زوايامختارات

عاملات اليومية يسخرن من الوباء.. يلا بِنا نِشقى في البدرية!

 

قبل الخامس من مارس/آذار 2020، كان كل شيء هادئًا، لم تطرأ أمور جادة  قبل ذاك اليوم، يترتب عليها تأجيل أو إلغاء رحلتهن  اليومية التي  تبدأ من الرابعة والنصف فجرًا وتمتد حتى الواحدة ظهرًا. لكن بعد إعلان وزارة الصحة المصرية عن اكتشاف أول حالة مصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ومطالبة الجميع بالتزام المنازل ومراعاة التباعد الاجتماعي، باتت “يومية” العاملات الزراعيات مُهددة، بفعل انتشار الوباء.

ثمّة أمور أخرى تهدد حياة الإنسان غير الوباء، فالفقر أيضًا مميت، ولهذا السبب استمر عملهن منذ بداية تفشي الفيروس في مصر، ومع تزايد حالات الوفاة وارتفاع معدلات الإصابة، لم تترك العاملات وظيفتهن التي كفتهن سؤال الناس.

الفقر أشد فتكًا

مع  خروج الرجال من مساجد قرية عرب الشوبك، بمحافظة الجيزة، عقب تأدية صلاة الفجر، تقف عربة نصف نقل على مدخل القرية، في انتظار تجمع السيدات وتوصيلهن لأراض زراعية، حيث مقر عملهن. “أم محمد”، واحدة من بين 20 امرأة يجلسن في صندوق سيارة متهالكة، يكملن نومهن في الطريق، تقول: “أنا ماقعدتش من الشغل ولا يوم، من ساعة ما ظهرت الكورونا”؛ علامات الشقاء على وجهها تبوح بأن السيدة لم تكترث لخطورة الفيروس، واستمرت في جمع محصول الفاصوليا. استمرت ولم تعبأ بشيء، فزواج ابنتها الكبرى خلّف لها ديونًا لا بد من أن تُسدد إلى أصحابها.

بدأت عملها “باليومية” منذ 5 سنوات قضتها متنقلة بين قرى محافظة الجيزة، لم تكن مُخيرة بين الشقاء والراحة، فتحكي أن ابنها الأكبر تزوج وتركها دون مصدر دخل، لذلك اضطرت إلى الانضمام إلى عاملات التراحيل، بهدف توفير نفقاتها من أكل وعلاج: “ابني انعزل عني وبقيت لوحدي ولازم أصرف على نفسي”.

أم محمد – عاملة زراعية

خلال ذروة تفشي الوباء تعرضت “أم محمد” لحادثة كسر بإحدى قدميها فلم تمهل عظامها وقتًا كي تلتئم، عادت إلى العمل بسبب العوز وقلة الحيلة. وعن الأمور التي تغيرت في طريقة عملها بعد ظهور الجائحة، تقول: “أنا كنت باشتغل والكمامات على حنكي (فمي) وباروح وباجي بيها، دا أكل عيشي”، رغم أن ارتداء الكمامة لم يكن أمرًا شائعًا  بين السيدات العاملات بالأراضي الزراعية، اضطرت السيدة الخمسينية إلى ارتداء الكمامة، في محاولة  للإفلات من الإصابة بالفيروس.

لكونها صاحبة مرض مزمن، تكبدت “أم محمد” نفقات إضافية لتوفير المواد الوقائية من كمامات ومطهرات، فهي تتقاضى 70 جنيهًا يوميًّا عن فترة عمل 8 ساعات تبدأ من الرابعة والنصف حتى الواحدة ظهرًا، مؤكدة على أن مقاول الأنفار لم يدفع لها أي مقابل لشراء المواد الوقائية.

ومقاول الأنفار هو الشخص الذى يعقد الاتفاق مع عاملات التراحيل من القرى المختلفة، ويجمعهن فجرًا فى سيارات نقل تحمل أضعاف الحمولة الطبيعية، ويتجه بهن إلى الحقل أو الأرض المراد جمع المحصول منها، ما يعرضهن  لمخاطر كثيرة.

عزل اختياري

في الوقت الذي لم تكترث الغالبية العظمي من السيدات ضمن العمالة اليومية والعائلية في المجال الزراعي بخطورة الفيروس، الذي حصد أرواح أكثر من 6 آلاف شخص بمصر، خرجت “أم ميادة” عن القاعدة: “أنا اعتكفت في البيت 4 شهور”، بعد فترة عمل امتدت نحو 15 عامًا.

سيطر رُهاب الإصابة بالفيروس على السيدة المقيمة بقرية مزغونة، التابعة لمركز البدرشين بمحافظة الجيزة، فقررت التخلي عن مصدر رزقها الوحيد الذي تتقاضاه من العمل باليومية، لخوفها الشديد من عدم حصولها على سرير بإحدى مستشفيات العزل في حالة الإصابة: “كان كل خوفي إني أتعب وأضطر أروح مستشفى خاصة وأنا مش معايا ولا جنيه”.

من ينفق على الأسرة؟ تحكي “أم ميادة” معاناتها وزوجها من العمل باليومية، خصوصًا أن زوجها عامل بمجال البناء ولديهما 6 أبناء، فالفيروس تسبب  في توقف المال الذي يعينها على تدبير شؤونها حتى منحة العمالة اليومية التي صرفتها الدولة وقدرها 500 جنيه لم يستطع الزوج  الحصول عليها: “كنت بامشي البيت بأقل حاجة من اللي متخزن عندي، وحاجات كتير ماكنتش باجيبها”.

لم يعد المخزون كافيًا. تحدٍّ آخر تواجهه السيدة عقب نفاد ما لديها من غذاء، ما اضطرها إلى تقليص الوجبات المقدمة لأبنائها خلال فترة اعتكافها بمنزلها والخوف من الخروج إلى الشارع، وإن لزم الأمر يخرج الزوج لتلبية ما يحتاج إليه المنزل: “حاجات البيت جوزي كان بيحط العِمّة (الشال) على بقه (فمه) وبيجيبها”.

أمور أخرى أثقلت كاهل “أم ميادة”، قبل الجائحة كانت السيدة تعمل لفترات طويلة هي وزوجها لتدبر أموالاً تكفي تجهيز ابنتها الكبرى: “معايا بنتي عايزة تتجوز ومش عارفة هاجهزها إزاي”، وبفعل الكورونا والظروف المادية للأسرة توقفت ترتيبات العرس لأجلٍ غير مسمى.

المواشي تعاني!

كانت وكالات الأنباء مهتمة ببث تقارير وآراء طبية تفيد أن الفيروس لا ينتقل من الحيوان إلى الإنسان، في حين لم تكترث “أم مصطفى” بتلك الأخبار، وما شغل بالها أن مخلفات المحاصيل الزراعية مثل التِبْن والأعلاف والبرسيم وحشيش المراعي التي تصنف من أهم أغذية المواشي، لم تعد متوافرة بفعل تفشي الوباء.

أم مصطفى – عاملة زراعية

في قرية أبو رجوان، التابعة لمركز البدرشين بمحافظة الجيزة، كان الهمّ الأكبر للعاملة أم مصطفى هو توفير علف المواشي، فالأم أصبحت  المسؤولة عن تدبير أمورها المعيشية منذ أن فقد الزوج عمله، وباتت الماشية هي المصدر الأول لدخل الأسرة. رغم الأموال الزهيدة التي تجنيها الأم من بيع ما تنتجه البهائم، فإن تلك الأموال كادت تُفقد أيضًا بعد أن عرفت مصر الوباء العالمي.

تقول “أجَّرت (استأجرت) قطعة أرض صغيرة عشان أقدر أجيب أكل للبهايم، وباشتغل في الأرض دي أنا وابني الكبير وبنتي الصغيرة”، وبعد إصابة 6 أشخاص من جيرانها أصبحت العدوى على بعد أمتار منها، فتوقفت عن الذهاب إلى الأرض: “لما صابت خمسة ستة! قليل لمّا كنا بنطلع وبعدها الأرض.. الرشح ركِبها (أغرقها)!”.

وعقب تفشي الجائحة وفرض إجرءات الحظر الصارمة ومعاقبة من يخالفها زادت رهبة الخمسينية: “مابقيتش أنزل لما الحكومة قالت اللي هنلاقيه برة هناخده. دلوقتي مافيش أكل والبهايم لازم أجيب لها أكل بنفسي من الغيطان”. لم تجد وسيلة أخرى عقب بوار الأرض سوى اللجوء إلى الجيران من أجل تغذية المواشي التي تعد وسيلة الرزق الوحيدة لديها؛ فتعتني المرأة الريفية -إلى جانب الأعمال الشاقة في الأرض الزراعية- بالحيوانات وتنتج وتبيع  مشتقات اللبن وتتعامل مع مخلفات البهائم وتجهز السماد الطبيعي للأراضي الزراعية.

اضطرت “أم مصطفى” إلى العودة إلى أرضها الزراعية مرة أخرى لتعالج ما أصابها من بوار، في محاولة للحفاظ على ما تجنيه منها بهدف سد احتياجات المنزل من مصروفات، إلى جانب حرصها على استكمال ابنتها الوسطى للدراسة بالأزهر الشريف: “إلا اللي بتدرس كلام ربنا.. ديه لو هنموت من الجوع مش هاطلعها من دراستها.. الأرض مصدر رزقنا وأكلنا.. بقيت بانزل بالكمامة، ماكنتش باطيقها من الخنقة لكن مجبرة، أعمل إيه؟”.

السخرية من الوباء

“الحياة تراجيديا عندما ننظرها عن قرب، لكنها كوميديا في اللقطة الطويلة”. تعاملت السيدة الحاصلة على (دبلوم صنائع- قسم تفصيل) بالمقولة المنسوبة إلى الممثل العالمي شارلي شابلن، فوسط الأخبار المتدفقة عن سقوط موتى بالآلاف إثر الجائحة العالمية اتخذت “أم أحمد” ذات الأربعين عامًا السخرية سلاحًا لمواجهة “إحنا كنا واخدين موضوع كورونا دا بالتريقة، واللي بتخاف منها بنتتريق عليها”، للحفاظ على مصدر رزقها: “لو قعدت هيضيع عليا محصول السنة اللي هاسدد بيه الكيماوي وحاجات الأرض اللي جايباها بالشُكك (الدفع الآجل)”.

تجمع السيدة التي تقيم بإحدى قرى مركز قطور بمحافظة الغربية، بين العمل بالعمالة اليومية والعائلية منذ 20 عامًا. فإلي جانب عملها بأرض الزوج، تعمل باليومية خلال مواسم جمع المحاصيل. وتتراوح أجر اليومية من 50 إلى 70 جنيهًا مقابل 8 ساعات عمل: “الأرض بتاعتنا وبنزامل عليها، وباروح بالأجرة في أراضي تانية”.

لم يتغير الروتين اليومي للسيدة الأربعينية، عقب تفشي فيروس كورونا ووصوله إلى إحدى القرى المجاورة لمحل سكنها: “أيام كورونا كنت باجمع البصل وزهرة اللارنج، وكنا بنركب في صندوق العربية ييجي 15 ست (سيدة)”، وتؤكد على أن العمالة اليومية تخلو من الرجال، فكلهن سيدات يذهبن إلى الحقل أو “الجناين” منذ بزوغ الشمس، مبررة ذلك بوقوع المهام الرئيسة على كاهل الرجل: “الرجالة هنا مش بيسرحوا.. كل اللي بيروحوا الأرض ستات”، وتتوع مهام العاملات بين جني الثمار وحفر قنوات المياه.

كثيرات امتنعن عن استخدام المواد الوقائية لعدم قدرتهن المادية، أما “أم أحمد” فلم تمنعها القدرة المادية فقط، بل أنكرت وجود الفيروس المميت: “عندنا هنا مابنلبسش كمامات.. الهوا عندنا حلو مافيش كورونا” رغم تنقلها اليومي بين قرى محافظة الغربية والعودة للعمل بأرض الزوج: “الزرعة عايزة تشرب.. أسيبها تموت من العطش؟!”.

لم تشكُ السيدة من آثار الجائحة التي طالتها، لكن عبرت عن الآلام التي تسكن جسدها إثر الجمع بين العمل في الأرض والعمل المنزلي: “الشغل والأرض طين بيوجع ضهري.. والراحة مابتشتريهاش حتى بفلوس! أنا باجي من الغيط (الحقل) مش عارفة أفرد ضهري”.

أرقام عن عاملات الزراعة في مصر

من يحميهن؟

أجمعت غالبية السيدات اللاتي يعملن بالعمالة اليومية، ضمن العمل الموسمي وغير الرسمي، على عدم وجود أدوات حماية تكفيهن شر الإصابة بوباء كورونا. فهنّ أكدن عدم توفير المواد الوقائية لهن من جانب مقاول الأنفار أو أرباب العمل خلال تفشي فيروس كورورنا، إلى جانب تلاصقهن بصندوق عربة نقل من دون أي تباعد جسدي، وفضلاً عن هذا يلفظ قانون العمل المصري حقوق العاملات الزراعيات ليصبحن غير معترف بهن على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي، فتنص المادة (97) من قانون العمل الموحد رقم 12 للعام 2003 على استقصاء العاملين بالمنازل والعاملين بالزراعة البحتة من أحكام القانون.

هذا ما أكدت عليه المحامية زينب خير، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للحقوق الاجتماعية والإقتصادية حين قالت إنه “لا توجد أية إجراءات حمائية لعمالة النساء الزراعيات في ظل ظروف العمل القاسية اللاتي يعملن فيها”، وذكرت منها وسائل النقل غير الآمنة، وتعرضهن للعديد من الأخطار الصحية مثل العمل وسط الكيماويات، دون إرشاد صحي أو زراعي، يترك آثاره في صحتهن الإنجابية، إلى جانب استبعادهن من الباب الخاص بتشغيل النساء بالقانون المصري وغياب أي ضمانة قانونية أو تأمينية أو صحية، وعدم وجود أي نقابات مختصة بالعاملات الزراعيات مسؤولة عن تشغيلهن يمكن اللجوء إليها في حالات تعرضهن لإصابات العمل.

المحامية زينب خير

على الرغم من صدور قرار بقانون بالتأمين الصحي يشمل الفلاحين والعمالة الزراعية، وإدراج وزارة الزراعة للفئات التي تحت هذا القانون، فإن القانون يقتصر على الفلاحين المدرجين ضمن السجلات الزراعية بالجمعيات التعاونية الزراعية، بحيث يجب أن يكون هذا الفلاح لديه ما يثبت أن مهنته في بطاقة الرقم القومي. ولأن العاملات بالزراعة لا يَحُزن ما يثبت ذلك، فإنه يجري استبعادهن من تطبيقات هذا القانون، وفقًا لدراسة “النساء العاملات في الزراعة ..الواقع والبدائل” الصادرة عن مؤسسة المرأة الجديدة.

“خير” شددت على أن هؤلاء السيدات تُمارَس ضدهن أنواع عنف عديدة، منها العنف القانوني السابق ذكره، والعنف الاقتصادي المتعلق بالأجور، ومنحهن أجرًا أقل من أجر الرجال، والعنف المنزلي. وأكد المركز المصري لحقوق المرأة على زيادة معدلات العنف الأسري إلى ما يقرب من الضعف خلال فترة العزل المنزلي، فالزيادة مثلت 85% من معدلات الشكوى العادية.

واختتمت خير بأن حماية العاملات بالمجال الزراعي، تتطلب تضافر الجهود والتنسيق بين جميع المؤسسات المعنية وأصحاب المصالح من وزارات حكومية، ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالمرأة.

يُذكر أن القطاع الزراعي في مصر يمثل 14.7% من الناتج القومي الإجمالي، ويعمل فيه نحو 8.5 ملايين شخص، ما يشكل 32% من سوق العمل المصري.

 

سمر حسن

صحافية مصرية

نورهان محسن

تصوير ومونتاج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى