسل بعثات من الشباب إلى إنجلترا وألمانيا وسويسرا للتدريب على العمل المصرفي، وانتقل مقر البنك من شارع أبو السباع إلى مقره المتميز بشارع محمد فريد، وقد حرص حرب على وحدة الطراز المعماري لكل مقرات البنك، وقاد بنفسه حملة لتشجيع الشعب على الادخار، حتى تلاميذ المدارس، وزع عليهم “حصالات” ليدخروا فيها قروشهم القليلة ثم يستعيدها منهم ويفتح لهم بها دفاتر توفير.

وامتدت آثار الرجل إلى خارج مصر، فزار الحجاز عام 1936، فكان له الفضل في تدشين أول طريق مرصوف بين مكة وجدة، كما أسهم في إنشاء مرفق الإسعاف الكامل بمكة، ودعته الحكومة العراقية لزيارة بغداد ثم زار بعدها دمشق وبيروت، وأسفرت الزيارة عن إنشاء بنك مصر سوريا لبنان، ووظف الرجل علاقاته الخارجية لخدمة بنك مصر ومشاريعه، فقد كان –من قبل- عضوًا بمجالس إدارات عدة شركات أجنبية، كما أنشأ في باريس بنك مصر فرنسا عام 1936.

بالطبع لم تحتمل سلطات الاحتلال النجاح الكبير لطلعت حرب، وبنك مصر، فكان لا بد من افتعال أزمة لإقصاء الرجل الذي حقق المستحيل، ونسف ما يروجه الاحتلال من أن المصريين لا يفهمون إلا في الزراعة. ففي عام 1939 تدفق آلاف المودعين لسحب مدخراتهم، ثم تفاقمت الأزمة بعد أن قرر صندوق البريد المصري سحب ودائعه، كما رفض البنك الأهلي أن يقرضه بضمان محفظة الأوراق المالية، واضطر “حرب” إلى أن يلجأ لوزير المالية “حسين سري باشا” لحل الأزمة، إلا أن الوزير قال له: الأزمة يمكن حلها فورًا بشرط وحيد، هو استقالتك من إدارة البنك، فقال الرجل والحسرة تملأ كيانه: ليذهب طلعت حرب ويبقى بنك مصر.

بنك مصر حديثًا

عقب الاستقالة، ذهب الرجل المحزون إلى قرية العنانية بمركز فارسكور بدمياط، وعاش بعيدًا عن الأنظار والصخب والإعلام، وبعد نحو عامين، وفي 13 أغسطس عام 1941 فاضت روحه إلى بارئها محزونًا مقهورًا مظلومًا يشغر بالغبن والنكران، لكن مندوب الملك كان على رأس المشيّعين، وكذلك رئيس الوزراء، وكبار الشخصيات السياسية: أحمد ماهر باشا، وأحمد حسنين باشا، وشيخ الأزهر مصطفى المراغي، ووكيل بطريركية الأقباط، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية، وممثلو المفوضيات الأجنبية. ورثاه الشعراء ومنهم صالح جودت في قصيدة شهيرة.
نال “طلعت حرب” في حياته كثيرًا من الأوسمة والنياشين، من الحكام تكريمًا له، فعقب افتتاح شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة، منحه الملك فؤاد لقب صاحب السعادة، ورتبة باشا، وأهداه الملك السعودي عبدالعزيز كسوة باب الكعبة تقديرًا لجهوده في إنشاء عدد من المشروعات بالحجاز. أما التكريم الرسمي والشعبي الحقيقي للرجل فكان بعد قيام ثورة 1952، ففي فبراير عام 1957، أقامت الدولة حفلًا ضخمًا لتكريم الرجل، وشدت أم كلثوم بألحان السنباطي قصيدة صالح جودت “اذكروه خلدوه”، وفيها بيت يقول: قلت لما لم يقم تمثالُه.. خير تمثال له أعماله، وهو ما تحقق عام 1960 حين أمر الزعيم جمال عبدالناصر بإطلاق اسم طلعت حرب على ميدان سليمان باشا بقلب القاهرة، وتسمية الشارع باسمه، أما في الذكرى الستين لتأسيس بنك مصر فأمر الرئيس الراحل أنور السادات بمنح طلعت حرب قلادة النيل العظمى، أرفع وسام مصري على الإطلاق.
كما كُتبت عن الرجل أبحاث ودراسات وكتب كثيرة، في مصر وخارجها، لكن بقي تكريمه الأكبر في حب الشعب له، وتقديره لجهوده، بينما انمحت أسماء شانئيه من ذاكرة الجماهير التي تتطلع إلى صورته بإجلال كلما دخل أحدهم مقرًّا من مقرات بنك مصر.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبو زيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram