الحسين جانيًا

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

خرج من مكة إلى الكوفة في الثامن من ذي الحجة 60 هـ. بعدما عجّلت الأخبار بقدومه إليها، أنبأه مبعوثه مسلم بن عقيل أن المبايعين يتوافدون عليه بالآلاف، لكن ما إن بلغ مشارف الكوفة حتى علم بخذلان الناس لابن عقيل ومقتله، فعزم على العودة من حيث أتى.

كان الخروج طلبًا للبيعة، فقد أبى الحسين بن علي بن أبي طالب إعطاء يزيد بن معاوية ما منحه لأبيه. حدثته نفسه بأن في هذا مضيعة للدين وذهابًا للمروءة وفقدانًا للشرف، فليس ليزيد ما كان لمعاوية، ورغم تحذيرات مَن أشفقوا عليه من العواقب وما اعتمل في نفسه من الشكوك، انطلق بأهله وأصحابه إلى الكوفة.  

وقع ما كان يخشاه وما حُذِّر منه “قلوبهم معك وسيوفهم عليك”، فرغب في الرجوع لكن أصحابه ألحّوا في المضي بدعوى أنه ليس مسلم بن عقيل، ولو قدِم الكوفة لكان “الناس إليه أسرع”، وعارض بنو عقيل رغبته عازمين على الأخذ بثأرهم، عندها قال الحسين لمن صحبه: “قد خذلنا شيعتنا، فمن أحب منكم أن ينصرف فلينصرف، ليس عليه منا ذمام”، فانفضوا عنه عدا أهل بيته وقلة من الناس.

التقى سِبْطُ الرسول ومن معه طلائعَ جيش الكوفة، 1000 فارس يقودهم زعيم من زعمائها “الحر بن يزيد”، فأمر الحسين بإقامة الصلاة ثم خطب في الجمع مذكِّرا بعهودهم وأنه لم يجئهم إلا عندما اطمأن لمواثيقهم، فإن كرهوا حضوره عاد من حيث أقبل، فلم يجبه أحد.

غادر ركبه بعدها وجيش الكوفة يلاحقه، منتوين إجباره وأهله على تغيير وجهته ليمثُل بين يدي أميرهم، والي يزيد، عبيد الله بن زياد. وبينما يسير الركبان اقترب من الحسين جندٌ من جيش الكوفة فتوقف وخطب فيهم:

“أيها الناس! إن رسول الله قال: من رأى سلطانًا جائرًا مستحلّاً لحرم الله مخالفًا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيِّر ما عليه بفعل ولا قول كان حقًّا على الله أن يُدخِله مُدخَله.. ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالغَيّ، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيري…”

وبمجرد أن أنهى خطبته تقدم منه قائد الجيش، الحر بن يزيد، محذرًا من أنه إن قاتل فهو مقتول لا محالة، فصاح به الحسين: أبالموتِ تخوّفني؟ ما أدري ما أقول لك، ولكني كما قال أخو الأوس لابن عمر وهو يريد نصرة الله، فخوّفه ابن عمر وأنذره أنه لمقتول فأنشد:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى خيرًا وجاهد مسلما

وآسى الرجال الصالحين بنفسه        ***  وخالف مثبورًا وفارق مجرما

فإن عشتُ لم أندم، وإن مت لم أُلَمْ     ***  كفى بك ذلّاً أن تعيش وتُرغما

بعد أن علم أصحاب الحسين قراره نصح أحدهم أن يبادر إلى قتال هذه الطلائع، فالانتظار يجلب أعدادًا لا قِبَل للجمع القليل بها، لكن الحسين أعرض عن النصيحة كراهة أن يبدأ بقتال.

بالفعل أدرك جيش آخر قوامه 4000 فارس على رأسه عمر بن سعد بن أبي وقاص، الحسين، وقد نزل كربلاء، تحادث الرجلان فخيّره ابن بنت الرسول بين أن يعود إلى مكة أو أن يسير معه إلى أي ثغر يختاره أو أن يصحبه إلى يزيد بن معاوية، فكتب عمر إلى أميره عبيد الله بن زياد فأبى إلا أن يسلّم الحسين نفسه ويرضى بحكم زياد.

رفض الحسين وطلب أن يمهلوه ليلةً يصلي فيها لربه، جمع بعدها أهله وأصحابه وخطب فيهم:

“إني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي ولا أهل بيتٍ أبرّ ولا أوصل ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعًا عني خيرًا، فلقد بررتم وعاونتم، ألا وإني لا أظن يومًا لنا من هؤلاء الأعداء إلا غدًا، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعًا في حلٍّ من بيعتي ليس عليكم مني حرج ولا ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرقوا في سواد الليل وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يريدون غيري”، فأبوا جميعًا.

حانت اللحظة الموعودة، اثنان وسبعون فارسًا في مواجهة خمسة آلاف، وصار الحسين يحثهم قبيل الاقتتال: راجعوا أنفسكم وحاسبوها، هل يصلح لكم قتال مثلي؟ وأنا ابن بنت نبيكم، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري، وقد قال رسول الله لي وأخي “هذان سيدا شباب أهل الجنة”…

واستمر في حثّ القوم على الانضمام إليه، لكن لم يستجب له إلا ثلاثون رجلاً على رأسهم الحر بن يزيد، قائد مقدمة الجيش.

بدأ القتال وتنافس أهل الحسين وأصحابه على أن يُقتلوا بين يديه ففنوا جميعًا وبقي هو يقاتل في حين يحجم أعداؤه مهابة، فاغتاظ قائد من قادة الجيش محرضًا على قتله، عندها رد عليه أحدهم: وما يمنعك أن تقتله أنت؟ واستمر المحرِّض في حثّه والتهوين من أمر قتل الحسين حتى عاجله أحدهم بضربة رمح فوقع ثم تقدم قاتله فذبحه وحز رأسه.

حكاية ككل حكايات الفداء والبطولة والشرف والتضحية، أستحضرها دون مناسبة مع أن مناسبتها حاضرة على الدوام بـ”قوة التاريخ” الفاعلة إلى درجة عبادة الناس لوقائعه، ليتمايزوا ويُصنَّفوا، على أساس واقعة مثل مقتل الحسين وما جرى قبلها، بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.

هذه القوة تُحرِّض الناس إلى اليوم على الانحناء، ليس أمامها فقط بل أمام كل قوة: قوة المستبد، قوة الرأي العام، قوة الإعلام، قوة الحكومة، قوة الجهل.. مع ذلك أمم كثيرة رفع التاريخ يده عنها ولم تعد له سيطرة عليها، وأمست وقائعه لا تخرج عن كونها سيرة ترصد تطور حياة الناس الاجتماعية، ليدفع هذا التحييد لـ”قوة التاريخ” بالأمم على مسار التقدم، مسار حُقَّ على عُبّاد التاريح أن يخطئوه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram