بورتريهمختارات

طه الفشني.. ديوان الإنشاد الساحر

 

على الرغم من المتعة الفنية الكبيرة التي نجدها عند الاستماع إلى تسجيلات الشيخ طه الفشني، فإن هذه التسجيلات لا تنقل إلينا الحقيقة الكاملة، فأطولها لا يتجاوز النصف ساعة، وصحائف التواتر تخبرنا أن الرجل كان ينشد القصيدة في مدة تتجاوز أحيانا 4 ساعات متصلة، ومن نوادره الطريفة المشهورة في هذا المقام أنه أحيا ليلة في مدينة ديروط بأسيوط، وبينما هو يؤدي مقطعًا من إنشاده، فوجئ بعمدة ديروط يقسم عليه بالطلاق أن يظل يردد نفس المقطع حتى مطلع الفجر، ولم يجد المنشد القدير بُدًّا من الاستجابة للعمدة الصعيدي.

لا تكاد الكلمات تُسعف كاتبًا يريد أن يصف صوت الشيخ طه، فلسنا أمام صوت جميل، بل فائق الجمال، ولسنا بصدد أداء جيد، بل أداء قدير متمكن يكاد يبلغ حد الإعجاز.. كل ذلك كان دليلاً على حيازة الفشني كل الشروط التي تؤهله ليكون أحد أهم أركان مدرسة الإنشاد الديني المصرية، وأحد أبرز المنافسين على المرتبة الأولى في تاريخ هذا الفن العريق، وأن يكون ضمن الثلة العبقرية التي جمعت بين التلاوة والإنشاد باقتدار بالغ.

الفشني

حفظ الشيخ طه القرآن وهو صبي لم يجاوز 10 سنوات، ثم تخرج في مدرسة المعلمين.. أراد والده أن يصير ابنه قاضيًا شرعيًّا، وبالفعل، غادر الشاب الصغير بلدته، الفشن، بمحافظة بني سويف إلى القاهرة للالتحاق بمدرسة القضاء الشرعي، إلا أن أحداث ثورة 1919 حالت بينه وبين إتمام غايته، فعاد إلى بلدته، ووقتها، لم يكن أحد يعلم أن هذا الفتى سيكون أحد أعظم رواد الإنشاد الديني، وأنه يمتلك صوتًا مفرط العذوبة.. وفي مسقط رأسه نشط في ميدان تلاوة القرآن والإنشاد الديني حتى ذاع صيته في القرى والمراكز المجاورة.

لم يقنع الفشني بالبقاء في مسقط رأسه، وظل أمل الانتقال إلى القاهرة يلوح أمام ناظريه، إلى أن عزم أمره وعاد مرة أخرى ليلتحق بالجامع الأزهر بغرض دراسة علوم القراءات التي تلقاها على يد الشيخ عبد العزيز السحار، لكن المدرسة الكبرى التي تعلم فيها الفشني تمثلت في بطانة الرائد الفني الأكبر، الشيخ علي محمود.

الفشني يتلو القرآن في عزاء الرئيس جمال عبد الناصر

موهبة طه الفشني أتاحت له مكانًا ليكون عضوًا ببطانة الشيخ علي، التي أخرجت لمصر عددًا من أعلام الموسيقى والغناء، على رأسهم الموسيقار العملاق زكريا أحمد.. كان فن الإنشاد يمر بمرحلة ازدهار، ولم يكن هناك مكان إلا للمواهب الفذة، والأصوات القديرة، وكانت الجماهير تُفتتن بأداء علي محمود الساحر، وتعامله المحكم مع فرقته، لكن لم تكن بطانة علي محمود هي المكون الفني الوحيد لطه الفشني، فقد تتلمذ الشاب الموهوب على يد الموسيقي الكبير الشيخ درويش الحريري، فنهل من علم المقامات وأفانين الطرب، وفي مرحلة مبكرة من عمره طلبت منه شركات أسطوانات تسجيل أغنيات عاطفية، وبالفعل سجل الشيخ طه غناءه على أسطوانتين، لكنه سرعان ما عاد إلى التلاوة والإنشاد ليكون أحد أعلامها الكبار المبرزين.

كان عام 1937 مفصليًّا في مسيرة طه الفشني، فقد أتاح له الشيخ علي محمود أن يقعد مكانه، ويقرأ القرآن في محفل كبير بحي الحسين، وكان من بين الحضور سعيد باشا لطفي، رئيس الإذاعة وقتئذ، وأدى الشيخ طه تلاوته أداء باهرًا، فلما انتهى من القراءة أقبل عليه سعيد باشا مثنيًا ومشيدًا، وطلب منه ضرورة الالتحاق بالإذاعة ليشنّف صوته آذان المستمعين في كل مكان، وليكون ثالث قارئ تتعاقد معه الإذاعة بعد الشيخين الكبيرين، محمد رفعت وعبد الفتاح الشعشاعي، ومن يومها عرفت الجماهير العريضة هذا الصوت النادر، واشتهر الشيخ طه باعبتاره أحد القلائل الذين جمعوا بين تلاوة القرآن والإنشاد الديني، مع تفوق عظيم في الفنّين.

الفشني وبطانته وموشح “يا من يُرجى”.. من ألحان الشيخ زكريا أحمد

مع صعود نجمه وإجماع النقاد على عظمة صوته، دُعي الشيخ الفشني للقراءة في القصر الملكي خلال شهر رمضان، ورافق المقرئ الكبير مصطفى إسماعيل في التلاوة بقصر عابدين بالقاهرة، وقصر رأس التين بالإسكندرية.

امتلك الشيخ الفشني صوتًا عظيمًا وحنجرة نادرة، وكان قادرًا على أداء أصعب القصائد وأعقد الألحان في سلاسة وجزالة وطرب، ويرى عدد من الباحثين الموسيقيين أن صوت الفشني يشغل مساحة ديوانين موسيقيين (أوكتافين) كما أنه امتلك القدرة على التطريب بكل درجات صوته، سواء أكان في الدرجات الخفيضة (القرار) أم الوسطى أم العليا (الجواب)، وبعد رحيل الشيخ علي محمود، صار الفشني النجم الألمع في عالم الإنشاد، تكتظ المساجد والسرادقات بجماهير المتعطشين للاستماع إلى صوته وفنه.

ومما جادت علينا به الأقدار من تسجيلات الفشني عدد كبير من القصائد الصعبة الرصينة، منها: ألا زعمت ليلى بأني أحبها، يا سرحة بجوار الماء، إلهي أنت للإحسان أهل، بُشراك يا نفس إن الصوم زكّاك.. كما وصلنا عدد من تواشيحه مع البطانة، ومنها: يوم أغرّ وليلة غرّاء، ترنم يا شجي الطير، لي فيكِ يا أرض الحجاز حبيب، ميلاد طه أكرم الأعياد، اسقني في ألحان راحي.

وبالطبع، فإن جماهير الإنشاد الديني لا يمكن أن تنسى تسجيله لقصيدة “يا أيها المختار”، التي أنشدها في مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، وهي قصيدة من نظم الشيخ المقرئ الحافظ ندا علي ندا، ومطلعها: يا أيها المختار من خير الورى.. خُلقًا وخَلقًا في الكمال توحدا.. وأما اللحن فللموسيقار والمطرب الشيخ مرسي الحريري، تلميذ الموسيقي المؤرخ كامل الخلعي، والموسيقي المرجع الشيخ درويش الحريري.

قصيدة يا أيها المختار.. من أعظم ما وصلنا من تسجيلات الفشني

وفي هذا العمل، تنطلق البطانة باللحن من مقام البياتي في تماسك مدهش، ثم يدخل الشيخ بصوته بالغ الرقة ليصول بجمل ارتجالية، وهو ما سيفعله خلال القصيدة كلها: تنشد البطانة الأبيات باللحن الموضوع مسبقًا، ثم يكررها الفشني أو أجزاء منها ارتجالاً، ثم يسلم للبطانة تسليمًا سلسًا عبقريًّا.

تعامل الفشني مع عدد من كبار الملحنين، وعلى رأسهم الشيخ زكريا أحمد، ومرسي الحريري، وسيد شطا.. كما أدى أعمالاً من تلحين المشايخ علي محمود، ودرويش الحريري، ومحمود صُبح، وإسماعيل سكّر، وغيرهما من الأعلام.

من ألحان زكريا أحمد ينشد الفشني مع بطانته “ما شممت الورد”

كان الفشني مؤذنًا بارعًا، وعقب رحيل علي محمود أصبح الشيخ طه كبير مؤذني مسجد الحسين، ومن حسن الحظ أن وصلتنا عدة تسجيلات لأذانه بمقامات البياتي والحجاز والراست.

ولد الشيخ طه مرسي الفشني عام 1900، ورحل عن دنيانا صباح 10 ديسمبر/ كانون الأول 1971، وبين ميلاده ورحيله كانت رحلته الفنية الباهرة، ومن معالمها المهمة أنه عُيّن قارئًا لجامع السيدة سكينة سنة 1940 حتى وفاته، واختير رئيسًا لرابطة القراء خلفًا للشيخ عبد الفتاح الشعشاعي عام 1962، ورغم توالي العقود على رحيله ظل صوت الشيخ الفشني سببًا قويًّا من أسباب اللذة الفنية والطرب المُسكِر.

 

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى