عامٌ على مقتل البغدادي

تحوُّر تكتيك داعش القتالي: أطراف ثم مواجهة

إن الادّعاء بالانتصار على الإرهاب “نصرًا تامًّا” لهو خطأ إستراتيجي، خاصةً في حالة تنظيم “داعش”، فمن غير الدقيق الاعتماد فقط على الجهود العسكرية ضد الحركات الإرهابية والمتطرفة، وإنما يجب تشكيل حملات أوسع للتعامل مع التهديدات المرتبطة بأسباب الإرهاب، والتي لا يمكن هزيمتها عسكريًّا فقط.

الدليل على ما سبق، أنه رغم الانتصارات التي حققتها الولايات المتحدة على المستوى العسكري ضد الجماعات والحركات الإرهابية، فإنها لم تقض تمامًا على الإرهاب، لأن جميع الحركات الإرهابية التي استهدفتها الولايات المتحدة، إمّا تعافت وإما ظهرت باسم أو شكل جديد، أي أن عمل الولايات المتحدة وحدها أو بالشراكة مع حلفائها الإستراتيجيين للحد من القدرات العسكرية لحركة إرهابية معينة وتقليل أو احتواء قدرتها على الانتشار لا يعد هزيمة دائمة للإرهاب.

عناصر داعش
تغير إستراتيجية داعش

أُصيب تنظيم داعش بالضعف بعد عمليات التحالف الدولي، حتى قبل إعلان سقوط ما يسمى الخلافة في مارس/ آذار 2019 ومقتل البغدادي في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، إذ تلاشى هيكله التنظيمي ولم يعد له تشكيل وزاري كما في السابق، وخسر التنظيم غالب الأراضي التي سيطر عليها، علاوة على فقدانه غالب أسلحته ومعداته العسكرية التي سيطر عليها خلال سنوات 2014-2017، إضافة إلى خسارته موارده المالية واللوجيستية، إلا أن هذا لا يعني انتهاء التنظيم ككل واختفاء أثره.

وتكشف الإستراتيجية الجديدة التي أعلنها تنظيم داعش على لسان أبو حمزة القرشي في 27 يناير/ كانون الثاني 2020، مدى الضعف والتفكك الذي أصاب التنظيم، إذ أعلن التنظيم ما أسماه إستراتيجية المقاومة طويلة الأمد، دعا فيها التنظيم ما تبقى من عناصره في الداخل، سوريا والعراق، للتركيز على النشاط السري، من أجل إعادة ترميم الصفوف والنفوذ في المناطق التي خسرها التنظيم.

أمّا المؤيدون في الخارج، فقد دعاهم التنظيم إلى تبني إستراتيجيته الجديدة كنوع من إثبات للذات وقوة الوجود. ففي العدد 226 من صحيفة النبأ أبلغ التنظيم أعضاءه بأن حربه الممتدة على نطاق العالم ستستمر، حتى مع انتشار فيروس كورونا، كما ذكر أن الأنظمة الأمنية الوطنية والدولية التي تساعد في كبح جماح التنظيم على وشك مواجهة أعباء تفوق طاقتها، وأن أعضاءه ينبغي أن يستغلوا ذلك لأقصى درجة ممكنة.

يتفق ذلك مع انخفاض مستوى التهديد لعمليات تنظم داعش في سوريا والعراق، فعلى الرغم من استمرار العمليات، لم تعد بالكيفية والتأثير الذي كانت عليه خلال سنوات 2016-2018، فلم يستطيع التنظيم إعادة أي من المناطق التي كان يسيطر عليها خلال فترات توقف عمليات قوات التحالف الدولي خلال الأشهر الأولى من 2020.

وفي ما يلي بيان بعمليات التنظيم في سوريا والعراق خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2020:

1- سوريا

خريطة العمليات في سوريا 2020

2- العراق

خريطة العمليات في العراق 2020
الربع الثالث 2020

يتضح من الأرقام أنه نجاح قوات التحالف الدولي الوحيد يكاد يكون هو: تفكيك الدولة الأولية (أي الخلافة التي أقامها التنظيم) وكذا استعادة المدن والبلديات العراقية والسورية، فقد  تحول التنظيم إلى ميليشيات حركية متناثرة، اندثرت إلى الصحراء والأطراف في محاولة إعادة تأسيس التنظيم.

وهناك عوامل عدة ساعدت على التعافي المحتمل لداعش، فقد فشلت محاولات إعادة البناء والإعمار في كل من سوريا والعراق، إضافة إلى الأداء الضعيف للحكومتين العراقية والسورية في التعامل مع المشكلات الداخلية، فضلاً عن التوترات الناشئة بين الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف من جانب والحكومة العراقية من جانب آخر، وكذلك تكون مجموعات جديدة من اللاجئين والنازحين في سوريا نتيجة التدخل التركي في شمال سوريا.

هذا الأمر يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الانتصارات العسكرية التكتيكية على الإرهاب لم تقض على داعش نهائيًّا في سوريا أو العراق، حيث تظل قدرة الإرهابيين والمتطرفين على استغلال الإنترنت ووسائل الإعلام العالمية حاضرة، كأداة جادة للإرهاب والتطرف الذي يتجاوز الحدود الوطنية وأي منظمة إرهابية أو متطرفة معينة.

دلالات استمرار عمليات داعش في سوريا والعراق

رغم استقرار وتيرة عمليات “داعش” في كل من سوريا والعراق، فإنه من المبكر جدًّا أن يعد ذلك علامة على تعافي التنظيم واستعادة قوته التي كان عليها خلال سنواته الثلاث الأولى، إذ لم تشر عمليات التنظيم في كل من سوريا والعراق على قدرته على تسيير المركبات والآليات العسكرية كما كان يحدث، كذلك لم يعد للتنظيم قدرة على استقطاب مجندين جدد، إذ يعاني من أزمة مادية، علاوة على أزماته اللوجيستية وتلك المتعلقة بمعدات القتال، وكذلك لم يعد للتنظيم القدرة على السيطرة على مناطق واسعة وفرض نفوذه عليها إضافة إلى عدم قدرته على جمع المال من الضرائب، وآبار النفط، والتبرعات الخارجية.. وكل ما سبق كان مؤشرات القوة الحقيقية للتنظيم في السابق، ولم يستطع استعادتها إلى الآن.

أفراد تنظيم داعش الإرهابي

وإذا لم تكن الأرقام السابقة (الخاصة بعمليات التنظيم في سوريا والعراق) تشير إلى عودة وتعافي تنظيم داعش.. فبماذا تشير؟

يمكن تفسير استقرار وتيرة عمليات داعش في كل من سوريا والعراق إلى استغلال التنظيم لتلاقي عدد من العوامل:

1- ضعف العمل العسكري الموجه إلى التنظيم في البلدين، حيث إن تقليص القوات العسكرية المختلفة لأنشطتها بسبب فيروس كورونا، خلّف فراغًا أمنيًّا، وتزامن ذلك مع “شهر رمضان”، وهو الشهر الموسمي لزيادة وتيرة عمليات التنظيم في كل من سوريا والعراق.

2- أدى التدخل التركي في شمال سوريا في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، إلى مزيد من الفوضى، وهو ما استغله أفراد مؤيدون للتنظيم للقيام بعمليات إرهابية، كذلك ارتفاع حدة التوتر بين كل من الولايات المتحدة وإيران واستهداف كل منهم الآخر في الأراضي العراقية، ما أتاح لأفراد التنظيم إعادة الانتشار في الأماكن النائية.

3- استغلال داعش للاحتجاجات العراقية والغضب الشعبي الذي اجتاح المدن العراقية والشلل السياسي وعدم التوافق على تشكيل حكومة جديدة، ما أدى إلى زيادة وتيرة عمليات داعش في العراق بالمقارنة بسوريا، خاصة المدن التي تشهد توترات حدودية وطائفية.

4- أدى غياب آليات الحكم الرشيد، وانعدام الفرص الاقتصادية، والتهميش السياسي والإهمال، وتأخر عمليات إعادة الإعمار، وزيادة الانقسامات الطائفية، إلى انتشار موجات الغضب بين السوريين والعراقيين تجاه حكومتهم، وهو ما ساعد تنظيم داعش على إعادة تشكيل قواته.

ونتج عما سبق نجاح التنظيم في استعادة موطئ قدم قوي له في كلا البلدين، يسمح له بتنفيذ هجمات متكررة وواسعة النطاق.

الجيش العراقي
التمركز في الأطراف والمواجهة المباشرة.. تكتيك قتالي جديد لداعش

في سوريا، صعّد “داعش” هجماته خلال رمضان، رغم ذلك لم تكن لديه القدرة على استعادة أو السيطرة على الأراضي في منطقة العمليات المشتركة، وتبقى عناصر داعش قادرة فقط على العمل في خلايا صغيرة وشن هجمات غير متكافئة تستهدف قوافل ونقاط تفتيش القوات الموالية للنظام السوري في شرق محافظة حمص وجنوب غرب سوريا.

ومع التوغل التركي في شمال سوريا ركّز داعش أنشطته على مساحة واسعة من الأراضي العربية ذات الغالبية السنية في شمال سوريا، إلا أنها لا تملك القدرة التي كانت عليها في السابق لاستهداف العشائر السنية على نطاق واسع.

أمّا في العراق، فأدت القيود التي فرضتها الحكومة العراقية بما في ذلك حظر التجول، إلى الحد من حرية حركة أفراد داعش في التنقل في المناطق الحضرية أو السكنية، لكنها سمحت لأفراد التنظيم بالتحرك بحرية أكبر وبخوف أقل من اكتشاف أو اعتراض قوات الأمن العراقية في المناطق النائية، حيث توجد قيود أقل قوة، الأمر الذي مكّن المجموعة من تنفيذ المزيد من الهجمات.

علاوة على ذلك، ركّز التنظيم على استهداف “المتعاونين” مع السلطات الحكومية والقوات الأمريكية، خاصةً في المناطق الريفية، معتمدًا أكثر على العبوات الناسفة الموضوعة على جوانب الطرق وهجمات القناصة، كما سعى التنظيم في العراق إلى التأثير على السكان السنّة المحليين من خلال استغلال مظالمهم، فالسنّة يواجهون معدلات بطالة عالية، وانعدام الأمن، والنزوح، والأزمات الإنسانية، وفشل الحكومة في توفير الخدمات الأساسية، وهذه التحديات تترك المدنيين السنّة عُرضة للتجنيد من داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة.

الجيش العراقي يواجه داعش

وهنا يظهر تساؤل هامّ: إلى ماذا يشير نمط العمليات الجديدة لداعش؟ وهل تمكن إعادة دولة الخلافة؟

بتحليل نمط العمليات في سوريا والعراق، خلال فترة العام على مقتل البغدادي، نجد تخطيطًا جديدًا للعمليات يعتمد على الاشتباكات المباشرة، بدلاً من نمط الهجمات غير المتماثلة Asymmetric Warfare (الذي كان يُفضّله داعش في السابق).

وعلى الرغم من أن عناصر التنظيم تستخدم الوسائل القديمة نفسها (العبوات الناسفة والأسلحة الألية)، لكنها تقوم بخيارات جديدة، من حيث اختيار الأهداف والتوقيت وطريقة التنفيذ. ومع ذلك فإن الهجمات الحالية التي يشنها تنظيم داعش لا تُقارن بالتهديد الأكبر الذي شكّله التنظيم في الماضي، فلم يعد ينفذ تفجيرات كبيرة بالسيارات المفخخة أو يسيطر على مناطق واسعة.

يريد تنظيم داعش من عملياته خلال العام الحالي (2020) أن يقول إنه ما زال يتمتع بقدرة فاعلة ومؤثرة، لكن المؤشرات على أرض الواقع تشي بضعف قدراته مقارنةً بالسابق.

استغل التنظيم ظرفًا استثنائيًّا في عام 2014، حينما انهارت أنظمة حكم كانت قائمة وبدت الحدود الوطنية فجأة عُرضة لإعادة الترسيم. فتدفق المال والسلاح وآلاف المقاتلين الأجانب إلى سوريا، والتي كانت بحلول ذلك الوقت قد خرجت عن سيطرة نظام الأسد. فاستغل التنظيم سوريا كقاعدة خلفية واسعة وغنية بالموارد، ومنها اجتاح العراق.

أمّا الآن، وبعد المعارك التي خاضها التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، بات العالم أكثر يقظة لتهديدات التنظيم، وبات من الصعب على داعش بقدراته الحالية أن يُفاجئ العالم بنفس طريقة عام 2014، فلا شك أن التنظيم يرغب في تكرار تجربة الخلافة، إلا أن العوامل التي سمحت بذلك في الماضي لم تعد موجودة، ويمكن القول إنه من غير المُرجح أن تصبح موجودة في المستقبل المنظور.

الهوامش:

تم الاعتماد على أرقام التقارير الرسمية لوزارة الدفاع الأمريكية الصادرة إلى الكونجرس الأمريكيOperation Inherent Resolve, Report to the United States Congress، والتي تعتمد على مؤشرات Armed Conflict Location and Event Data Project (ACLED), Janes Terrorism and Insurgency database (Janes), and the Enabling Peace in Iraq Center (EPIC)، مع ملاحظة تضارب الأرقام في عدد العمليات بسبب اعتماد عمليات الجماعات الإرهابية بعضها ضد بعض على أنها عمليات إرهابية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تحليل

مصطفى كمال

باحث مساعد بوحدة الدراسات الأمنية بمركز الأهرام

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram