طي اللاءات الثلاث

الخرطوم نحو التطبيع.. بلا يسار

بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منهمكاً في إدارة اتصال هاتفي جماعي في مكتبة البيضاوي، بين رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان ورئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك في السودان من جهة؛ ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ناتنياهو من الجهة الأخرى، وهو محاطٌ بمفرزة من مساعديه وبعض الصحافيين، كان السودان كله يترقب، فيما كانت بعض الأحزاب السياسية المكوِّنة لقوى الحرّية والتغيير التي تمثّل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية تعد العدة لمناوئة القرار بالخروج من التحالف.

ترامب خلال اتصاله مع حمدوك ونتنياهو

بطبيعة الحال، لم تكن مواقف أحزاب سياسية مثل “الشيوعي” و”البعث” و”الناصري” و”المؤتمر الشعبي” (إخوان مسلمين) مفاجئة في رفض الخطوة، إلاّ أن موقف حزب “الأمة” بزعامة الصادق المهدي كان مفاجئاً، وإن سبق الجميع في إعلانه مناوئته للقرار، كان ذلك الخميس 22 أكتوبر/تشرين الأول، فيما ظلّت بقيّة الأحزاب تنظر جمعتها “اليتيمة” (الفاصلة)  التي جعلتها تقف في الضفة الأخرى من شركائها.

سرّب مجلس الوزراء السوداني؛ ليلة الخميس التي سبقت إعلان التطبيع عن طريق صحفيين مقربين منه؛ خبراً مفاده إنّ “محادثة هاتفية جماعية ستجري قريباً بين حمدوك والفريق البرهان من جهة والرئيس الأمريكي ترامب وشخصيات أخرى من الجهة الأخرى، ستسفر عن تطورات مهمة تعود بمنافع كبيرة سياسيًا واقتصاديًا لصالح الشعب السوداني”، فحبست الخرطوم أنفاسها في انتظار المحادثة “الخطيرة” التي أعلنت التطبيع بشكل صريح وواضح يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، لتُطوى قمة “اللاءات الثلاثة” في الخرطوم تاريخياً وسياسياً والتي كانت حافلة بالمواقف المبدئية تجاه القضيّة الفلسطينية، وتشرع في عهد جديد يتسم بالبراجماتية السياسية وتقديم المصالح على المبادئ.

عبد الله حمدوك
في حلٍ من أمرها

يقول عضو الحزب الناصري عبد الرحمن فاروق لـ”ذات مصر”: السلطة الحالية في السودان كان بإمكانها تحمل الضغوط إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فالديمقراطيون يدعمون رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، ولكن خضوعها للابتزاز واستغفال شعبها يدل على أنها تأمل في أن تتحول لديكتاتورية جديدة بدعم أمريكي إسرائيلي إماراتي، وهذا هو الثمن الذي قدمته، وهو أن تبصم لترامب بالعشرة من الآن.

واعتبر فاروق إعلان الحكومة الانتقالية التطبيع مع الكيان الصهيوني ينهي تأييد “الناصري” ومساندته لها، وإنّه لا يرى سبباً لاعتبارها تمثل الثورة، بعد أن فشلت اقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً، بالكذب الواضح على الشعب على كافة الأصعدة والالتفاف على شعارات ثورته وخيانة دم شهداءه، والحط من قدره، وتكبيل إرادته الحرة، حسب قوله.

وأشار فاروق إلى أن رئيس الأمة الصادق المهدي، يعتبر السياسي السوداني الوحيد الذي كشف عن مواقف عملية وإجرائية حال أقدمت الحكومة على التطبيع مع إسرائيل، وحيال المنتهكين لقانون مقاطعة إسرائيل، بينما اكتفى بقية الساسيين خاصةً اليساريين (ماركسيين وقوميين) بالشجب والإدانة أو الإفصاح عن مواقف فكريِّة محفوظة.

الصادق المهدي أبرز سياسي في السودان مناوئ للتطبيع
مقاضاة المطبعين

وكان الصادق المهدي أعلن الخميس المنصرم، عزمه تحريك إجراءات قضائية ضد الحكومة الانتقالية حال أعلنت التطبيع مع إسرائيل، وقال إنّ محاميي حزبه سيتخذون الإجراءات اللازمة في هذا الصدد وفقاً للمواد الواردة في قانون مقاطعة إسرائيل الصادر 1958، والذي يحظر تعامل السودانيين مع أي أشخاص أو هيئات أو مؤسسات إسرائيلية، ويوقع عقوبات تصل إلى السجن 10 أعوام؛ على من يخالف نصوصه، وهدد المهدي بسحب تأييده للحكومة الانتقالية إذا ما مضت قُدُّماً نحو التطبيع.

من جهته ندّد نادر عبد  الرحيم (كادر بعثي) بالخطوة، وقال لـ”ذات مصر”: إن مقايضة القضية الفلسطينية برفع العقوبات أمراً لا أخلاقي وسلوك يعبّر عن انحطاط سياسي وانتهازية على حد تعبيره، مضيفاً: إن إدارة  الرئيس ترامب استغلت الأوضاع الهشة في السودان ووظفت معاناة الشعب من أجل حملة ترامب الانتخابية.

ولفت عبد الرحيم إلى أن الحكومة السودانية لم تكن بحاجة ماسّة وملحة إلى هذه الخطوة لكي تخرج من عنق الزجاجة، وإنّما كان عليها أن تمضي في ترتيب أوضاعها الداخليّة بتحقيق السلام والاستقرار والأمن والعمل على توحيد الصف  الوطني وتفعيل العملية الإنتاجية والدورة الاقتصادية وطرح البرامج والخطط التي تحقق ذلك، لكنّها اختارت الطريق الأسهل، وهو في الحقيقة ليس كذلك، وإنّما فخ منصوب بمهارة، وقريباً ستبحث عن مخرج منه.

بالنسبة لعبد الرحيم، فإنّ الحكومة الانتقالية فشلت في إدارة هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ السودان السياسي، بعجزها عن حماية الهوّية والخيارات الوطنية للسودانيين، وبالتالي فإنّ استمرارها سيشكّل عبئاً على البلاد، وعليها أن تذهب، إن لم يكن اختياراً فالشارع مفتوح للجميع، على حد قوله.

يعيش السودانيون أوضاعاً اقتصادية صعبة
خارج السياق

الباحثة السياسية نهى السمّاني قالت لـ”ذات مصر” إنّ جميع الأحزاب الرافضة للتطبيع تصدر عن مواقف إيديولوجية، ولا تهمها المصالح الوطنية العليا للبلاد، ولا الأوضاع المعيشية المزريِّة التي يعيشها السواد الأعظم من السودانيين؛ إذ أن السودان يعاني مجاعة غير معلنة، وبالتالي فإن مصلحة الشعب والمصالح العليا للدولة المتعلقة بأمنها القومي الذي يتعرض لتهديدات مستمرة ينبغي أن تقدّم على المواقف الفكرّية والأيديولوجية لليمين المتطرف واليسار المُتزمت، خاصة وأن  الأحزاب التي تعارض التطبيع لا تقف على قواعد جماهيرية ولا شعبية لها، عدا حزب الأمة، وهو حزب منقسم إلى أجنحة عديدة، كلها تؤيد التطبيع، عدا جناح الصادق المهدي، ومعروف للجميع إنّ الرجل يميل إلى الإخوان المسلمين  وظلّ يتبنى مواقفهم بعد إزاحتهم عن السلطة وغيابهم عن الساحة.       

البرهان التقى نتنياهو في نوفمبر الماضي

 السمّاني تضيف أن الغريب في أمر الأحزاب المناوئة للتطبيع، فيما عدا الأمة والمؤتمر الشعبي (إخوان مسلمين)،  إنها لم تصدر حتى اللحظة بيانات واضحة تعبّر خلالها عن مواقفها صراحة، وإنما أطلقت ناشطيها على مواقع التواصل الاجتماعي ينددون ويهددون، وفيما يعيد الحزب “الشيوعي” مثلاً، نشر بيان بعنوان “الماركسية وقضايا الثورة السودانية” بصفحته الرسمية على “فيسبوك” يعود إلى عام 1967، يتناول فيه القضية الفلسطينية والوجود الإسرائيلي الذي يعتبره الحزب “حصان طروادة” الذي يمثلً خطراً حقيقاً لضرب الثورة العربية التحررية من الداخل، يكتفي حزب “البعث” بأنه سيطلق حوار مع الأحزاب التي تتبنى نفس موقفة لمن أجل تشكيل تيار سياسي جديد تحت اسم “سودانيون ضد التطبيع”.

“عدا هذه الأحزاب، فكل مكونات  قوى الحرية والتغيير وجل الأحزاب الكبرى المؤثرة وحركات الكفاح المسلح التي وقعت في 3 أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم، اتفاقية سلام مع الحكومة الانتقالية في عاصمة جنوب السودان جوبا، والتي رفضت التوقيع عليها، أيدّت الخطوة الحكوميّة، باعتبارها تدشن عهداً جديداً يعيد السودان إلى المجتمع الدولي ويفتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية ويحرر القيود المفروضة على التحويلات المالية، وليس بالضرورة أن يستفيد السودان من إسرائيل بشكل مباشر، فهذا غير مهم، وإنما جاء التطبيع من أجل فك أسر البلاد واطلاق سراحها بعد أن ظلّت محبوسة لثلاثين عاماً”.. تقول السمّاني.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبدالجليل سليمان

صحفي سوداني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram