طويلة وعالية وقاتلة

رميات جرونيمارك.. سلاح ليفربول السري

في أثناء قيادته سيارته مع زوجته وطفليه في الريف الدنماركي، رن هاتف توماس جرونيمارك. كان رقم المتصل على الشاشة يبدأ بكود الاتصال بدولة إنجلترا (44+)، فظنه رقم إحدى شركات التأمين أو المحاسبة التي اعتادت الاتصال به لتقديم الخدمات إلى شركته الخاصة.

عند المرور بأول متجر للشيكولاتة ألحّ عليه أحد طفليه للوقوف وشراء بعض الحلوى، فوجدها توماس فرصة مناسبة للبحث عن الرقم الذي اتصل به منذ قليل. فتح المدرب الدنماركي صندوق بريده الصوتي، فوجد رسالة من الرقم ذاته تقول:

“أنا يورجن كلوب، المدير الفني لنادي ليفربول الإنجليزي. رجاءً عاود الاتصال بي في أقرب وقت ممكن”.

نص الرسالة الصوتية التي تركها كلوب لجرونيمارك.

لم يصدق الرجل نفسه. وبمجرد وصوله إلى أقرب منطقة خضراء، ترك طفليه وزوجته واتصل بكلوب. أخبره كلوب أنه يريد مقابلته في “ميلوود”، معقل تدريب الريدز، في أقرب وقت ممكن.

كلوب وتوماس جرونيمارك

في عام 2004 وفي أثناء وجوده كلاعب في المنتخب الدنماركي للتزحلق على الجليد، كان جرونيمارك يصور حلقات الكورس الأول له: “النقاط الثلاث – Three Points” عن رميات التماس.

إنْ كنت تتعجب من اهتمام لاعب التزحلق على الجليد برميات التماس في كرة القدم، دعني أخبرك أن قبل هذا التاريخ بنحو 10 سنوات كان هذا الفتي الدنماركي يمارس كرة القدم، ويلعب في المنتخب الدنماركي لكرة القدم تحت 19 عامًا، بجوار لاعب ريال مدريد السابق توماس جرافيسن. لكن مشواره انتهى مبكرًا للغاية، واتجه إلى ألعاب القوى والتزحلق على الجليد.

“في أثناء ممارستي كرة القدم، ذهبت إلى المكتبة مرات عديدة للبحث في الكتب عن رميات التماس ولم أجد شيئًا.. حتى واضعو قوانين اللعبة عام 1863 لم يذكروا أي تفاصيل عنها في الكتب إلا في نصف سطر”.

توماس جرونيمارك في لقائه مع شبكة ESPN.

انتهى مشوار جرونيمارك مع كرة القدم مبكرًا، لكن مشواره مع رميات التماس لم ينتهِ. شغف غريب؟ ربما، لكن هذا الشغف هو الذي سيجعل المدير الفني لبطل الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا يتواصل معه بعد 25 عامًا تقريبًا.

منذ عام 1994 وجرونيمارك يتدرب على رميات التماس. يحلل كيفية استلامها بطريقة مثالية، وإحصاءاتها في الملاعب الأوروبية، وأفكار تطويرها. لم يكتفِ الدنماركي بالدراسة النظرية فقط، بل مارس العديد من الحيل البدنية لزيادة طول رمية التماس، وبالفعل نجح في عام 2010 في كسر الرقم القياسي المسجل في موسوعة جينس لأطول رمية تماس برقم وصل إلى 51.33 متر.

الآن عرفنا من هو توماس جرونيمارك. لكن ماذا كان يريد منه يورجن كلوب؟

توماس جرونيمارك يدرب لاعيبي ليفربول

في عام 2018 انتقل أندريا بولسين لاعب فريق ميتلاند الدنماركي، إلى مونشنجلادباخ الألماني. صاحَبت هذا الانتقال تغريدة من المدرب الدنماركي إلى المدافع الأيسر، يهنئه فيها بالانضمام إلى البوندزليجا، ويوضح كيف ساعده في نادي ميتلاند أن يزيد من طول رمية التماس التي يلعبها من 24.25 متر إلى 37.9 متر.

لاقت التغريدة اهتمام أحد محرري صحيفة بيلد الألمانية، فتواصل مع جرونيمارك وأجرى معاه حوارًا ليشرح فيه دوره كمدرب لرميات التماس في نادي ميتلاند الدنماركي، وكيف يزيد من مهارة اللاعبين في هذا الجزء من اللعبة الذي لم يهتم به أحد من قبل.

يورجن كلوب، الذي كان قد خسر منذ أيام قليلة أمام ريال مدريد الإسباني في نهائي دوري أبطال أوروبا، قرأ حوار توماس، وتذكر على الفور إحصائية فريقه المتراجعة للغاية في الاستحواذ على الكرة عقب رميات التماس، خلال الموسم المنقضي لتوه من البريميرليج.

استطاع ليفربول في موسم 2017/18 الاستحواذ على الكرة في 45.5% من المرات التي حصل الفريق فيها على رميات التماس.

قبع ليفربول بهذه الدرجة في أسفل ترتيب البريميرليج لهذه الإحصائية، (المركز 18)، ولم يأتِ بعده سوى فريقين: سوانزي سيتي (43.8%) وهيدرسفيلد (42.1%).

تواصل كلوب مع المدرب الدنماركي بعد تقرير صحيفة بيلد؛ وبدأت رحلة جرونيمارك مع ليفربول من ناحية، ومع المجد والشهرة من ناحية أخرى.

“يورجن كلوب قائد ومستمع جيد للغاية.. لم يدّع أنه يعرف ما أقوم به كغالب المدربين، بل قدمني للاعبين بأنني شخص سيعالج قصورًا ما داخل الفريق.. لقد ساعدني على كسب ثقة اللاعبين سريعًا“.
توماس جرونيمارك عن استقبال يورجن كلوب في أول يوم له داخل تدريبات ليفربول.

ثورة ليفربول

نحن الآن في عام 2020.. ليفربول بطل الدوري الإنجليزي الممتاز لموسم 2019/20، وبطل دوري أبطال أوروبا لموسم 2018/19.. فهل كان لتوماس جرونيمارك دور في ذلك؟ الأرقام تجيب.

في فيديو تحليلي نشرته منصة “Tifo Football” عقب الموسم الأول للمدرب الدنماركي مع ليفربول، قال الصحفي الإنجليزي “بِن جاكوب” إن نسبة استحواذ فريق ليفربول على الكرة في رميات التماس في نهاية موسم 2018/19 -أي بعد موسم واحد من عمل جرونيمارك- ارتفعت من 45.4% إلى 68.4%، ليتربع بها على عرش أندية البريميرليج، بعد أن كان في المركز الـ18 قبل عام واحد.

الجزء المثير في الأمر ليس هنا.. يقول بن جاكوب إن ليفربول بهذه النسبة لم يحتل المركز الأول في إنجلترا فحسب، بل جاء في المركز الثاني على مستوى القارة الأوروبية قاطبة، رغم أن البريميرليج يحتل المرتبة الأخيرة بين الدوريات الخمس الكبرى في الاستحواذ على الكرة بعد رمية التماس بـ48.6%. أما في الليجا الإسبانية فتبلغ 52.4% وفي الدوري الفرنسي 50.2%، وفي الدوري الإيطالي 49.2% وفي البوندزليجا 48.8%.

هل تعلم بعد مَنْ جاء ليفربول في صدارة ترتيب القارة العجوز لتلك الإحصائية؟ لا، ليس بعد ريال مدريد ولا برشلونة، ولا مانشستر سيتي أيضًا.. جاء ليفربول في المرتبة الثانية أوروبيًّا بعد فريق ميتدلاند الدنماركي الذي يدربة جرونيمارك أيضًا، والذي تصل نسبة استحواذه على الكرة من رميات التماس إلى 70.2% وأحرز في أربعة مواسم 35 هدفًا من ألعاب بدأت برميات تماس

كيف يفعل جرونيمارك كل هذا؟

منذ أيام قليلة أجرت صحيفة الجارديان البريطانية حوارًا مطولاً مع المدرب الدنماركي، وسأله الصحفي كاسبر ستينباخ عن سر التطور الذي تشهده الفرق التي يدربها في رميات التماس.

توماس جرونيمارك

أجاب جرونيمارك أن سر رمية التماس الناجحة في ثلاثة أشياء: الطول والسرعة والدقة، لكن يظل الأمر نسبيًّا وفقًا لحالة كل فريق وكل لاعب، فمثلاً طول رمية التماس الكبير ليس دائمًا شرطًا لجودتها.. فلاعب ميتلاند الدنماركي، كيان هانسين، كان يلعب رمية التماس على بُعد 31 مترًا تقريبًا قبل مجيء جرونيمارك، لكنه كان يلعبها على ارتفاع أعلى من اللازم، فكانت الأفضلية دائمًا للمدافعين.

ما أضافه جرونيمارك فقط 5 أمتار، فصار هانسين يرمي الكرة على بُعد 36 مترًا، ولكن على ارتفاعات منخفضة وبسرعة أكبر بكثير من ذي قبل، فشارك في 100% من الـ35 هدفًا التي أحرزها فريق ميتلاند في المواسم الأربعة الأخيرة من لعبات بدأت برميات تماس.

أما بالنسبة إلى عامل السرعة، فاحتمالية الحصول على كرة رمية التماس تحت ضغط في ظل مسافة لا تزيد على 15 مترًا تكون نحو 66.9%، أما إذا مرت 10 ثوانٍ ولم يزل اللاعب مترددًا في لعب رمية التماس تهبط هذه النسبة إلى 49.6%.

يقول جرونيمارك عن عامل الدقة، إن رمية التماس يجب أن تكون مُرسلة على القدم الأقوى لزميلك الذي سيتسلم منك الكرة، وعلى ارتفاع دقيق للغاية، لكيلا تقفز الكرة على الأرض أمامه، وهذا كله يتحقق بعد تمارين بعضها بدني والآخر ذهني.

رفض جرونيمارك الإفصاح عن القواعد والتمرينات التي يتبعها مع اللاعبين في التدريبات لأي من الوكالات التي تهافتت لإجراء حوارات معه، معتبرًا هذه التمرينات “سر المهنة” الذي لا يجب أن يفصح عنه الآن، لكنه سيعلن عنها في كتابه الذي يعكف على تحضيره منذ سنوات، لكي يكون المرجع الذي طالما تمناه وهو ناشئ في أندية الريف الدنماركي.

توماس جرونيمارك أثناء تدريب ليفربول

مَن يدري؟ فقد يُحدث هذا الكتاب ثورة في رميات التماس باللعبة، كالثورة التي أحدثتها تغريدة جرونيمارك في حياته، وأوصلته إلى يورجن كلوب في لحظة سحرية من زمن كرة القدم.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد ماهر

صحفي رياضي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search