مردوده الاقتصادي عالٍ

خاص| حوار مع عالم مصري اكتشف معدنًا جديدًا

قبل عام واحد فاز أستاذ جيولوجيا المعادن بجامعة المنيا العالم الجيولوجي المصري الدكتور حسن حلمي، بجائزة “جورج فورستر” التي تمنحها مؤسسة “ألكسندر فون همبولت” الألمانية ضمن سبعة علماء أسهموا في تقدم علم المعادن على مستوى العالم، كان هو العربي الوحيد بينهم.

وعلى إثر الحصول على الجائزة تم منحه فرصة لاستكمال أبحاثه في ألمانيا، فلم يكد يُكمل عامًا واحدًا حتى أحرز إنجازًا علميًّا جديدًا، وصفته كلية العلوم بجامعته الأم المنيا عبر صفحتها الرسمية في 7 أغسطس الحالي قائلةً: “لأول مرة في تاريخ علم المعادن المصري يتمكن أحد الأساتذة المصريين من اكتشاف معدن جديد، حيث تم اعتماد المعدن الجديد واسمه من الاتحاد الدولي لعلم المعادن بتاريخ ٤ أغسطس ٢٠٢٠. والمعدن الجديد له نفس تركيب مادة برمنجنات البوتاسيوم (KMnO4)، وقد تم تسمية المعدن باسم (Bahariyaite) نسبةً إلى الواحات البحرية التي تم اكتشاف المعدن بها”.

ويشار إلى أن مادة “برمنجنات البوتاسيوم” النظير المُصنع للمعدن الجديد “بحرييايت” تُعد مركبًا كيميائيًّا يجمع بين خام أكسيد المنجنيز وهيدروكسيد البوتاسيوم، وتم تطويره واستخدامه لأول مرة عام 1857.

حصل “حلمي” على العديد من الجوائز من جمعية علم المعادن المصرية والجمعية الجيولوجية المصرية وجامعة المنيا، كما حصل على منحة علمية من مؤسسة “ألكسندر فون همبولدت” الألمانية ٢٠٠٨-٢٠١٠، وشغل منصب نائب رئيس الجمعية الجيولوجية الإفريقية لمدة ثمانية أعوام (٢٠٠٨-٢٠١٦)، ويشغل حاليًّا منصب السكرتير العلمي للجنة علم معادن الخامات الدولية، وعمل كأستاذ زائر بجامعة “كيوتو” باليابان لمدة عامين. وإلى نص الحوار:

كيف عثرت على المعدن الجديد؟ وهل كنت تتوقع وجوده أم اكتشفته صدفة؟

كنت أقوم بدراسة حقلية عادية في الواحات البحرية، ولم يكن هدفي العثور على معادن جديدة، بل كان الهدف الأساسي دراسة عيون المياه الساخنة المنبثقة من الآبار والتي تصل درجة حرارتها إلى 60 درجة مئوية، وأثناء المرور على الآبار تم جمع بعض العينات لاستكمال الدراسة، وأثناء فحص العينات الصخرية عثرت على هذا المعدن الذي لا يشبه أيًّا من المعادن المعروفة.

فبدأتُ إجراء عدد من الفحوص عليه في ألمانيا عبر إعداد شرائح ميكروسكوبية، وتحديد الخصائص البصرية، وعمل تحليل كيميائي وكذلك تحاليل للإشعاع وخلافه.

ما الذي يعنيه اكتشاف معدن جديد بالنسبة إلى الجيولوجيا؟

المعدن الجديد يعني مركبًا كيميائيًّا تكوَّن بصورة طبيعية، وله خصائص بصرية وكيميائية مختلفة عن كل المعادن المعروفة، ويتم اكتشاف ما بين عشرة وعشرين معدنًا سنويًّا على مستوى العالم، وللتأكيد على عدم تشابهه مع أيٍّ من المعادن المعروفة على مستوى العالم يُناط بجهة علمية واحدة تحديد ذلك، وهي تابعة للاتحاد العالمي لعلم المعادن.

المعدن الجديد

وهناك شروط للتقدم بمقترح لمعدن جديد، تتعلق بمجموعة من البيانات لا بد من تقديمها إلى هذه الجهة، أهمها: طريقة تواجد المعدن في الطبيعة، والتركيب الكيميائي، والخصائص البصرية والطبيعية للمعدن، فضلًا عن “بصمة المعدن”، فكما أن البشر، رغم أعدادهم بالبلايين، لكل واحد منهم بصمة مميزة، فالمعادن أيضًا لكلٍّ منها بصمة مميزة، وبصمة المعدن تكمن في تركيبه الذري وطريقة رص ذرات عناصره المختلفة.

ولتحديد البصمة يتم استخدام جهازين معقّدين لتحديد الشكل البللوري في حجم “الإنجستروم” وهو أقل وحدات القياس المعروفة، بالإضافة إلى مقارنة هذه البيانات بتلك الخاصة بالمعادن المعروفة، وقد سهّلت قواعد البيانات هذه العملية.

لماذا أطلقت اسم "بحرييايت" على المعدن المُكتشف حديثًا؟

عند التقدم إلى الجهة العلمية المنوط بها تحديد ما إذا كان هذا المعدن بالفعل جديدًا أم لا، يتم تقديم مقترح متكامل بالبيانات، ولأن هذا يشبه عمل شهادة ميلاد لطفل جديد، فاسم المعدن من البيانات المهمة التي يتم تقديمها، وهناك مواصفات محددة لاختيار الاسم كألا يطلق مُكتشف المعدن اسمه عليه، أو اسم أي من السياسيين، بل اسم عالم أفاد البشرية في مجال الجيولوجيا.

ولأن هذا المعدن له نفس خصائص مادة “برمنجنات البوتاسيوم” المصنعة فقد وجدتُ أن أي اسم لشخص لن يزاحم اسم المركب “برمنجنات البوتاسيوم” لذلك أطلقت اسم مكان عليه وهو “الواحات البحرية” فقد ينسى الناس اسم المكتشف ولكن سيذكرون فقط اسم المعدن المرتبط بمكان.

ورغم أن مادة “برمنجنات البوتاسيوم” معروفة منذ مئات السنين، إلا أنه لم يكتشف أحد من قبل أن لها نظيرًا طبيعيًّا، ولذا لا يُطلق عليها لقب معدن، أما الآن وإلى الأبد سيطلق عليها اسم “بحرييايت”.

صور ميكروسكوبية وطبيعية لمعدن بحرييات
ما الخصائص التي يتميز بها "بحرييايت"؟

تعريف معدن معين أشبه بالسير في طريق طويل، فلا زلتُ أُجري المزيد من الأبحاث منذ يناير الماضي حول وجود هذا المعدن الغريب، فهو يذوب في المياه وهذا ليس من صفات المعادن الموجودة في الطبيعة باستثناء ملح الطعام، وأخذتُ عينة صغيرة معي إلى ألمانيا، وبدأت في إجراء الدراسات المطلوبة، وكلما توصلت إلى تفصيلة جديدة بشأنه يزداد فضولي حتى توصلت إلى البصمة الخاصة بالمعدن الجديد.

وما كواليس تسجيل "بحرييايت" من قِبل الاتحاد الدولي لعلم المعادن؟

هناك شروط قاسية لتسجيل معدن جديد، إذ تقدمتُ لهم بالمقترح في شهر فبراير الماضي، وتم طلب معلومات إضافية، قدمتها أيضًا ليتم عرضها على لجنة علمية مكونة من عشرين عالمًا من جميع أنحاء العالم، والذين قاموا بمراجعة البيانات وتأكدوا من صدقيتها ودقتها وتم عمل تصويت بالاسم لقبول المعدن، ثم تصويت منفصل على اسم المعدن، ومن بين 20 عضوًا، صوت 18 عالمًا بنعم، فيما صوت عالم واحد بلا، لأنه يشك في أن تكون هذه المادة طبيعية، بينما أعرب عالم آخر عن تحفظه، أما الاسم فقد وافق عليه الجميع، فتم إقرار المعدن واسمه في 4 أغسطس الحالي.

وثيقة تسجيل المعدن الجديد في الاتحاد العالمي لعلم المعادن

كما أن كل من تعاونوا معي في هذا الاكتشاف من علماء ألمان، سواء من قاموا بعمل دراسة أشعة إكس أو ميكروبرو أو دراسة الكيمياء والخصائص البصرية، تم تدوين اسمهم معي.

هل المعدن موجود في الواحات البحرية بشكل حصري؟

لا يمكن لأحد أن يقول إنه موجود في أي مكان آخر، لأنه لم يكن معروفًا قبل ذلك.

ما هي قيمة هذا المعدن بالنسبة إلى مصر؟

قيمة هذا المعدن أنه سوف يظل مرتبطًا بالواحات البحرية ومصر للأبد، فهناك معادن معروفة من 300 و400 عام، ولا يزال اسمها يُتداول حتى الآن.

 وبالنسبة إلى القيمة الاقتصادية فمادة “برمنجنات البوتاسيوم” في الأساس تُصنع بتكلفة باهظة جدًّا، ووجود مقابل طبيعي لها، خاصة لو ثبت وجود كميات كبيرة منه في مصر، سيكون له مردود اقتصادي كبير جدًّا على مصر، حيث تبلغ قيمة الطن الواحد آلاف الدولارات.

ما هي اهتماماتك البحثية خلال السنوات الماضية؟

خلال السنوات العشر الماضية قمت بعمل أبحاث تجريبية عن سلوك العناصر النفيسة (البلاتين والبلاديوم) في الصهير الصخري في درجات حرارة تتراوح بين ١٢٠٠ و٧٠٠ درجة مئوية، حيث تمكنت من إثبات أن العناصر النفيسة تتواجد في الصهير الصخري كجزيئات في حجم النانو وليس كـ”أيونات” أو “كاتيونات”.

ولهذا الكشف العلمي، غير المسبوق، تطبيقات كثيرة في مجال الجيولوجيا الاقتصادية بشكل خاص، من حيث طريقة تكوين الخامات المعدنية، وفي مجال الجيولوجيا عامةً، من حيث فهمنا لطريقة تكون الأرض والكواكب الأخرى، وقد تم نشر هذا الكشف في إحدى مجلات “نيتشر” المرموقة، وتم الاستشهاد بأبحاثي أكثر من ١٠٠٠ مرة من قِبل باحثين من مختلف دول العالم.

الدكتور حسن حلمي خلال إحدى الأعمال البحثية الميدانية

ومنذ وصولي إلى مدينة بون الألمانية في العام الماضي (خلال فترة الدعوة الخاصة بالجائزة) قضيت كل وقتي في عمل بحث تجريبي عن سلوك الذهب في المحاليل الحرارية وطريقة ترسيبه على أسطح معادن الكبريتيدات في درجة حرارة وضغط يعادل درجة الحرارة والضغط على عمق ٦٠٠ متر من سطح الأرض، وهذه هي البيئة التي تتكون عندها معظم خامات الذهب في الطبيعة.

ولنتائج هذه الدراسة الجديدة تطبيقات مباشرة في مجال تعدين الذهب والاستكشاف الجيوكيميائي لهذا العنصر النفيس، وأتوقع أن تخدم هذه الأبحاث الشركات العاملة في مجال تعدين الذهب بمصر وأعمال الاستكشاف المعدني بها، لأن مصر بها احتياطيات مهولة من الذهب، وما ينقص القائمين على طرح مناطق الصحاري المصرية للاستثمار في مجال الذهب هو استخدام الأسلوب العلمي لتحديد مناطق الامتياز.

ما هي الجوائز التي تعتز بالحصول عليها وما قصتها؟

أعتز بجائزة “جورج فورستر” البحثية التي تمنحها سنويًّا مؤسسة “ألكسندر فون همبولدت” الألمانية، إحدى أهم الهيئات الداعمة للبحث العلمي على مستوى العالم، للمتميزين من دول العالم النامي في كل المجالات، سواء العلوم الإنسانية أو العلوم بمختلف أنواعها، والجائزة عبارة عن ٦٠ ألف يورو ودعوة للإقامة في ألمانيا لمدة عام وعمل أبحاث في أي معهد علمي هناك.

الدكتور حسن حلمي، خلال استلام جائزة "جورج فورستر"

وتُعطَى الجائزة عن مجمل التاريخ العلمي للفائز، وكي يفوز أي عالم من أي بلد بهذه الجائزة لا بد أن يرشحه أستاذ بإحدى الجامعات الألمانية، وأن يدعم هذا الترشيح بتقرير علمي يكتبه عالمان محايدان، أحدهما ألماني والآخر من إحدى الدول الغربية، وفي السنة التي حصلت فيها على الجائزة، فاز سبعة أساتذة بها أيضًا، أحدهم من فنزويلا (أستاذ في القانون العام)، وأستاذة من الإكوادور (في علم اللغة)، وأستاذ من البوسنة (في علم الفيزياء النظرية)، وأستاذة من نيجيريا (علم الصيدلة)، وأستاذ من موزمبيق (علم المناعة)، وآخر من جنوب إفريقيا (علم الكيمياء(.

وأُعطيت لي الجائزة كما هو موضح على موقع مؤسسة “ألكسندر فون همبولدت” لأبحاثي الرائدة في مجال علم المعادن، وخاصة المعادن في حجم النانو في درجات الحرارة العالية.

ما هي نصيحتك لشباب الباحثين لإحراز مزيد من الاكتشافات؟

الفضول وقوة الملاحظة والبحث عن غير المألوف هو ما يؤدي إلى الاكتشافات، فلو رأى الباحث شيئًا لا يفهمه وتناساه أو تغاضى عنه فلن يكتشف شيئًا، وهذا هو الفارق بين فئة كبيرة من العلماء المصريين وبين الأجانب.

وليس على الباحث أن يركز في 50 أمرًا، بل على العكس لو ركز في أمر واحد، وركز بشكل خاص على الشيء غير الطبيعي فيه وفهمه، فهذا ما يؤدي به إلى الاكتشافات.

 بالنسبة إليّ أهتم كثيرًا بالتفصيل، وأركز بشدة مع غير المألوف وغير العادي، حيث إن العادي والطبيعي كل الناس يمكنها أن تراه، أما غير المألوف وغير الطبيعي فلا يلفت نظر الكثيرين.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

رحاب عبد العظيم

صحافية مصرية

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram