زوايا

مصاروة الشام.. خريطة العائلات المصرية المؤسسة للأردن

إلى أيّ حد يمكن الجزم بالفصل أو الوصل ما بين إقليمين جغرافيين، تاريخيين، ثقافيين، متجاورين؟ وما السبيل إلى ذلك؟

قد يكون ذلك عبر إحصاء نقاط الافتراق أو الاشتراك بينها، وهو أيضًا ممكنٌ بتتبع تفاصيل وقصص على مستوى الذاكرة والتاريخ الاجتماعيّ، البعيد عن التجريد. كما في الإضاءة على جانب من حكايات وسيرة التداخل الاجتماعي والسكانيّ بينهما.

هذا ما نحاول الإضاءة عليه هنا، في مساحة التقاطع بين مصر وبلاد الشام، مع التركيز على مناطق شرق الأردن.

مصر في الأردن.. تداخل التاريخ والجغرافيا

يمكن ملاحظة مدى التداخل بين مصر والشام باستعراض تجارب الوحدة السياسيّة التي جمعتهما، وهو ما تحقق في التواريخ القديمة، مع قيام الإمبراطورية المصرية في عهد تحتمس الثالث. وتكرر في العصور الإسلاميّة، كما في عصر الدولة الفاطميّة والأيوبية والمملوكية وصولًا للوحدة في ظل الدولة العثمانية.

إضافة إلى تجارب الوحدة الأحدث كما في عهد محمد علي باشا، خلال فترة الحكم المصري لسوريا في ثلاثينيات القرن الـ19، وحتى تجربة الجمهورية العربية المتحدة خلال الفترة ما بين 1958 و1961.

زاد كل ذلك من التشابكات بين الإقليمين على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسّكانية، فسهُلت حركة القوافل والسُّكان، نتيجة لشق طرق التجارة وتذليلها وتأمينها، وقيام المحطّات، والبلدات، والمدن، والحاميات، والقلاع، على امتدادها. مع الوضع في الاعتبار أن كل ذلك كان في ظل غياب حدود الدولة القومية الحديثة، ما جعل التنقل جزءًا طبيعيًا من الحياة المعاشة.

وتقدم خريطة امتداد مضارب قبيلة الحويطات، مثالًا على مدى التداخل. تمتد القبيلة بين سيناء وجنوب الأردن وشمال الحجاز، ولم يكن ثمة ما يفصل بين عشائرها حتى شقْ قناة السويس في القرن الـ19، ومن ثم حدود الدول.

وكدلالة أيضًا على مدى التداخل السُّكاني، وبناءً على ما دَرجت عليه العادة في بلاد الشام، وغيرها من الأقطار العربية من  تسمية العشائر والعائلات بعد استقرارها في قرية أو بلدةٍ ما، على اسم المكان الذي قدمت منه، فبالإمكان إحصاء أسماء المئات من العشائر والعائلات التي استقرّت في مختلف أنحاء بلاد الشام، مما تحمل اسم “المصري”، مع عدم وجود أيّ صلة قرابة بينها، وإنما لاشتراكها في القدوم من مصر إلى بلاد الشام.

مطعم يحمل اسم المصري في دمشق
مطعم يحمل اسم “المصري” في دمشق (فيسبوك)

بالإضافة إلى أسماء العائلات المنسوبة إلى مدن بعينها، مثل “الشرقاوي”، و”البلبيسي”، و”الطنطاوي” و”القناوي”  وغيرها، مع ملاحظة أنه في فلسطين وسوريا عادةً ما يحملون اسم المصريّ، بينما في شرق الأردن عادةً ما يحملون اسم “المصاروة”، وذلك موافقةً لعادة أسلوب تسمية العشائر الدارج في شرق الأردن، والذي يعتمد صيغة جمع التكسير.

تداعيات الحكم المركزيّ في مصر

تأخرت الدولة العثمانية ولوج عصر التنظيمات (حركة إعادة تنظيم القوانين الأساسية للدولة العثمانية على أسس حديثة، في الفترة ما بين صدور مرسوم غولهانة 1839 وإعلان الدستور عام 1876) إلى حدود العام 1839، وما تبع ذلك من تأخّر سنّ قانون الأراضي (الطابو) في ولايات الدولة العثمانية إلى حدود العام 1858، وما رافقه من توسّع في سجلات النفوس (سجلات اعتمدتها الدولة لإحصاء الأهالي لفرض الضرائب والتجنيد) وإحصاء العوائل والأفراد، وبالتالي تزايد فرض الضرائب والتجنيد التي تهرب منها الأهالي بحيل عدة.

في المقابل، كانت مصر قد اتخذت مسلك التنظيمات، وبشكل أكثر صرامة، منذ العقد الثاني من القرن الـ19، مع بداية حكم محمد علي باشا، وبالتحديد مع بدء تطبيق نظام الأثريّة (ملكيّات الأراضي الصغيرة) بعد مذبحة المماليك عام 1811، ومع توجّه محمد علي لتشكيل جيش حديث في مصر بحدود العام 1815.

على المستوى الاجتماعي، تركت هذه التحولات في مصر آثار عديدة، منها ما اشتهرت حكايته من أساليب تحايل كإقدام الناس على إحداث إعاقات وعلل في أجسادهم تجنبًا للتجنيد، ومنها أيضًا ما كان من قيام بعض الأهالي بالهجرة والخروج من الديار المصريّة، وكانت بلاد الشام أولى وأكثر الوجهات المقصودة.

اقرأ أيضًا: “التنمّر”.. وحش يطارد أصحاب البشرة السوداء في الأردن

كان ذلك سببًا في الهجرة الأولى الحديثة من مصر إلى الشام، بما فيها مناطق شرق الأردن، ومثالًا على ذلك، سنتتبع قصة قدوم عشيرة “أبو ركبة”، وهي اليوم من عشائر مادبا بالأردن.

رحل عددٌ من أبناء هذه العشيرة، بقيادة سلامة سالم العلي، إلى فلسطين، وتحديدًا إلى قرية دُمرة بالقرب من غزة.

تزامن ذلك مع خروج آلاف المصريين من مصر، في العقد الثاني من القرن الـ19، هربًا من إجراءات حكم محمد علي باشا، التي لم تكن معتادة في عهود الحكام المماليك، ونتيجةً لإرهاق الضرائب والتجنيد الإجباري فضلًا عن أوامر نزع السلاح من الأهالي، وغيره مما لم يألفوه، خاصة عرب البوادي، حدثت موجات الهجرة.

وبتتبع قصّة انتقال عشيرة أبو رُكبة، فقد استقرّت بدايةً في “دُمرة”، وهي القرية التي أصبحت عامرةً مزدهرة آنذاك لكثرة القادمين إليها من مصر.

وبحسب ما يذكره الباحث ﺑﺸﺎﺭ ﺍﻟﻤﺼﺎﺭﻭﺓ، مؤرخ العشائر المصريّة في الأردن، وفقًا لمقابلة أجراها مع محمد سليم محمد ابوركبة، فإنه وبعد سنوات عدة رحل سلامة سالم علي أبو ركبة، ومن معه، إلى شرق الأردن، تحديدًا قرية “أم رمّانة” في البلقاء، ونزلوا بجوار الشيخ فهد الذياب الفايز، وهو من مشايخ قبيلة بني صخر، من أقوى قبائل منطقة البلقاء.

وبحلول عام 1882، رحل سلامة أبو ركبة وأولاده إلى زيزيا (الجيزة)، من قرى البلقاء، رفقة قسم من المصريين الذين كانوا يعيشون في قرية أم العمد المجاورة لأم رمانة، بعد قدومهم إليها مهاجرين عام 1864، من سنجق غزة أيضًا، الذي نزلوا إليه بداية لتخلفهم عن الجيش المصري العائد من حملة إبراهيم باشا في سوريا بعد توقيع معاهدة لندن 1840.

أسس هؤلاء مجتمعين، وبالتنسيق مع السلطات العثمانية، البلدة التي عرفت بـ”الجيزة”.. كان ذلك عام 1882، ثم شرعوا في استصلاح أراضيها.

في عام 1903 توفي سلامة سالم أبو ركبة في الجيزة، وفي 1921 استقبل ابنه محمد سلامة أبو ركبة، مع أبناء عشائر “المصاروة”، وعشائر بني صخر، الأمير عبدالله بن الحسن (مؤسس إمارة شرق الأردن)، عندما توقف في بلدتهم، الجيزة، أثناء رحلته عبر خط حديد الحجاز من معان باتجاه عمّان، فكان مصاروة الجيزة بذلك ممن والوا الإمارة الهاشمية منذ تأسيسها.

محطة سكة حديد الحجاز
محطة سكة حديد الحجاز في الجيزة، جنوب عمّان حيث استقبل المصاروة الأمير عبدالله (صورة: بشار الطباع)

أيضًا من أمثلة الهجرة بسبب إجراءات الحكم الجديد في مصر، هجرة عشيرة “المصاروة” التي استقرت في منطقة “تلاع العلي وصويلح” في شمال غرب البلقاء.

هاجرت تلك العشيرة تحديدًا من سوهاج في صعيد مصر، ووصلت لشرق الأردن مطلع العقد الثالث من القرن الـ19، عند بلدة تسمى شونة نمرين، وتعرف أيضًا بشونة ابن عدوان، بغور الأردن، وهي بلدة في مضارب قبيلة العدوان.

ما أن علم شيخ قبيلة العدوان بهم، استقبلهم، وعرض عليهم التحالف مع القبيلة. وافقوا على العرض، لينضموا بذلك إلى ما كان يعرف بتحالف عشائر القرضة.

لوحة شونة نمرين، رسمها جيمس ماكبي، عام 1918
لوحة شونة نمرين، رسمها جيمس ماكبي، عام 1918

آثار حملة إبراهيم باشا على سوريا

حسبما تقدم، فإن مصاروة أم العمد، الذين شاركوا عام 1882 بتأسيس “الجيزة”، كانوا ممن تخلّف من جيش إبراهيم باشا بعد انسحابه من بلاد الشام في فبراير 1841، وقطنوا بدايةً في قُرى بـ”سنجق غزة”، واستقروا تحديدًا في قرية “هوج”، وفقا لما يذكره المؤرخ أحمد عويدي العبادي في كتابه “عشائر الأردن.. جولات ميدانية وتحليلات“.

وفي عام 1864، رحل قسم منهم إلى شرقي الأردن (نحو 75 عائلة)، شرعت في استصلاح الأراضي بجوار مادبا، تحديدًا في محيط قرية أم العمد، وبعد تأسيس لواء الكرك عام 1892، خرج وفدٌ من مصاروة أم العمد إلى دمشق، وهذا الوفد كان ممن بقي في أم العمد ولم ينتقلوا للجيزة.

في دمشق، طلبوا من الوالي عثمان نوري باشا، أن يتملكوا أرضًا ليعيشوا منها، فمنحهم الأراضي التي بنوا عليها قرية سحاب.

معركة نصيبين
جانب من سلاح المدفعيّة المصريّ كما يظهر في تصوير لمعركة نصيبين عام 1839

وفي جنوب الأردن أيضًا، يذكر الضابط البريطاني، فريدريك بيك، مؤسس الجيش الأردني، في كتابه “تاريخ شرق الأردن وقبائلها”، أنّ مصاروة الكرك، كان جدّهم في جيش إبراهيم باشا، فتخلّف عنه بعد انسحابه من البلاد، ونزل بين البدو، وعاش معهم.

المصاروة يعمّرون الأردن

مع تزايد مخاوف الدولة العثمانيّة من بروز مشاريع استعمارية وامتدادها باتجاه عمق مناطق سوريا، خاصة بعد افتتاح قناة السويس في 1869 واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882، توجّه التخطيط العثمانيّ نحو تعزيز العمران وزيادة الاستيطان في المناطق الجنوبية من ولاية دمشق بما فيها مناطق شرق الأردن.

من هنا جاءت رعاية الدولة العثمانيّة لعملية توطين الشركس اللاجئين من مناطق القوقاز التي خسرتها الدولة العثمانية لصالح روسيا القيصرية. وهكذا أنشئت ستة مستوطنات لهم في مناطق البلقاء (المنطقة الجغرافية الممتدة بين نهر الزرقاء شمالًا ووادي الموجب جنوبًا) خلال الفترة ما بين 1878 و1909، بما فيها عمّان، التي تأسست كمستوطنة للشركس عام 1878، وصارت عاصمة لإمارة شرق الأردن لاحقًا.

رعت أيضًا الدولة عملية توطين بعض مسيحيي الكرك في مادبا، وإعمار وتأسيس المدينة الحديثة عام 1880، وذلك بعد أن بقيت مهملة ومدمرة منذ القرن السابع الميلادي، إضافة إلى توطين اللاجئين الشيشان، القادمين من القوقاز أيضًا، في الفترة ما بين 1902 و1911.

شجعت سياسة الإعمار والتوطين هذه المصاروة في أم العمد، إلى الطلب من الدولة تفويض أراضٍ زراعيّة لهم، فشاركوا بدايةً في تأسيس بلدة الجيزة عام 1882، ﻭالتي أصبحت مركزًا لأول ﻧﺎﺣﻴﺔ ﻓﻲ قضاء السلط.

وفي عام 1892 تقدّم من بقيَ منهم في أم العمد، بطلب إلى مجلس ولاية دمشق، وبناءً عليه قرّر المجلس في 1894 إعطاءهم أراضٍ في منطقة سحاب، تبلغ مساحتها 10 كيلومترات مربعة، وإسكانهم فيها، ليؤسسوا القرية التي صارت جزءًا من ناحية عمّان بعد تأسيسها في 1902.

وقد ورد ذكرهم في السجلات العثمانية باسم “المصاروة”، كما يذكر ذلك الباحث صلاح يوسف قازان في كتابه “عمّان في مطلع القرن العشرين“.

مزيد من المصريين عن طريق فلسطين

وبحكم التداخل والاختلاط السكانيّ والجغرافيّ ما بين مناطق فلسطين والأردن، فإن شرق الأردن استقبل مهاجرين من العائلات المصرية، قادمين من فلسطين لأسباب تتعلق بالبحث عن الأمن والعمل، كما حصل في هجرة المصريين من غزة باتجاه أم رمانة وأم العمد.

ومن ذلك، ما يشير إليه فريدريك بيك من وجود عائلات مصريّة استقرت في مناطق حوران، وبالتحديد في قرية الرمثا، وبعضهم أيضاً في قرية الذنيبة.

يذكر أيضًا وجود مصاروة في قرية أم قيس، كما أورد بيك، وهؤلاء جميعهم من العائلات المصرية التي قدمت إلى حوران من فلسطين، كجزء من عملية تنقل طبيعية، بحثًا عن الأمن وأكل العيش.

لاحقًا تضاعفت معدلات الهجرة واللجوء الفلسطيني باتجاه شرق الأردن، تحديدًا بعد نكبة 1948، وكذا خلال مرحلة الوحدة الكاملة بين الضفتين الشرقية والغربية للأردن، قبل نكسة يونيو 1967.

عدد كبير من العائلات التي لجئت في هاتين الفترتين، من أصول مصرية، تحمل اسم المصري أو تنتسب لمدن مصرية. وهكذا، تضاعفت أعداد العشائر والعائلات ذات الأصول المصرية في الأردن، التي باتت جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي للأردن.

خالد بشير

كاتب وباحث أردني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى