عامٌ على مقتل سليماني:

ماذا تبقى من مشروع حرس إيران الثوري؟

قبل عام من اليوم، قتلت غارة أمريكية بطائرة مُسيَّرة القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، ورفيقه العراقي أبو مهدي المهندس، ونفذت إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب اغتيال سليماني لإجبار إيران على تغيير سلوكها في المنطقة وتحجيم نفوذها الإقليمي الواسع.

ومن موقعنا هذا، فإن اثني عشر شهرًا تعتبر فترة قصيرة للغاية لتقييم أثر هذه الخطوة في مجال السياسات طويلة الأجل وموازين القوى. وبعيدًا عن بعض مؤشرات الانقسام الذي دبّ بين بعض الميليشيات الشيعية في العراق، لم يتغير الأمر كثيرًا، لذلك من المستحيل الآن معرفة تأثير مقتل سليماني بدقة. ما يمكننا قوله أن مقتل سليماني أطلق العنان لموجة عاطفية وسياسية خرجت من إرثه، مدفوعة بالكامل تقريبًا من داعميه في طهران وأنصاره في جميع أنحاء المنطقة، وتغذيها رغبتهم في تشكيل ذاكرة الرجل واللغز والأسطورة التي ساعدوا في خلقها.

تتحدد مشاعر المرء تجاه سليماني جزئيًّا من خلال تجربته معه ومع الميليشيات الأجنبية التي ساعد في تدريبها وتسليحها وقيادتها في لبنان وسوريا والعراق، أولئك الذين تمكنوا، مثلي، من مشاهدة مسيرة سليماني عن بعد، كان لديهم رفاهية مراقبة الرجل والسياسات التي رسمها والتعرف على الأسود والأبيض، مع الاعتراف ببحر الرمادي الذي يحيطهما.

بالنسبة إلى البعض، كان موته بمثابة تحقيق جزئي للعدالة، ونهاية مؤكدة لحياة رجل كان بمنزلة العمود الفقري لحرب الأسد الوحشية ضد الشعب السوري، رجل مكّن الميليشيات الفاسدة من اليمن والعراق ولبنان، وبالنسبة إلى آخرين، خاصة أنصاره ورعاته في طهران، كان سليماني بطلاً قائدًا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وبطلاً للأقليات الشيعية المسلمة.

بالنسبة إلى الإيرانيين، يعتبر تكوين وجهات نظر عن سليماني أمرًا أكثر تعقيدًا، ويُصاغ عمومًا من خلال نظرة المرء إلى النظام الحاكم.

جنازة سليماني

كان سليماني شخصية نادرة من حيث كونه جزءًا راسخًا من المؤسسة وكذلك شخصًا يستطيع تجاوزها لفترة وجيزة.. قوبل مقتله بمشاعر مختلطة، وخلق ردود فعل متباينة على المستوى الشخصي في جميع أنحاء البلاد، وأنتج النظام سيلاً من البروباجندا لا نهاية له للاحتفاء بسليماني كشهيد، لكن هذا الرأي استثنائي ومن إنتاج الدولة.

بالنسبة إلى الآخرين، كان واضحًا أن سليماني دافع عن مشروع ما، ولكن لا يوجد إجماع على ماهية ذلك المشروع تحديدًا.

ومن أجل إدراك التعقيدات المترابطة في مختلف التصورات عن سليماني، من الضروري فهم ما يرمز إليه سليماني بالنسبة إلى إيران وجيشه والميليشيات الأجنبية التي عمل معها بنحو وثيق.

تبدأ قصته، على نحو ما، بالثورة الإسلامية، وكل أصدائها.

اشتعلت ثورة 1979 بسبب الإحباط الشديد والأمل الوافر، عبر الأطياف المختلفة للأيديولوجيات والمشاعر التي شكلت الحركة الثورية، كانت هناك رغبة مشتركة لكسر خضوع إيران للقوى الأجنبية، وغالبًا ما توصف هذه الرغبة بأنها معاداة للأمركة أو حتى معاداة للإمبريالية، وبينما يعكس ذلك بدقة اللغة التي استخدمها الثوار في ذلك الوقت، يعد أيضًا وجهة نظر اختزالية.

بالطبع كانت الولايات المتحدة هي القوة الأجنبية الأكثر نفوذًا في إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وكانت هي الهدف الرئيس للنقد الثوري اللاذع، ولكن الولايات المتحدة لم تكن هي بداية المشكلة ولا نهايتها.. كانت المشكلة هي الظلم وانعدام العدالة: ظلم الشاه وقسوته في قمع المعارضة، سواء من الإسلاميين والليبراليين واليساريين.

دفع الفساد وانعدام الفرص المعيشية والخوف من الانتقام بسبب الهمس بالكلمات الخاطئة إلى الجار الخطأ أو الصديق أو الزميل في الدراسة، ملايين الإيرانيين إلى التحرك ضد الشاه والنزول إلى الشوارع للمطالبة بإسقاطه.

كان رجوع “آية الله روح الله الخميني” إلى طهران في فبراير/ شباط 1979، ورحيل الشاه قبل أسابيع، مؤشرًا على نجاح الثورة، ومع ذلك، سرعان ما علم الجميع أن المنتصرين في الثورة لم يكونوا مهتمين بتأسيس نظام عادل ومنجز.. بدلاً من ذلك، وتحت إشراف الخميني، مهندس النظام الثيوقراطي الإيراني والمرشد الأعلى الأول، كان يُنظر إلى العدالة على نطاق أوسع بكثير، فقد كان الأمر يتعلق في المقام الأول بشيئين: تأسيس نظام إسلامي في الداخل، وقلب الوضع الراهن الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة في المنطقة، مع التركيز على مواجهة إسرائيل.

غيرت نقطة البدء هذه للسياسة الخارجية التوجه الدولي لإيران بقدر كبير.. فقبل الثورة، حرص الشاه على جعل إيران حصنًا في مواجهة الاتحاد السوفييتي وانتشار الشيوعية، وكانت العلاقات الإيرانية الإقليمية مدفوعة باعتبارات الحرب الباردة، ورغبة الشاه في تحويل إيران إلى القوة المهيمنة على الخليج الفارسي.

ورث الشاه عرشًا إيرانيًّا عانى نزيف الأراضي والتنازل عن الاستقلال الذاتي لصالح قوى أجنبية، ففي القرن التاسع عشر فقد القاجاريون مناطق سيطرتهم في القوقاز وآسيا الوسطى وغرب أفغانستان لصالح الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية، وفي النصف الأول من القرن العشرين كان بإمكان الاتحاد السوفييتي وبريطانيا التدخل في السياسة الداخلية الإيرانية كلما خدم ذلك مصالحهما.

وعندما أمم رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق صناعة النفط الإيرانية عام 1951، شجع البريطانيون، الذين كانوا يسيطرون على هذه الصناعة، الولايات المتحدة على الإطاحة بمصدق.

كان انقلاب عام 1953 مجرد حلقة من سلسلة الإذلال التي أدت إلى تآكل الشخصية الوطنية الإيرانية منذ القرن الثامن عشر، كما كان علامة بارزة على تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبداية علاقة الحب والكراهية بين واشنطن وطهران.

المرشد وقاسم سليماني

وعندما تأسست الجمهورية الإسلامية، كانت إيران قد صارت بالفعل قوة ذات وزن إقليمي ثقيل.. كانت تلك القوة مشروطة بدعم الولايات المتحدة ومبيعات السلاح، ومع ذلك، بعد أن قطعت واشنطن العلاقات مع طهران ردًّا على حصار السفارة الأمريكية وأزمة الرهائن اللاحقة، لم يكن لدى إيران ما يمكّنها من دعم موقفها الإقليمي.. تجاهل الخميني ورفاقه تداعيات ذلك، معتقدين، بغطرسة ثورية حقيقية، أنهم كانوا على الجانب الصحيح من التاريخ، وأن الله أو القدر سيمكنهم من التغلب على أي عقبات تعترض طريقهم.

كانت حرب إيران على العراق هي الاختبار الأول لهذه الطريقة في التفكير، فقد غزت قوات صدام حسين إيران في سبتمبر/ أيلول 1980 بهدف إعادة التوازن في العلاقات العراقية – الإيرانية. فوجئت إيران بالغزو، وكانت الثورة قد أضعفت جيشها بقدر كبير مع عمليات التطهير التي جرت لكثير من الضباط بسجنهم أو بفعل ما هو أسوأ، وأدى التناحر السياسي في طهران إلى إضعاف رد الجيش الذي كان مفككًا ويعاني سوء الإدارة، ما أدى في النهاية إلى خلق مساحة للجيش الجديد للجمهورية الإسلامية، الحرس الثوري، ليترك بصمته على الأحداث.

تحدث القادة من رجال الدين عن الحرس الثوري الإيراني بوصفه “جيش الثورة”، لكن في عام 1980 كان الحرس الثوري جيشًا بالاسم فقط، وعندما اندلعت الحرب ضد إيران، كانت وحدات الحرس الثوري الإيراني من بين أول الوحدات التي تحركت للحرب، ومع نقص التدريب والموارد الاحتياطية كانت استجابتهم متقطعة ومبتكرة.

لقد عوّضوا ما كان ينقصهم من القدرات والتدريب بالحماسة والجسارة.. في نهاية المطاف، بدأ الحرس الثوري الإيراني في استخدام تكتيك هجمات “الموجة البشرية” في ساحة المعركة. ستندفع قوات الحرس الثوري الإيراني جماعيًّا إلى خطوط الدفاعات العراقية، وتتغلب عليها من خلال قدرتها على استيعاب الخسائر الجماعية دون التراجع عن تنفيذ الهجوم.. أطلق العراقيون النار حتى نفدت ذخيرتهم، ثم أجبروا على التراجع.. استخدم الحرس الثوري الإيراني هذا التكتيك لتحقيق نتائج مثيرة للإعجاب، فقد فاز بمعركة تلو الأخرى وأجبر القوات العراقية في نهاية المطاف على انسحاب واسع النطاق في صيف 1982.

كان ذلك إثباتًا لنظرة الخميني لإيران المستقلة، ولكن إيران لم تفرغ من الأمر بعد، فمع استمرار صدام حسين في السلطة، لقي الخميني تشجيعًا على مواصلة الحرب في الأراضي العراقية.

قوبل الغزو الإيراني المضاد للعراق عام 1982 بحالة خوف في جميع أنحاء المنطقة، وروّجت الجمهورية الإسلامية للسياسات الإسلامية الشيعية والسياسات المناهضة للملكية، وأعلن قادتها بصوت عالٍ عزمهم على تصدير ثورتهم إلى أنحاء المنطقة.

كانت الأنظمة الملكية والأنظمة الاستبدادية العلمانية، والبلدان ذات الكثافة السكانية الشيعية جميعها، تخشى من انتشار أيديولوجية الخميني.

ومنح استهداف إيران إسقاط صدام حسين وتصدير الثورة إلى العراق تلك المخاوف مشروعيتها، ونتيجة لذلك تدفق الدعم على صدام حسين.

إسقاط صدام حسين

مولت المملكة العربية السعودية والكويت حملة الحرب البعثية، ما مكّن العراق من شراء أسلحة ومنصات متطورة من فرنسا والاتحاد السوفييتي، والصمود أمام الهجوم الإيراني. وبالمثل، دعمت الولايات المتحدة العراق من خلال تبادل المعلومات الاستخبارية بشأن المواقع الإيرانية، ومن خلال التدخل المباشر لرد الهجمات الإيرانية على سفن الخليج العربي، وهو جزء من الصراع الذي عُرف باسم “حرب الناقلات”.

وبينما دعمت دول كثيرة بالمنطقة وقوى أجنبية العراق، كانت إيران تقف وحيدة تقريبًا في خضم الحرب، مع القليل من الدعم السياسي السوري، وفي عام 1988 انتهت الحرب إلى طريق مسدود، ورأت إيران نفسها وحيدة في مواجهة العالم، ولم تستطع التغلب على القدر الهائل من الدعم الذي حظي به عراق صدام حسين.

سببت الحرب غصة مريرة لقادة إيران.. مات الخميني في غضون أشهر، ولم يغفر خليفته المتوتر علي خامنئي لجيرانه دعمهم لصدام.

على مدى العقد التالي، تحول اهتمام إيران في الغالب إلى الداخل، كانت الأولوية لإعادة تأهيل الاقتصاد وإعادة بناء البلد، كما بدأت إستراتيجية إيران ضد خصومها في أخذ منحنى جديد. أكد خامنئي على حاجة إيران إلى بناء صناعتها العسكرية المحلية، لمنعها من الاضطرار إلى الاعتماد على القوى الأجنبية، بالإضافة إلى ضرورة توسيع نفوذ إيران في الخارج.

صار كلا الأمرين محوريًّا لمهمة الحرس الثوري الإيراني، وباعتباره قاعدة الدعم الرئيسة لخامنئي، نما الحرس الثوري الإيراني ليصير لاعبًا سياسيًّا هائلاً داخل إيران، والذراع الإستراتيجية الأساسية للنظام، كما ترقى شبان كثر من الذين انضموا إلى الحرس الثوري الإيراني في أثناء الحرب ليصيروا قادة وضباطًا داخله، ومن بينهم كان قاسم سليماني الذي صار نجمًا صاعدا في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والذي كان مسؤولاً عن جميع الأنشطة والمهمات الخارجية.

كشفت الحرب الإيرانية العراقية عن اغتراب إيران في محيطها الإقليمي وعدم وجود تعاطف واسع، ناهيك بالدعم، مع الأيديولوجية الثورية الإيرانية، ومع ذلك، في ظل هذا الكم الهائل من اللا مبالاة، استجابت عناصر من نشطاء المجتمع الشيعي للرسالة الخمينية.

وجد الحرس الثوري الإيراني دعمًا قويًّا بين شريحة من النشطاء الشيعة في لبنان، الذين بحثوا عن الدعم والمساندة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد احتلال إسرائيل لجنوب لبنان عام 1982.

مظاهرات تندد بمقتل سليماني

أدى ذلك إلى تأسيس “حزب الله” اللبناني، الذي صار الوكيل الرئيس لإيران في مواجهة إسرائيل، كما حقق الحرس الثوري الإيراني نجاحًا مماثلاً مع المغتربين العراقيين المقيمين في إيران، وخاصة بتأسيس لواء بدر، الذي كان يعمل كفرقة عراقية في الحرس الثوري الإيراني، وكان يستخدم في الغالب للإشراف على شبكات الاستخبارات والتهريب داخل العراق.

وباستثناء التنظيمات المسلحة التي دعمتها، كان نفوذ إيران الإقليمي صامتًا، ولم تحظ إيران بفرصة لتغيير موقفها الإقليمي حتى غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 وما تلاه من احتلال للعراق.

رأى سليماني، الذي صار في ذلك الوقت قائدًا لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، فرصة وخطرًا محدقًا في الاحتلال الأمريكي للعراق، واستفاد حلفاء إيران من سقوط النظام البعثي، ولكن الوجود العسكري الأمريكي طويل الأمد في العراق شكل أيضا تهديدًا لإيران. دافع سليماني عن سياسة سعت لاستغلال المشهد السياسي وظلال الحدود العراقية الجديدة. فقد شجع حلفاء إيران الشيعة على المشاركة السياسية مع تطوير شبكة تمرد لشن حرب ضد الولايات المتحدة وقوات التحالف، ما أسفر عن مقتل أو جرح مئات العسكريين في تلك العمليات.

كانت جهوده فعالة إلى حد كبير، وعندما غادرت القوات الأمريكية العراق في أواخر عام 2011، كان عملاء سليماني من بين أقوى اللاعبين السياسيين في المشهد العراقي، وكانت إيران هي القوة الخارجية الأكثر نفوذًا في البلاد.

وسط ذلك الإنجاز، حلت موجات الربيع العربي.. لقد هدد الربيع العربي المصالح الإيرانية وفتح لها في الوقت ذاته مجالات جديدة لتوسيع نفوذها.

مرة أخرى، كان سليماني هو مهندس الاستجابة الإيرانية لهذا التسونامي الإقليمي، وبخلاف الدول الأخرى التي شهدت احتجاجات الربيع العربي، كانت الانتفاضة ضد بشار الأسد في سوريا مصدر قلق شديد لإيران.

لم تكن سوريا هي الحليف الوحيد لإيران فحسب، بل كانت أيضًا وسيطًا للدعم الإيراني لحزب الله، وبالتالي كانت ذات مكانة مركزية في النفوذ الإستراتيجي لإيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة.

علمت إيران أن إسرائيل والولايات المتحدة يجب أن تأخذا في الاعتبار الهجمات المحتملة من “حزب الله” إذا ما هددا إيران في أي وقت، وكانت سوريا هي العمود الفقري لنفوذ إيران المستمر على المنظمة اللبنانية.

وهكذا، كانت سوريا مفتاحًا لإستراتيجية الردع الأكبر لإيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

لم يتردد سليماني في تقديم دعمه الكامل لبشار الأسد.. نقل الحرس الثوري الإيراني الجنود والأسلحة إلى داخل البلاد، وسهلت زيادة حجم الانتفاضة دخول عناصر “حزب الله” اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية إلى أرض الصراع، كما دعم الحرس الثوري الإيراني ودرب القوات شبه العسكرية السورية التي قاتلت تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني في الحرب.

ومع تطور الصراع، بدأ الحرس الثوري الإيراني ووكلاؤه في التفكير في سوريا كجبهة أخرى في مواجهة إسرائيل، ويبدو أن اليوم الذي يمكن فيه للحرس الثوري الإيراني أن يهدد إسرائيل بالصواريخ والطائرات دون طيار من خلال الأراضي السورية بات مسألة وقت فقط.

كانت المفارقة في نجاحات سليماني، التي حققها في سوريا والعراق، أنها مهدت الطريق لصعود تنظيم الدولة الإسلامية، وكان ينبغي الاعتراف بأن ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق هو نتاج وجهة نظر سليماني القاصرة للعراق وسوريا بوصفهما مجرد ساحات معركة لتقدم إيران، ومع ذلك، اغتنم سليماني والحرس الثوري الفرصة وأعادا مَوقعة مشروعهما بوعيٍ ذاتي، فقد كانت إيران أول دولة خارجية تدعم حرب العراق ضد داعش، وجعل سليماني العالم كله يرى دوره في المعركة، وما ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي كصور حقيقية وعفوية لسليماني على خطوط القتال الأمامية مع القوات والقادة العراقيين، كان في الواقع محاولة متعمدة من الحرس الثوري الإيراني لإعادة رسم صورة سليماني.

لم يعد سليماني قائدًا يتحرك في الظل، بل كان شخصية على غرار ماك آرثر تقريبًا يقاتل بمفرده قوات داعش.. لقد صار بطلاً وطنيًّا في إيران ومخلِّصًا للعراق وسوريا.

جنازة سليماني

كان صعود سليماني من الظل إلى واجهة القوة الإقليمية بمثابة علامة على صعود الجمهورية الإسلامية ذاتها.. لقد غطت شخصيته إيران التي لم تعد في حالة تراجع، ولم تعد تخضع لإملاءات القوى الأجنبية، وباتت قادرةً على أن تكون بقوة الإرادة وحدها سيدة مصيرها.. لقد قُتل سليماني لأنه كان مهمًّا.. لقد قُتل لأن إيران كانت مهمة.

زاد الحرس الثوري الإيراني استثماراته في شخصية سليماني بعد وفاته، مستخدمًا شخصه لإعادة رسم صورته وصورة النظام وتقديمها إلى جيل جديد.

صار سليماني النموذج الأصلي لتصور الجمهورية الإسلامية عن ذاتها، باتت شخصيته ترمز إلى الكيفية التي يرغب النظام في أن يراه الشعب الإيراني والعالم عليها.. لقد صُوِّر سليماني على أنه الشخص الشجاع المنكر لذاته تواضعًا، والمحارب الوطني المؤمن.. إنه شخصية عابرة للجنسيات يربط فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن بإيران.. شخصية تبرر نشاطات إيران الإقليمية بتصويرها كجزء أساسي من القومية الإيرانية والهوية الوطنية.. أن تكون إيرانيًّا في السرد الذي يروج له النظام هو أن تكون جزءًا من مشروع إسلامي أكبر، ليس الأمة أو المجتمع الإسلامي العالمي بل المقاومة: الجماعات والشخصيات التي تشارك الجمهورية الإسلامية تطلعاتها السياسية في مواجهة أعدائها.

لم تكن أسطرة سليماني خطوة طموحة فحسب، بل كانت مدفوعة أيضًا بمخاوف داخل الحرس الثوري الإيراني من فقدان النظام للدعم والشرعية بين الشعب الإيراني.

وينطبق هذا بنحو خاص على الأجيال الشابة، التي لا تعرف شيئًا عن وحشية الشاه، أو الشعور بالظلم الذي ساد إيران في أثناء حربها مع العراق، أو الأمل الذي رافق برنامج الرئيس خاتمي الإصلاحي في التسعينات.

وبدلاً من ذلك، تعرف تلك الأجيال تجربة إيران في القرن الحادي والعشرين، والتي كانت واحدة من تجارب العداء شبه المستمر والحرمان المتزايد، ومع تنامي نفوذ إيران الإقليمي نمت كذلك توتراتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية.. نتيجة لذلك، صارت إيران أكثر فقرًا وأقل أمانًا.. صارت الوظائف أكثر ندرة، والشقق أكثر كلفة، والزواج من أحلام اليقظة، ومحاولة ترك المنزل وبدء حياتك الخاصة أكثر صعوبة وغموضًا بسبب مخاوف الحياة الواقعية بالنسبة إلى الشباب الإيراني.

كانت هذه العوامل هي التي أشعلت الاحتجاجات في جميع أنحاء إيران في عامي 2018 و2019.

وشهدت إيران حركات احتجاجية في الماضي، ولكن هذه المرة كانت مختلفة، فقد كانت الأقوى في المناطق الأكثر فقرًا ومحافظة  في البلاد، كما كانت أكثر عنفًا وأكثر معارضة علنية للنظام، ورفعت الشعارات التي تدين المرشد الأعلى والمغامرة الإقليمية للحرس الثوري الإيراني.

واجه الحرس الثوري الاحتجاجات بنحو مباشر وبوحشية لا هوادة فيها، واستخدم الرشاشات والدبابات والنيران مباشرة لقتل الشباب الإيراني في الشوارع ومطاردتهم في الأزقة.

لقد حدث اغتيال سليماني في هذا السياق الداخلي ووفر للنظام فرصة نادرة لبناء التعاطف مع قضيته.. صار شهيدًا غير عادي، وكان مقدرًا له أن ينضم إلى أعظم أبطال الشيعة.. كانت جنازته حدثًا وطنيًّا، وبدت لحظة مؤثرة لملايين الإيرانيين، فقد كان حول مقتل سليماني بالفعل شيء شخصي ما، بصرف النظر عن المشروع الذي يمثله، فهو مواطن إيراني لم يكن اختياره وقتله بأيدي قوة أجنبية أمرًا جيدًا لمعظم مواطنيه، بصرف النظر عن سياساتهم.

سمح النظام باستدعاء سليماني على هذا النحو، وحصل على قدر كبير من التعاطف، ومع ذلك سرعان ما انتقل النظام إلى السعي للانتقام من خلال إطلاق الصواريخ الباليستية على القوات الأمريكية في العراق.

وخلال توقعاته ردًّا من الولايات المتحدة، وفي غمرة ارتباك اللحظة، أسقط الحرس الثوري الإيراني طائرة ركاب، ما أسفر عن مقتل جميع من كان على متنها.

تجاوزت إيران سردية الاغتيال على الفور بحزن وصدمة الإيرانيين العاديين الذين سعوا لفهم مأساة كان يمكن تجنب وقوعها، وحاول قادة إيران التنصل من المسؤولية والتستر على الخطأ الكارثي للحرس الثوري، وأسكتت أصوات الأسر التي طالبت بالإجابات بقسوة.. كانت صورة سليماني في كل مكان، ومع ذلك لم تظهر العدالة في أي مكان.

إرث سليماني ما زال بعيدًا عن الكتابة.. ظلت السياسات التي اتبعها في جميع أنحاء المنطقة بلا تغيّر، ولا تزال الميليشيات التي عمل معها جنبًا إلى جنب في موقف قوي.

يواصل نظام الأسد إحراز تقدم في خنقه التدريجي للمعارضة، وتواصل الميليشيات الشيعية العمل في العراق مع الإفلات من العقاب، واحتفظ “حزب الله” بمكانته المهيمنة على لبنان.

أدت حملة الضغط القصوى التي شنتها إدارة ترامب إلى استنزاف موارد إيران وجعلها أكثر فقرًا، لكنها لم تضغط أو تقلل من دعم طهران لوكلائها.

بدلاً من ذلك، ظلت إيران ملتزمة باستثماراتها الأجنبية كما كانت دائمًا. ومع ذلك، فإن شبكة الوكلاء التي منحت الجمهورية الإسلامية النفوذ والسلطة الإقليمية تعتبر سيفًا ذا حدين.

وعلى الرغم من أن إدارة ترامب واصلت حملتها بقوة ضد إيران، فإنها لم تظهر أي رغبة في الاشتباك مع إيران أو وكلائها عسكريًّا.

قد يُنظر إلى اغتيال سليماني في هذا السياق، ولكنه لم يكن كذلك. إذا كان هناك شيء على الإطلاق، فقد كان طعنة في الظلام.. ليس هناك شك في أن سليماني كان صاحب دور فعال، لكن أهم إنجازاته تمثل في صقل آلية الدولة في الإشراف على شبكة الوكلاء الإيرانية ودعمها، تمامًا كما واصلت شركة “أبل” عملها دون ستيف جوبز، سيحتفظ الحرس الثوري الإيراني بالقدرة على إدارة وكلائه وممارسة نفوذه خارج حدود إيران دون وجود سليماني على رأسه. قانون القصور الذاتي ما زال يعمل هنا أيضًا.. فإذا لم يواجَه الحرس الثوري الإيراني ووكلاؤه مباشرة، فإن الزخْم سوف يدفعهم إلى الأمام.

تستعد إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن لتبني مقاربة أكثر ليونة مع إيران، وتتطلع إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي، المعروف باسم خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA)، والحد من التوترات المتصاعدة.

أقر القادة الأمريكيون والأوروبيون بأهمية التعامل مع دعم إيران لهؤلاء الوكلاء، لكن من غير الواضح ما إذا كانت هناك إرادة كافية لإحراز تقدم في ذلك الملف، كجزء من إعادة العمل بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة أو بالتفاوض نحو اتفاق أكثر توسعًا.

سيعمل قادة إيران على إبقاء أي مناقشات رسمية محصورة بنحو مباشر في الملف النووي، وإذا لم تشكل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جبهة موحدة في السعي لإبرام صفقة أوسع، فمن غير المرجح أن تكون القضايا المهمة مثل الوكلاء والصواريخ الباليستية والاعتقالات التعسفية للأجانب ومزدوجي الجنسية مطروحة للنقاش.

إن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة مقابل رفع العقوبات لها مزايا في ما يتعلق بمخاوف الانتشار، ولكنها لن تعالج المصادر الأساسية لعلاقات إيران العدائية.

وهكذا، فإن علاقات إيران الإقليمية لا تواجه خطرًا من الخارج، بدلاً من ذلك ستتمثل تحدياتهم الرئيسة في الداخل.

أمضى سليماني حياته المهنية في تشكيل الميليشيات لاكتساب النفوذ من خلال العنف والإكراه والفساد.. إنهم ماهرون في سياسات ليّ الأذرع وكسر الجماجم، واستخدام هذه المهارات في تعزيز مصالهحم في الحرب والسياسة، في ما عدا ذلك هم أقل مهارة، خاصة في ما يتعلق بسياسات الحكم.

شهد العراق ولبنان حركات احتجاجية مكثفة خلال العام الماضي، وانصب الكثير من غضب الأجيال الشابة على النخب السياسية وداعميها من الأجانب، فعلى الرغم من أن النفوذ الإيراني قد ساعد في تمكين النخب الشيعية في هذه البلاد، يبدو أن عددًا متزايدًا من الشباب الشيعي يلقي باللوم على إيران بسبب ما وصلت إليه بلادهم.

وهذا صحيح خاصة في العراق، حيث يشكل شباب الشيعة الغالبية العظمى من حركات الاحتجاج التي انتقدت الفساد الحكومي والقوة السياسية للميليشيات المدعومة من إيران.

لا تزال الميليشيات العراقية منقسمة أيضًا، فبينما حافظت إيران على توحيد عملائها في الغالب، فإن الميليشيات التي لا تدعمها إيران تجد بنحو متزايد طريقها للنأي بنفسها عن أولئك المدعومين إيرانيًّا.

وفي سوريا توجد تحديات أكبر بكثير.. سيطرة الأسد ضعيفة، والغضب ينتشر داخل قاعدته العلوية، وتعاني البلاد من انهيار اقتصادي استمر 10 سنوات.

بعبارة أخرى، ساعد سليماني في توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة، إلا أن هذا النفوذ قائم على أرضية مزعزعة.. ومن المحتمل أن ذروة النفوذ الإيراني -كما جاء التعبير عنه حاليًّا من خلال الحرس الثوري الإيراني على الأقل- قد ولى زمنه.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كنا قد دخلنا في فترة ركود أو تراجع، ولكن يبدو أن هذا الأخير هو الأكثر احتمالاً. فكما أظهرت حركات الاحتجاج في لبنان والعراق، يُنظر إلى إيران وحلفائها بنحو متزايد على أنهم جزء من المشكلة وليسوا الحل. وفي حين وفرت الحروب السياق اللازم لصعود إيران الإقليمي، فإن الفساد وسوء الإدارة لحلفاء إيران يهيئان المشهد الآن لتراجعها.

المصدر:

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram