زوايا

عبد الرحمن فهمي..البطل الخفي لثورة 19

لا يُمكن أن نتناول في تلك الحكايات تاريخ شخصيات ثورية عظيمة، نفَّذت عمليات فدائية لصالح مصر خلال اشتعال فعاليات ثورة 19، من دون أن نتوقف عند شخصية عبد الرحمن فهمي بك، قائد الجهاز السري، ذلك الجهاز الذي أتعب الإنجليز، ورجال القصر، ومَن تبعهم في فلك السلطة من: الأعيان والأفراد والوزراء، بعيدًا عن إرادة الشعب.

لكن من الصعوبة هنا أن نَعثر على ملمحٍ جديد، كي نتناول من خلاله تراث عبد الرحمن فهمي، بعد أن سجَّل هو بنفسه مذكرات ضخمة صدرت في سبعة أجزاء؛ هي أقرب ليوميات الثورة. وتولت عائلته تنقيحها ونشرها مؤخرًا.

ومن الصعوبة أيضًا أن نعثر على زاوية جديدة لتناول مسيرته؛ خاصة أن الثابت في الوثائق الإنجليزية، وكذلك في مذكرات قادة الثورة؛ ابتداءً من سعد زغلول نفسه أن كل العمليات التى نفذها “الجهاز السري” – بما فيها الاغتيالات أو محاولات الاغتيالات – تنتهي عند “عبد الرحمن فهمي”.

سعد زغلول
سعد زغلول

رسائل سرية بين الزعيمين

لكنَّا نستطيع هنا أن نُمسك بخيطٍ، يتعلق بأن الثقة المفرطة بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمي وصلت درجتها إلى أن أعضاء حزب “الوفد” الموجودين في القاهرة، لم يكونوا على علم بطبيعة الرسائل السرية والتكليفات التي تأتي من “سعد” في باريس إلى “فهمي” مباشرة، وأن سعدًا انتصر لقائد الجهاز السري. لكن تلك العلاقة تتحول للفتور، ثم إلى القطيعة مع وصول الوفد إلى الحكم، لدرجة أن سعد زغلول رفض ترشيح صديقه القديم – وأحد أسباب نجاح الثورة – في الانتخابات النيابية!

لا تفسير مقنع لذلك “الجفاء” الذي لم يخضع للتدقيق التاريخي غير أنه يُمكن الإشارة إلى أن التقلبات السياسية في تلك المرحلة كانت معتادة، بدليل أن قُرابة عشرة من القيادات المؤسسة لحزب الوفد انقلبوا عليه، أو انسلخوا بأفكارهم إلى أحزاب جديدة! وقد يكون استشرافًا مهمًّا ومبكرًا لسعد زغلول في تلك الفترة- ويعتبره البعض استشراف وتصرف ذكي- في أن مَنْ كان يَصلُح لإدارة العمليات السرية والعنف السياسى؛ قد لا يَصلُح للسياسة العامة والبرلمان!

السبب الثاني الذي تُحتِّمُه هذه السطور: إلقاءَ الضوء على شجرة العائلة التي فرعها الرئيسيُّ هو عبد الرحمن فهمي. فقد أثمرت تلك العائلة ما لم تُثمره أشجارٌ سياسية أخرى في الحياة العامة.. وهذا هو الهدف الرئيسى من حكايات “ثوار الظل“.

عبدالرحمن فهمي..نشأة وخلفية اجتماعية

وُلد عبد الرحمن فهمي في القاهرة يوم 2 مارس عام 1871م، وعمل ضابطًا في الجيش لمدة ثماني سنوات. وفي عام 1898م خرج منه برتبة يوزباشي. وقد حصل في تلك الأثناء على: الوسام المجيدي عندما كان برتبة ملازمٍ ثان، وعلى النجمة المصرية، وميدالية الحرب المصرية، ونيشان الامتياز من تركيا، ووسام السيف السويدي.. تقديرًا لجهوده في حروب السودان.

نُقِل بعد ذلك للخدمة في البوليس؛ وعُيِّن: مأمورًا لمركز سمالوط، ثم وكيلاً لمديرية القليوبية، ثم الدقهلية. ومكث 18 سنة وكيلا للمديريات. ثم عُيِّن مديرًا في عام 1906م، فأصبح مديرًا لبني سويف ثم الجيزة.

عباس حلمي الثاني
عباس حلمي الثاني

وخلال تلك الفترة استدعاه قائد البوليس – وكان إنجليزيًّا – وطلب منه أن يتولى منصب مدير الغربية؛ حيث جرت هناك واقعة تعذيب أحد الشهود. ولما ثار الأهالي؛ جرى القبض على المأمور وعدد من رجال الشرطة. وخلال شهر واحد؛ تمكَّن عبد الرحمن فهمي من السيطرة على الأوضاع، ليعود الهدوء إلى مدينة طنطا.

بعد ذلك انتقل للعمل بالأوقاف، وأراد الخِدِيوي عباس حلمي أن يشتريَ من ديوان الأوقاف صفقة 230 فدانًا في المطاعنة. لكنَّ عبد الرحمن فهمي رفض الموافقة على تلك الصفقة، وكانت للخديو مصلحة فيها فاستدعاه وحاول أن يقنعه بالموافقة، فأصر على الرفض فعزله الخِدِيو من منصبه.

كل تلك المواصفات والمواقف أهَّلت “فهمي” ليتولى تلك المهمة (النشاط السري والعسكري للثورة). فهو رجل عسكري مُنظَّم، درس المديريات دراسة كاملة، ووضع إصبعه على نقاط الضعف والقوة في كل مكان؛ خاصة  في  الجيش والبوليس والإدارة، ثم إن صلابته جعلت له سيطرة كاملة على ذلك الجهاز.

إدارة الثورة من أسفل

وقد استخدم “فهمي” منزله رقم 150 بشارع قصر العيني، مقرًّا سريًّا لإدارة العمليات. ومن المفارقات أنه تمسَّك بذلك المبنى رغم أن عائلته كانت تعيش فيه؛ بل إن أولاده ولُدوا به، لقربه من مقر إقامة المندوب السامي البريطاني، وهو المبنى الذى تشغلُه حاليًا هيئة قناة السويس في جاردن سيتي. وكان من الممكن مراقبة ما يجري في بيت المندوب، وكذلك السفارة البريطانية .

أُمراء وثُوار .. ثورة 19
ثورة 19

كانت بداية عمل عبد الرحمن فهمي؛ هي جمع التوكيلات للوفد المصري في نوفمبر 1918م. وفي البداية طلب منه سعد زغلول ألا يتصل بأحد سواه، وألا يعرف غيرُه ما يقوم به. وبعد أن انتهت تلك المهمة؛ كلَّفه “سعد” بطباعة المنشورات الأولى للثورة، ثم كلَّفه بمراقبة الوزراءَ والكبراء الذين يقاومون الحركة.

وقد فكَّر سعد في أن يختاره عضوًا في الوفد المسافر لباريس، ثم عدَل عن ذلك، مرتئيًا أن المصلحة في أن يبقىَ رئيس الجهاز السري في الظلِّ، وأن يكون بعيدًا عن الأضواءَ، حتى إذا اعتُقل القادة بَقيت الثورة تعمل!

وخلال سفر الوفد إلى باريس – وكذلك بعد نفي سعد وصحبه إلى مالطة – كان عبد الرحمن فهمي يبعث بالرسائل إلى هناك، ويتلقَّى تعليماته السرية المكتوبة بالحبر السري. وقد برع شباب الوفد في ذلك الوقت في استخدام الحبر السري!

وكان سعد زغلول يكتُب تعليماته السرية في داخل صفحات مضبطة مجلس العموم البريطاني؛ حتى إذا فتَّش الإنجليز الرسول السري وفحصوا ما معه من أوراق، فلا يَخطُر ببالهم أن مَضبطة مجلس العموم تَحوي تعليمات سرية إلى الثوار!

وفي القاهرة؛ كان الدكتور/ أحمد ماهر؛ نجل شقيق عبد الرحمن فهمي يتولَّى فكَّ الشفرة، وإظهار الكتابة السرية؛ وذلك بتمرير مكواة ساخنة على الورق؛ فتظهر التعليمات!

الجهاز السري لثورة 19

ووفقًا لأوراق التحقيقات والوثائق البريطانية؛ فإن الجهاز السري لثورة 19، كان مكونًا من عدة فروع:

دائرة استخباراتية استفادت من دعم أنصار الثورة داخل أروقة الحكم، وكان لها عيون في: مقر السلطات، ودار الحماية البريطانية، وعيون في قيادة جيش الاحتلال، وعيون على الوزراء والسياسيين. وإدارة للاتصالات الخارجية، ولها متعاونون في: السودان وإنجلترا وسويسرا وإيطاليا وباريس.وإدارة للدعاية تُشرف على توجيه العمل المسلح لللثورة، وتزويدها بالأخبار. وأخيرًا: إدارة للاغتيالات . وكان الجيد في الأمر أن كل فرع من مكونات ذلك الجهاز لا يعرف شيئًا عن باقي الفروع، ولا أسماء الأعضاء فيها.

النقراشي
النقراشي

وبالطبع كان جهاز الاغتيالات هو الأخطر، وكان هذا المجلس مُكوَّنًا من عدد من الشخصيات الذين صار لهم دور سياسي فيما بعد؛ وأبرزهم: محمود فهمي النقراشي، وأحمد ماهر، والمؤرخ عبد الرحمن الرافعي، إضافة إلى عدد من الشخصيات المتحمسين للثورة؛ ومعظمهم من الطلبة أو ضباط البوليس .

وكانت ممارسات ذلك الفرع مشروعة وتتجه للإنجليز؛ خاصة أن سلطات الاحتلال استخدمت القوة المُفرِطة ضد المتظاهرين، ما أدَّى إلى قتل المئات في: القاهرة والصعيد والدلتا، لكن حين جرى استهداف عدد من الوزراءَ؛ انسحب ثلاثة من قيادات جهاز الاغتيالات وهم: عبد الرحمن الرافعي، وعبد اللطيف الصوفان، ومحمد شرارة.

المفاوضات والعمل المسلح

وبينما كانت المفاوضات تجري في لندن مع الوفد المصري بزعامة سعد زغلول؛ عاد الاحتلال لاستخدام أساليبه العنيفة، واعتقل عبد الرحمن فهمي (سكرتير لجنة الوفد المركزية)، و26 من شباب الثورة من طلاب المدارس العامة والمحامين. ووجَّهوا إليهم تهمة تأليف جمعية باسم: “جمعية الانتقام” لقلب نظام الحكم، ثم قدَّموهم لمحاكمة عسكرية.

وقد اهتزت الدوائر السياسية لذلك، وكاد سعد زغلول أن يقطع بسببها المفاوضات مع لجنة “ملنر”.

وقد حُبس فهمي في “ثُكنات قصر النيل؛ حيث خُصِّصت له غرفه مطلة على النيل في الدور الأول، أما الآخرون – من أعضاء الجمعية – فقد سُجنوا في سجن الاستئناف بالمحافظة.

أحمد ماهر باشا

ولمَّا بدأت وقائع المحاكمة – التي حضرها محامون بارزون من لندن والقاهرة – كان الجميع يعلمون أن سلطات الاحتلال أرادت أن تبحث عن محرك “الجهاز السري”؛ لكنهم لم يعثروا على شيء!

وتحوَّلت الاتهامات الموجَّهة إلى فهمي؛ لتُصبح إنشاء جمعية سرية باسم “الانتقام”، تهدف إلى خلع السلطان أحمد فؤاد. وصدر الحكم بإعدام عبد الرحمن فهمي وستة من رفاقه، ثم جرى تخفيف الحكم إلى 15 سنة، لكن أُطلق سراحه وزملاؤه بعد تشكيل الزعيم سعد زغلول لحكومة الوفد عام 1924م.

وقد تعرَّض “فهمي” لمضايقات في سجن الحَضرة بالإسكندرية؛ حيث لم يكن يُعامَل معاملة المسجونين السياسيين، بل وُضِع مع المجرمين. فأضرب عن الطعام إبان وجوده في ذلك السجن . كما أُعيد اعتقاله إثر مقتل السردار عام 1925م، لكنه أخرج بعد ذلك.

فتور العلاقة بين الزعيميّن

وتحولت العلاقة بين سعد زغلول وبين عبد الرحمن فهمي إلى الفتور ثم القطيعة. فقد انعقد المؤتمر الوطني، وأخذت الأحزاب تستعد للانتخابات عام 1926م، واعتقد عبد الرحمن فهمي أن رصيده الوطني سيجعله مرشحًا للوفد كما كان في البرلمان السابق. لكنه علم أن سعد زغلول لم يضعه ضمن مرشحي الوفد. فذهب فهمي إلى سعد ودارت بينهما مناقشة ساخنة؛ حيث قال له سعد: إنك تريد أن أرشحك للنيابة وأنت مافتئتَ تطعن علىَّ في مجالسك الخصوصية، وانقطعت عن زيارتي لسنة كاملة، ولم تَعُدني في مرضي.

اقرأ ايضًا: أُمراء وثُوار: أشهرهم عمر طوسون.. وأعظمهم البرنس عزيز

فردَّ فهمي على الباشا قائلا: إنه بعد مقتل “السردار” كانت الحكمة تقتضي ذلك الانقطاع، وإنه بعد ذلك مَرِض هو الآخر، والأهم أن كل تلك الخلافات لا علاقة لها بصلاحيته للترشح للبرلمان!

لكنَّ غَضْبَة سعد زغلول على صديقه ورفيقه القديم؛ كانت أقوى من كل ذلك. ويبدو أن هناك وشايات عديدة أنهت علاقة الرجلين إلى الأبد!

تحَّول نشاط عبد الرحمن فهمى إلى النقابات العمالية. وكان الهدف هو جمع الحركة العمالية في مصر والسودان في تجمعات واحدة. كما أصدر مجلتين عماليتين على مبادئ حزب الوفد. وانتهت رحلته في العمل مديرًا لمجلة “روز اليوسف”. ثم تُوفي عبد الرحمن فهمي بعد كل ذلك العطاءَ الثوري يوم 13 يوليو من عام 1946م.

أسرة عبد الرحمن فهمي

أحمد ماهر، وعلي ماهر (والاثنان تولَّيا رئاسة الحكومة)؛ هما ابنا شقيق عبد الرحمن بك فهمي. وكما هو واضح؛ فإنهما لا يجتمعان في لقب عائلي واحد؛ حيث كانت الأسماءَ المركبة، سواء كانت ثنائية أو ثلاثية هي السائدة حيتئذ .

واسم عبد الرحمن فهمي أيضًا اسمٌ مُرَّكب. وقد حافظ هو أيضًا على ذلك التقليد مع جميع أبنائه؛ فقد أنجب كلاً من: المهندس/ كمال الدين فهمي، والمهندس/ مراد فهمي (الذي عمل وزيرًا للأشغال في نهاية العهد الملكي، وفي بدايات ثورة يوليو)، ومحيي الدين فهمي (سكرتير عام مجلس الوزراءَ سابقًا). أما أصغر أبنائه فهو: صلاح الدين فهمي (مستشار رئيس جهاز المحاسبات سابقًا)، وهو الذي أمدَّنا بتلك المعلومات عن العائلة وعن أبيه الراحل .

المصادر

.  مذكرات سعد زغلول: تحقيق عبد العظيم رمضان .

.  الكتاب الممنوع: مصطفى أمين.

.  مذكرات فخري عبد النور: تحقيق د. يونان لبيب رزق.

. تفاصيل اللقاء العاصف بين “سعد زغلول، وعبد الرحمن فهمى”: ماهر حسن، جريدة “المصري اليوم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى