"عاش يا كابتن"..

فيلم يصدم عالمًا يحكمه الرجال؟

في مراهقتي وخلال الإجازات الصيفية، كان أهلي يدفعونني لممارسة الرياضة، وكانت إحدى الرياضات الأشهر في عالم الصبية هي رفع الأثقال والذهاب إلى “الجيم”، حاولت مرارًا المواظبة على الذهاب بين أوقات متعددة، لكن شيئًا ما كان يمنعني من الاستمرار، ليس ثقل الحديد، بل ثقل الذكورية المنتفخة، التي تستطيع شمها في تلك الصالات من خلال جُمل مثل “عاش يا كابتن” و”عاش يا وحش” وغيرها من المصطلحات المؤججة للصورة الذهنية للرجولة في المجتمع.. 

على الجانب الآخر في عائلتنا كانت الفتيات عادة ما يوضعن في قالب الأيروبيكس والرياضات الخفيفة، خوفًا من أن تمارس رياضة عنيفة وتفقد “أنوثتها”. 

ما عشتُه في تجربتي الخاصة توثقه مي زايد في فيلمها الوثائقي “عاش يا كابتن”، المرشح للمنافسة على “أوسكار” أفضل فيلم وثائقي في 2021، وفيه تنقلنا “زايد” إلى منطقة الورديان في الإسكندرية، منطقة معزولة بنحو ما عن بقية المدينة، وتعتبر الظهير الأساسي لميناء الإسكندرية. 

إذا بحثت عن المنطقة في “جوجل” قد يظهر معظم النتائج لحوادث عنف طائفي أو انتحار مراهقين أو رثاء لمنطقة أنجبت فنانين كمحمود عبد العزيز، واحتضنت مقاهيها الثقافية أدباء مثل إبراهيم عبد المجيد، وأنجبت عددًا من المخرجين السكندريين الشباب مثل محمد زيدان وفنان الراب الشهير مروان بابلو، إضافة إلى بطلات العالم في رفع الأثقال اللواتي يصور الفيلم قصة صعودهن بتدريب الكابتن رمضان. 

صانع الأبطال الحديدي
كابتن رمضان وزبيبة

كابتن رمضان مدرب رفع أثقال ذو صوت أجش وشخصية فريدة من نوعها، فهو لا يتوانى عن قول ما يريد وقتما يريد.. يتخذ من فضاء خالٍ في قلب منطقته مكانًا لصنع الأبطال والبطلات على حد سواء.. فضاء مسوّر بشكل رديء دون أي نوع من رفاهيات صالات رفع الأثقال.. ذو أرضية ترابية غير مستوية، والحديد المستخدم مهترئ ولا تتوافر به أدنى معايير الأمان، رغم ذلك فإن البطلات اللاتي ظهرن منه حققن ألقابًا عالمية.  

إضافة إلى تفرده كمدرب، فهو شخص ذو اختيارات واضحة في حياته وذو حلم حقيقي، يتدرب البنات والأولاد دون مقابل، ويلح على مسؤولي الحي من أجل كسب المزيد من الدعم لساحته، ويفاوض بائع الروبابيكيا على سعر حديد قديم على أساس أن ذلك الحديد سيذهب لتدريب بلا مقابل.

هو نوع من المواطنين المنتمين بحق إلى مكانهم والساعين للاشتباك عضويًّا مع ذلك المجتمع، لقاء أن يثبت للجميع أن البطولة يمكن خلقها دون إمكانيات هائلة ومن خلال التدريب المستمر، حتى في أيام الإجازات والأعياد، فضلاً عن ذلك نراه يبني غرف الساحة بيديه في المساء، مستغلاً كل ما أوتي من قوة لاستمرار حلمه. 

لكن الشيء الأكثر تميزًا في شخصية كابتن رمضان أنه يتعامل بأسلوب تقدمي للغاية في مسألة الجندر/ النوع، فهو لا يرى فارقًا بين أنثى وذكر، فيقول: “تحية كاريوكا اللي علمها الرقص كان راجل”، بل ويحاول إقناع شيخ سلفي بعودة بنته للتمرين، مؤكدًا له أنها “لا بد تتمرن عشان تكون امرأة قوية”، كما يتشاجر بشدة مع أي متنمّر على تدريب البنات. 

تبدو المفارقة أنه في سياق منطقة مثل تلك، فإيمان كابتن رمضان بالنساء غير عادي، وهو يتطلب الكثير من الشجاعة لتنفيذ ذلك. ويمكننا اعتباره “مينتور” أو أبًا روحيًّا يحمس اللاعبات واللاعبين من خلال الغناء أو السخرية أو الصراخ الهستيري الذي يمكن تقبله من شخصيته لما يمتلكه من مكانة رمزية وسط مجتمعه. 

مشهد من الفيلم
مساواة جندرية في الهامش

الحلم على الجانب الآخر يتمثل في زبيبة، أخت البطلة الأوليمبية “عصمت نور”، والمفضلة لدى كابتن رمضان.. تتتبع “زايد” زبيبة منذ أوائل مراهقتها.. زبيبة ذات النظارة التي تؤطر عينيها التائهتين،  تبدو أكثر رهافة وحساسية من نظيراتها، الأمر الذي يظهره بكاؤها، سواء أفازت أم خسرت، أو من قلة كلامها لكونها منطوية على نفسها إلى حد ما. 

تلعب زبيبة دورًا جندريًّا مختلفًا أيضًا، فهي رافعة أثقال تُعامَل ككابتن في قلب الساحة، بل وتتعرض للقسوة عليها في كثير من الأحيان، ورغم أنها قد تبكي حينئذ، فإنها تعاود الرجوع إلى البار لمحاولة رفعه مرة أخرى.

“زبيبة” ترى في الكابتن رمضان أبًا غائبًا، وهو ربما المبرر لها لتستمر في هذه الرياضة ذات الصورة الذهنية المترسخة بأنها للرجال فقط، لكن الشيء المتعلق بمسألة الجندر أيضًا هو مناداة كل تلك الفتيات بضمير المذكر خلال التمرين، وهو ما يتناقض مع ما يحدث في أرض الصالة. 

الفيلم يفوز بجائزة مهرجان القاهرة السينمائي

الأسلوب الإخراجي للفيلم يعتمد على اختفاء المخرجة بقد كبير، بل واختفاء طاقم العمل بأسره ليصبح كفراشة تراقب ما يحدث، الأمر الذي يبدو أنه حدث من معايشة طويلة لأبطال وبطلات الفيلم، ما يخلق حالة توحّد مع أحزانهن وآمالهن. 

هناك أيضًا ما يتعلق ببنية سرد الفيلم المعتمدة على التنقل بين حالات الهزيمة/الانتصار الحزن/الفرح، ما يصنع سردية مختلفة عن فوز الرياضيين والرياضيات، الذي دائمًا ما يُركَّز عليه في أوقات الانتصار فقط. 

“عاش يا كابتن”.. فيلم بسيط لكنه يطرح العديد من التساؤلات حول المجتمعات المهمشة واحتوائها أشخاصًا ينظرون إلى المرأة والرجل بنظرة متساوية، بل ويناقش الأدوار الجندرية وتنميطاتها التي طالما تعودناها عبر الأدوار المقلوبة في الفيلم، والتي تتضح بشدة في كون البنات يدرّبن الذكور في نهاية الفيلم. 

فيلم يكشف عالمًا من الصعب مقابلته في يومك العادي، ويؤرخ لمسيرة بطلات وأبطال لم تنظر إليهم النوادي الرسمية أو جهات الدعم. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد طارق

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram