وجهات نظر

ظاهرة الشيخ جابر بغدادي والدعوة إلى التدين الصوفي التقليدي

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة، ظاهرة استحواذ التيار السلفي وجماعات الإسلام السياسي، جنبا إلى جنب، على مجمل المنابر الدعوية في مصر، وعلى إثر ذلك انطلقت المنافسة، واحتدت، إلى أن تم إطلاق أسماء هذه الجماعات والتيارات على الجوامع الكبرى والمساجد والزوايا مترامية الأطراف في جغرافيات شتى، داخل محافظات مصر المختلفة، التي خضعت بشكل مباشر لإدارتها وإشرافها، إلى أن أضحى المجال الدعوي وتمركزاته الجغرافية حكرا بين هذه الجماعات والتيارات، ومنها إلى الفضائيات التي أخذت طريقها نحو الانشطار والانتشار، خاصة في العقدين الماضيين.

في موازاة ذلك، تعددت الأسماء والرموز التي تمخضت عن كل هذه الأشكال الدعوية، ما بين دعاة تقليديين محسوبين على هذه الجماعات والتنظيمات، وآخرين أطلق عليهم “دعاة الميديا” حتى أضحى المجال الديني خاضعا لهم دون منازع، وصاروا علامة بارزة في فضاءات المجتمع الديني المصري.

بيد أنه، ومع التحولات التي عايشتها هذه التنويعات الإسلامية ما بين سلفية وإخوان ودعاة جدد وتفريخاتهم المتباينة في الداخل المصري، خلال الثماني سنوات الأخيرة، وتراجعها بفعل العوامل السياسية، وانعكاسات ذلك على الفضاء المجتمعي، نتج عن ذلك ظاهرتان رئيستان، الأولى: محاولة رموز أزهرية ودعاة صوفيين “طرقيين” ملء الفراغ الناجم عن انحسار هذه التيارات الإسلامية وتراجعها، الثانية: عدم قبولية المجتمع المصري في شريحة كبيرة منه، في أن تعيد هذه التيارات والجماعات تموضعها مجددا، وذلك بعد اهتزاز الثقة بين المجتمع وبين هذه الجماعات بأطروحاتها الدينية والأيديولوجية.

الأمر الذي أسهم مع مرور الوقت في ظهور وتصدر التيار الديني التقليدي المؤسسي “الأزهري، الأوقاف” وغير المؤسسي من المذهبيين والصوفيين الطرقيين وغيرهم.

ومن بين هذه الأسماء، التي ذاع صيتها واشتهر وسطع نجمها في مجال الدعوة الإسلامية، “داعية صوفي” في العقد الرابع من عمره يدعى “جابر بغدادي”، تتناقل مقاطعه التسجيلية المرئية والمسموعة والمقروءة على نطاق واسع وبشكل متسارع، بشكل دفعه إلى أن يحتل مكانة رفيعة ومقاما متفردا، حتى بات نجم الدعوة الأول في الحقل الديني – الوعظي – المصري بلا منازع.

الشيخ جابر.. الداعية الصوفي

عاملان أساسيان أسهما بشكل رئيس في أن يحظى الشيخ جابر بهذا التفرد في المجال الدعوي الوعظي، امتدت آثاره لكل أنحاء مصر وخارجها، أولهما مكانته الدينية التي تتمثل في كونه نائبا لطريقة صوفية تدعى بـ”الخلواتية الجودية” في مدينة بنى سويف، مسقط رأسه ومكان تمركز نشاطاته الدعوية الرئيسة، وثانيهما: أداؤه الوعظي الذي يجمع بين القوة في التعبير عما يطرحه من أفكار ورؤى بلغة سليمة تقترب من لغة الناس البسطاء، خاصة القرويين منهم، دون تقعير أو تسطيح، ولا ينفي ذلك استخدامه الفصحى، حين يختلف الحال والمقام، وذلك مع تنوع موضوعاته الشيقة ما بين القصة الحكائية التي يسردها بشكل مشوق والرقائق الإيمانية التي تجمع بين الشدة واللين والبكائيات التي تعقد علاقة وثيقة بينه والمتلقي دون ملل أو فتور، فيما تجعلك مشدوها لسرده إلى أن ينتهى من وعظه، فضلا عن الإنشاد الذي يتميز به الشيخ، بدرجة تجعل كل من يجالسه يتمايل مع نغمات ألحانها مع تنوع مقاماتها وإجادته لذلك، فضلا عن قصائده الشعرية “الوعظية” التي يلقيها باحترافية شديدة تدفع من حوله إلى التكبير والتهليل، والبكاء أيضا.

ويغذي ذلك كله هيئته، التي يبالغ الشيخ بغدادي في الاعتناء بها بشكل مغاير عن كثير من دعاة السلفية، ونظرائهم من أصحاب التيارات الأخرى، الذين اعتادوا الظهور بثياب تقليدية والاقتصار على جلابيبهم البيضاء القصيرة ولحاهم الكثة، واستعاض عنها الشيخ جابر بالعباءة والجلباب المغربي التقليدي المعروف عنه كثرة التطريز وجودة القماش، وتنوع الألوان، وهي واحدة من الملاحظات الهامة التي تجذبك حين تجالس الرجل أو تسمعه، ويعلوها قنصوة بيضاء تشبه ما كان يرتديه الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي في دروسه الدينية قديما، وتعلوه ابتسامة لا تفارقه إلا وقت مرثياته، فكانت بمثابة همزة الوصل بينه ومن يرتاد جلساته من مريديه وأحبابه وزواره.

التدين الصوفي على طريقة الشيخ جابر

المضمون الفكري والأيديولوجي الذي يحمله الشيخ جابر لا يخرج عن دائرة التصوف الطرقي الذي يعتمد في ظاهره على العلاقة بين هذه المكونات (الشيخ، المريد، البيعة، العهد… إلخ) وغيرها من الأمور الشكلية التي تخضع لهذا النمط من أشكال التدين، وانطلاقا من ذلك يوضح الشيخ الملامح الفكرية لهذا النمط من التدين، حيث يقول إن التصوف ليس مجرد احتفالات وموالد وما يتخللهما من حضرات وحسب -وهو شكل من أشكال التعبد الجماعي على قصيدة في مدح النبي وآل بيته، أو “ورد/ ذكر” معين متصل بالأسماء الحسنى أو الصفات الإلهية من باب طلب الغوث أو الفرج وغيرهما من المناجاة التعبدية الصوفية المتعارف عليها- إنما التصوف هو التعايش في حضرة الله على كل حال، فالصوفي في الحضرة، كالسمك بالماء إن خرج منها قتل، ويشدد على أن الغاية من تصويف التدين في كونه الآلية والأداة المثلى في الدعوة إلى الله والتعبد إليه.

وهو ما يفسر وجود الحضرة الصوفية كتقليد ثابت ومتبع لا ينقطع في كل مجالسه وفعالياته الدعوية التي يجتمع الناس فيها، وتضم كل المريدين ومن يفد إليه لسماع عظاته وإنشاده وتلمس البركة منه، واللافت أن طريقة تجييشه وتعبئته الدعوية تلك للطرقية الصوفية – أيا كانت تسمياتها- تختلف عن كثير من مشايخ الطرق الصوفية الآخرين الذين يفتقرون في كثير منهم إلى هذا الفهم والطريقة والقدرة التي يتمتع بها، وينعكس ذلك بشدة في صبغه لكل تفسيراته وتأويلاته وشروحاته، سواء كانت تتعلق بالقضايا الواردة في “القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف” من جهة، أم الإشكالات الدنيوية والمسائل التي تلتف بالواقع المجتمعي من حوله بجهة أخرى، انطلاقا من التصور والفهم الصوفيين، التي تعزز في غالبيتها وتكرس للمثاليات والأخلاق التي يجب أن يسلكها السالك في الطريق الصوفي التعبدي.

فالرجل غارق في العالم الصوفي بعوالمه الظاهرة والباطنة من أخمص قدميه إلى مفرق رأسه، وهي الأيديولوجية الفكرية الحاكمة لكل تنظيراته، فالمريد يحتاج إلى شيخ كما أن المريض يحتاج إلى طبيب، حسب وصفه.

معضلة السياسة والخصومة مع الوهابية

لا يتطرق الشيخ جابر إلى عالم السياسة وإشكالاته ولا يشير إليها في خطاباته الوعظية من قريب أو بعيد، ولا يشتبك معها بأي حال من الأحوال، اللهم في بعض المواقف التي تندرج تحت ردة الفعل التقليدية لرجل الدين، التي لا يمكن إلا أن يكون له موقف واضح وصريح تجاهها، خاصة حينما تخرج من حيزها الضيق إلى ما سواها، وهو ما حدث حينما تعالت الأصوات الإسلامية المنددة للسياسات التحريرية لجريدة “شارلي إيبدو” على خلفية الرسوم المسيئة للنبي محمد، وموقف الرئيس الفرنسي آنذاك المؤيد لها تحت لافتة حرية التعبير، الأمر الذي دفع الشيخ جابر بغدادي إلى التنديد والهجوم على الرئيس والجريدة عبر قصيدة شعرية من نظمه، عنونت بـ”إلا نبينا يا بن عباد البقر”.

ومن السياسة إلى الخصوم التقليديين للتصوف الطرقي من التيار السلفي وتحديدا التيار الوهابي منه والذي وجه له الشيخ جملة من الانتقادات الدائمة جراء موقفهم من التصوف بصورة عامة، وتمظهراته السلوكية والتعبدية والنيل من رموزهم ومشايخهم ودعاتهم، سواء كانوا من القدماء منهم أم المحدثين، حيث تناول الشيخ جابر بغدادي في كثير من مجالسه موقف الدعاة السلفيين من السيد أحمد البدوي ومقامه في طنطا بالمسجد الكبير-على سبيل المثال لا الحصر- الذي يصل في كثير منه إلى حد التفسيق والتبديع فضلا عن مسائل تتعلق بزيارة الأضرحة والمقامات لآل البيت، وغيرهم من رموز التصوف في عموم مصر، فضلا عن العناية الزائدة برموز آل البيت المحمدي، الذي يراه الدعاة السلفيون ضربا من ضروب المغالاة، ما يجعلهم يتهمون التصوف الطرقي وبعض دعاته بالتشيع، وهو ما يقف له الشيخ بغدادي بقوة، في كثير من جلساته الوعظية وينتقد تصوراتهم وأفكارهم، بشكل يدفعه إلى وصفهم بالزنادقة والسفلة، خاصة مع تحريمهم المولد النبوي الشريف.

انزلاق الدعوة في فخاخ الشعبوية

تذهب بعض الانتقادات التي تطال النسق الدعوي، الذي يطرحه الشيخ جابر بغدادي، نائب الطريقة الخلوتية الجودية في مصر، إلى أنه في سبيل الوصول إلى غايته من تديين الناس على طريقة التصوف الطرقي وقع في فخاخ الشعبوية، ولم يلتزم منهجا علميا دقيقا ينطلق منه نحو دعوة الناس، ويستدل منتقدوه ببعض من هذه الشواهد التي تبرهن على ذلك، منها أنه يذهب في سرده للقصص والمرويات والسير إلى خلع توصيفات شعبوية لا تناسب وطبيعة من يتحدث عنه، خاصة وأنه يتكلم في “دين” له قدسية تنسحب على تفسيراته، فحينما يتكلم عن الله والذات الإلهية في بعض الأحيان يورد مثل هذه الصفات (ربنا بيحضنا، ربنا بيدلع العبد، أنت بتوحش ربنا) وأيضا حينما يتحدث عن خطاب بين الله وملائكته ورد قوله (يا واد أنت وهو) ومرد هذه الأخطاء التي وقع فيها الشيخ أنه وفي سبيل الوصول إلى أدنى نقطة تمازج بينه وبين جمهوره الذي يطغى عليه جمهور العوام الذي تسلبهم مثل هذه الألفاظ والكلمات والإيحاءات، ما تلهب حماستهم الدينية وقع في فخاخ الشعبوية اللفظية، خاصة أن تأثير مثل هذه التوصيفات تجعلهم يجأرون بالدعاء والصراخ في حضرة كلمات الشيخ التي تعانق أرواحهم، وهم لا يعرفون جوازه من عدمه في ميزان الشرع، وهي مهمة كان ينبغي أن تكون على عاتقه.

خلاصة القول، لقد أسهم تراجع تأثير قوى الإسلام السياسي “الحركي” بكل تنويعاته، وانحسار المكون السلفي على اختلاف فصائله، في إفساح المجال لقوى أخرى سارعت في تقديم نفسها كبديل لشغر الفراغ الذي تركته هذه التيارات جملة واحدة، وكان على رأسها التيار الصوفي “الطرقي” الذي تمخضت عنه ظاهرة الشيخ “جابر بغدادي” الذي نجح -إلى حد كبير- في أن يصبح حالة دعوية تعدت إطارها المحلي وامتدت آثارها إلى خارجه.

ولا شك أنها قد تحمل قدرا من الأخطاء تجعلها في مرمى الانتقادات التي تطل ظاهرة الشيخ الصوفي وطريقه منهجه الدعوي وما يمثله من نسق تديني من نوع خاص، إلا أنه يمكن القول إننا إزاء مرحلة جديدة وعهد مغاير عن سابقه يتموضع خلاله رجالات الدعوة التقليديين محل أسلافهم من أصحاب التيارات والتنظيمات وهو في طوره الأول، الذي يجعل من ورود مثل هذه المنزلقات أمرا طبيعيا وشكلا تقليديا، يمهد لما هو أعمق وأجود مستقبلا، خاصة مع بروز دور الأزهر وعلماء المذاهب المختلفة في الحقل الديني المصري من شافعية ومالكية وأحناف وغيرهم، بعد أن كانوا متوارين عن الأنظار لعقود مضت، بفعل سياقات سياسية ومجتمعية عملت على تهميش الإسلام التقليدي المؤسسي وغير المؤسسي، وعززت من وجود غيرهم.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى