عبدالعزيز مخيون

موعود بالفن مسكون بالوطن

يَعْبُرُ الفتى “عبدالعزيز” مع صديقه الطريق إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون للتقدم بشكوى إلى عبدالقادر حاتم وزير الثقافة والإرشاد القومي في مطلع الستينيات، تعلّقت الشكوى بإدراج اسم الشاب “عبدالعزيز مخيون” وزميله في القائمة الاحتياطية للمقبولين بمعهد الفنون المسرحية، وقد عزا الفتى هذا الإجراء إلى التحايل من أجل توفير أماكن لبعض الطلاب من أصحاب الواسطة. فقد كان “عبدالعزيز” قد تقدم بأوراقه أيضًا إلى معهد السينما وقُبل؛ لكنه كان يريد المسرح كمجال للعمل الدءوب الذي يستطيع من خلاله أن يغير وأن يصبح فاعلًا ومؤثرًا في مجتمع يتشكل بتفاعلات الثورة والتغيرات الاجتماعية الكبرى.

تم بحث الشكوى والتحقق من صحة ما ورد فيها ما ترتب عليه إعادة الحق إلى أصحابه؛ ليصبح “مخيون” طالبًا بمعهد الفنون المسرحية؛ لكنه لم يكتفِ بذلك؛ كان عليه أن ينشئ بناءه الثقافي الخاص، فهو مشغول طوال الوقت بفكرة التأصيل، كما يرى في نفسه ذلك الفنان الذي يستطيع القيام بدور تأسيسي يبتعد بالفن عن فكرة التقليد، ويعود به إلى جذوره الحية في الواقع المصري وثيق الصلة بالتراث والثقافة العربية.

اعتاد "مخيون" قراءة شعر صديقه "أمل دنقل" في المركز الثقافي السوفيتي

عرف “مخيون” طريقه إلى سور “الأزبكية” وانتظم على حضور عروض الأوبرا، والعروض المسرحية للفرق الأجنبية التي كانت تزور مصر آنذاك، إلى جانب التردد على المراكز الثقافية الأجنبية، والمواظبة على حضور دروس اللغة الإنجليزية لإتقانها.

شهادة تخرج مخيون

لقد عرف فلاح “أبو حمص” بحيرة، القاهرة كما لم يعرفها غيره، خبرها بعين واعية، وبقلب مفعم بالأمل وعقل متقد بالرغبة في المعرفة؛ فاحتواه قلبها المضطرب فألفه من لا يألف أحد! اجتذبته هواية الشعر؛ فاندفع إليها قارئًا نهمًا ومؤديًا بارعًا. فلا يمكن لفنان المسرح أن يكون بعيدًا عن دوائر الشعر. لا يشترط أن يكون شاعرًا؛ لكن يجب عليه أن يكون مسكونًا بالشعر.

في المركز “السوفيتي” يلقي “عبدالعزيز” قصائد مختارة. تقوده موهبة الإلقاء إلى “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” يختار “بكائية ليلية” من الديوان؛ فيندلع الحزن هادرًا “إلى أن تنضب الأشعار”. ثم يلقاه “أمل دنقل” فيرتاح إلى رفقته حتى إن سنوات تمضي وهما لا يفترقان، يجدد “أمل” روح الشعر العربي، و”عبدالعزيز” يؤسس لرؤية مسرحية مغايرة تنفصم بها عُرَى الصلة بالمسرح الغربي.

أمل دنقل

ربما وجد فناننا ضالته في تلك المقالات الثلاث التي نشرها “يوسف إدريس” بمجلة “الكاتب” بعنوان “نحو مسرح مصري” وكتابات عديدة أخرى للدكتور “علي الراعي” دعا فيها إلى البحث عن صيغة مسرحية مصرية تتخلص من الإطار الكئيب لما أسماه مسرح العُلبة الإيطالي.

في تلك الفترة كانت هيئة المسرح تشهد استقطابًا حادًّا بين أصحاب الرؤى التقدمية والرجعيين، ولأسباب عديدة لم تكن الدولة جادة في مواجهة أقطاب الرجعية على تفاهة وتهافت ما يقدمونه من أعمال مسرحية، وكان من الاشتراطات التي اتخذتها الهيئة ألا تقدم الأعمال المسرحية إلا على خشبة المسرح، وأن تكون النصوص قد تم اعتمادها وإجازتها من ذي قبل. وكانت هذه القيود في ظاهرها الرحمة، وباطنها من قبله العذاب. وكان الهدف منها ألا يتحول المسرح إلى فوضى بدافع التجريب والحداثة وطرح رؤى التجديد؛ لكنها من ناحية أخرى صارت سيفًا مسلطا على رقاب المبدعين، ووسيلة للتنكيل بأصحاب الرؤى وإحباطهم وصرفهم عن العمل المسرحي.

"مخيون" في مسلسل الجماعة

قرر “مخيون” بعد إنهائه الدراسة في المعهد أن يعود إلى قريته، لخوض غمار تجربة “مسرح الفلاحين”. لقد احتفظت ذاكرته بمشاهد كثيرة رآها صغيرًا في أفراح الفلاحين ومناسباتهم تقترب كثيرًا من الشكل المسرحي. حصل على نص مجاز رقابيًّا وهو نص “الصفقة” لتوفيق الحكيم. واختار قرية قريبة من قريته تسمى قرية “زكي أفندي”، وعلى سبيل التمهيد للعمل أقام “مخيون” فصولًا لمحو الأمية، كما أدار حوارًا مجتمعيًّا لفض المنازعات. استمرت التجربة ثلاث سنوات ولم تستمر لأسباب عديدة، وإن كانت قد حققت الكثير من النتائج الطيبة، وقد سجل “مخيون” التجربة بالتفصيل في كتاب “يوميات مخرج مسرحي”.

البيئة الريفية التي نشأ فيها الفنان كانت ذات أثر كبير في تشكيله وجدانيًّا على نحو شديد التعقيد. فهو -من ناحية- ابن أسرة موسرة ذات أصول قبلية، كانت تسيطر على مساحات واسعة من الأرض الزراعية. وتعيش العائلة في “سرايا” وأفرادها يمثلون الدائرة بانتظام في مجلس النواب، و”العمودية” تتداول بين أفرادها، كما تعددت مشاهدات الطفل بين الاحتفالات ومحافل الشعر ومكتبة عملاقة تضم ذخائر الكتب، وعم يتعهد المكتبة ويداوم على كتابة الشعر. لكن كل ذلك لم يكن بالقوة الكافية التي تحول الطفل عن شغفه الأهم: الأرض والناس.

عبد العزيز مخيون في مسلسل الكبريت الأحمر

البعثة إلى فرنسا لدراسة مناهج المسرح الحديث والعمل بالصحافة العربية في أوروبا، والتعرف عن قرب على الثقافة الفرنسية بكافة جوانبها؛ أثرى تجربة الفنان وزادها عمقًا، كما زادت القيود عليه في التدقيق في اختيار ما يشارك فيه من أعمال. ولا يُخفي الفنان ندمه الشديد على فوات كثير من الفرص التي كان من الممكن أن تكون من نصيبه بسبب سفره الذي استمر ثلاث سنوات، سبقتها تجربة مسرح الفلاحين التي استغرقت فترة مماثلة، كما كان لانخراط الفنان في العمل السياسي ومعارضته للأنظمة المتعاقبة أكبر الأثر على تعطل مسيرته الفنية؛ وهو يرى اليوم أن الفنان لا يجب أن يعلن صراحة عن توجهاته وآرائه السياسية؛ لأن ذلك سيجر عليه الكثير من المشاكل وسيعوق مسيرته الفنية، وربما يعرضه لما هو أكثر من ذلك.

في سعيه الدءوب نحو امتلاك رؤية متكاملة تصلح كبديل لواقع يموج بالمتناقضات يتعرف “مخيون” مبكرًا على المهندس “حسن فتحي” مبدع عمارة الفقراء. كانت تلك الرؤى الأصيلة في شتى العلوم والفنون تجتذبه بقوة. فصَاحَب فناننا شيخ المعماريين لفترة، واكتسب منه خبرة واسعة أهلته بعد ذلك لبناء بيته الخاص في الفيوم ليكون نموذجًا للبيت المصري المعتمد على خامات البيئة، والذي تعبر تفاصيله عن تجليات الحضارات المتعاقبة على الشخصية المصرية.

كان من الطبيعي أن تجتذب بحيرة قارون فناننا المنتمي بقوة لكل ذرة من تراب الوطن. وفي تجربة أليمة يحاول “مخيون” الدفاع عن البحيرة ضد ما يرتكب في حقها من تعديات، لكن صوته يذهب أدراج الرياح رغم تواصله مع العديد من العلماء والباحثين في مصر وخارجها، وحصوله على ما يثبت أن شمال البحيرة يحمل آثار الإنسان الأول، وأنه لا يجب ممارسة أي أنشطة خارج البحث العلمي الدقيق في المنطقة. لكن صوته يتبدد في ضوضاء البيروقراطية المتكلسة داخل الجهاز الإداري.

فيلم "الهروب" كان أبرز محطة لمخيون في السينما.. وفي الدراما "شيخ العرب همام"

يذكر “عبدالعزيز” بمزيد من الحزن وجه صديقه “أحمد زكي” عشية استبعاده من بطولة فيلم “الكرنك” الذي شارك فيه “عبدالعزيز” بمشهدين فقط بعد اضطراره للمغادرة إلى دبي لارتباطه بالعمل في مسلسل بعد توقف العمل بالفيلم لفترة لظروف إنتاجية.

فيديو عبد العزيز مخيون يروى كواليس انسحابه من الكرنك

كان من الممكن أن يكون “الكرنك” بداية انطلاقة واعدة لمخيون في السينما، بعد أن رشحه صديقه ورفيق دربه “علي بدرخان” لدور محوري، فقد سأل “مخيون” عن موعد انتهاء التصوير؛ فأكد له الإنتاج أنه في شهر إبريل. لكنه كان قد وقّع عقدًا لتصوير مسلسل في دبي في أول يوليو، وبعد تصوير مشهدين من “الكرنك” تعطل التصوير أكثر من مرة ليمر الوقت ويضطر “عبدالعزيز” للسفر إلى الإمارات لتضيع فرصة مهمة من بين يديه. لكن الأقدار عوضته ببطولة فيلم “الجوع” أمام السندريلا ومن إخراج “علي بدرخان” أيضًا.

وتجاوزت أعماله في السينما الخمسين عملًا، ربما كان أهمها “الهروب” مع “عاطف الطيب” في دور الضابط “سالم” الذي توقعه الأقدار في مأزق الاختيار بين واجبه وانتمائه لأهله وناسه، لكنّ “مخيون” يعكس بُعدًا أكثر عمقًا للأزمة عندما يكتشف أن “منتصر” صديق طفولته الذي يطارده ويسعى للإيقاع به؛ كان طوال الوقت، تجسيدا لكل ما لم يستطع “سالم” فعله أو الإقدام عليه تحت وطأة العجز والمسئولية والانقياد للتقاليد.

عبد العزيز مخيون وأحمد زكي في "الهروب"

وفي الدراما التليفزيونية كان لبطلنا صولات وجولات على مدى أكثر من أربعة عقود، لكن أدوارًا ثلاثة لا بد أن نقف أمامها بمزيد من التقدير والانبهار. أولها دوره في مسلسل “شيخ العرب همام” بدور الشيخ “إسماعيل” ابن عم شيخ العرب وذراعه الأيمن الذي تتمزق نفسه بين حبه لابن عمه وولائه له، وبين حقده عليه ونقمته على ما يصدر عنه من أفعال تزري به وتجعل سيرته سيرة تلوكها الألسنة، ما ينتهي به إلى الخيانة والغدر بشيخ العرب.

ومع “حاتم علي” في “عمر” يقدم دور “أبي طالب” عم الرسول في مشاهد معدودة استخرج “مخيون” خلالها طاقات إبداعية هائلة جعلت “أبا طالب” يتجسد بما يشبه الحقيقة، في تفاعلات نفسية بالغة الصعوبة عصفت بالشيخ الفاني المحب لابن أخيه والمدافع عنه والذي يخشى في الآن ذاته ضياع كيان قومه وانفراط عقدهم بسبب دعوة ابن أخيه.

"مخيون" في مسلسل "عمر"

ثالث تلك الأعمال الدرامية العظيمة مسلسل “بدون ذكر أسماء” من تأليف وحيد حامد وإخراج “تامر محسن” في دور “ربيع الحلواني” المواطن البسيط المحمل بهموم السعي لطلب الرزق في مجتمع تداعت كل قيمه فأصبح نهبًا لكل ذي غرض. يقف “ربيع الحلواني” في أشد حالات ضعفه لا يستطيع رد تصاريف القدر عن ابنتيه، فتتحول الأولى إلى مجرد أداة لتفريغ الشهوة بالنسبة لزوجها النهم مدعي التدين، بينما تتحول الأخرى لسلعة تباع لثري عربي بعقد زواج، بينما يخرج ابنه الوحيد عن طوعه ويتحول إلى صحفي فاسد، حتى البيت الذي كان يأويه لعقود يُطرد منه بجبروت مالكه ضابط الشرطة.

ويرصد المسلسل مرحلة من أخطر المراحل التي عاشتها مصر وهي الفترة من (1984-1994) التي شهدت تحولات كبرى في المجتمع المصري صاحبت تغول نظام الرئيس مبارك.

مشهد من مسلسل "بدون ذكر أسماء"

“ربيع الحلواني” كان التعبير الأدق والأروع عن شخصية المواطن المصري المهادن المغلوب على أمره الذي لا يطمع إلا في الستر. عبَّر “مخيون” عن تفاصيل الشخصية باقتدار بالغ، فلم ينتقص من حمولتها الفنية شيئًا، فكانت في كل مشهد تحمل للمشاهد هذا الهم المتوارث وتلك الخيبات المتتابعة في إبداع فني يَمْثُل واقعيًّا إلى درجة الإتقان التام.

“عبدالعزيز مخيون” ليس فنانًا مبدعًا قديرًا قدم عبر مسيرته عشرات الأدوار الرائعة فحسب، بل هو المواطن العربي المهموم بقضايا وطنه وأمته بعشق محتوم لا يستطيع منه فكاكًا. ربما فكر فناننا القدير كثيرًا في أنه صعَّب الطريق على نفسه بكثرة المعارك التي خاضها. وربما فكر أن كثيرًا من الفرص قد ضاعت عليه بسبب مواقفه السياسية والاجتماعية. وربما وقف كثيرًا جدًّا أمام مآسٍ تعرّض لها كان من الممكن تجنبها؛ لكن “مخيون” المسكون بالوطن يدرك تمامًا أنه لم يكن ليستطيع إخلاف موعده أبدًا، لم يكن ليستطيع التنصل من الحلم أو إيداعه خزانة النسيان.

تكريم عبد العزيز مخيون في مهرجان "طيبة" للأفلام

يدرك الفنان جيدًا أن أقداره تصنعه بأكثر مما يستطيع هو صنع أقداره، ولو تخلى “مخيون” عن ذلك الدور الرسالي الذي آمن به منذ وعى الفن صغيرًا بمدرسة “بني منشأة دمسنا” الابتدائية، لما بقي منه في الذاكرة شيء. وها هو وهو يخطو نحو عامه الثمانين ما يزال يدهشنا بقدرته على العطاء بخبرات فنية تختصر طبقات من الثقافة والحضارة والروعة. “عبدالعزيز مخيون” نعمة فنية نسأل الله دوامها

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ماهر الشيال

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search