زوايامختارات

عبد القادر شحاتة ودولت فهمي.. دراما الحب والثورة!

في عام 1987م، قدَّمت المخرجة إنعام محمد علي، والسيناريست عصام الجنبلاطي سهرة تلفزيونية بعنوان: «دولت فهمي التي لم يعرفها أحد»، بطولة ممدوح عبد العليم وسوسن بدر. تحكي السهرة تفاصيل محاولة اغتيال سياسي قام بها أحد شباب ثورة 19، وهو عبدالقادر شحاتة، أحد أعضاء التنظيم السري لثورة 19، ضد وزير قريب من الاحتلال البريطاني ومن القصر. وكيف دفعت فتاة صعيدية من شرفِها وسمعتِها؛ كي تحميَ ذلك الشاب المناضل، وتمنعَ عنه الإعدام.. فكان نصيبها القتل من عائلتها!

صورة للفنانة سوسن بدر من مسلسل دولت فهمي التي لم يعرفها أحد
صورة للفنانة سوسن بدر من مسلسل دولت فهمي التي لم يعرفها أحد

بطل قصتنا هو: عبد القادر محمد شحاتة، المولود في قرية «بانوب» مركز ديروط بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، لأسرة مقتدرة من بيت «النزاوية». ولا تزال العائلة تسكن بها، وهناك شارع رئيسي في ديروط يحمل اسمه. كما أن العائلة التي أنجبت دبلوماسيين وأساتذة جامعة ولواءات في الشرطة، لا تزال تتباهى بجَدِّها العظيم.

أما «دولت فهمي» التي تقول أوراق القضية، وكذلك الكتب التي تُؤرِّخ لتلك العمليات؛ وأبرزها «الكتاب الممنوع» لمصطفى أمين: إنها من المنيا، فقد عجزتُ عن الوصول إلى عائلتها بكل الوسائل المتاحة.

شحاتة والتنظيم السري لثورة 19

كان عبد القادر شحاتة -الطالب في مدرسة «الإلهامية»- يبلغ من العمر 21 عامًا في وقت الأحداث. وذات مرة؛ كان يجلس على مقهى بنادي محمد علي بميدان باب الخلق، ويلعب الطاولة مع الشيخ محمد يوسف الطالب الأزهري؛ إذ أقبل عليه شاب متوسط الطول قمحي اللون، وقدَّمه له صديقه باسم «الأخ فهمي». تحدثوا لبعض الوقت.

بعد ذلك تعددت رؤية «فهمي»، مرة ببذلة عادية ومرة في زي عامل، ومرة بجلباب فلاحي. وعندما توثقت العلاقة بينهما، قال له: «إنني أعرف أن الشيخ محمود أبو العيون كلَّفك بمهمة خطيرة في الصعيد في أول الثورة؛ وهي توزيع منشورات والقيام بحركة في المنيا. وأعرف أيضًا أنك أشعلت الثورة في المنيا، وأنه قد حُكم عليك من المجلس العسكري بضرب النار. وأعرف أن الذي هرَّبك هو خليل حافظ حكمدار المنيا متحديًا قرار السلطة البريطانية. فهل تقبل أن تكون عضوًا معنا في الجهاز السري للثورة؟».

على الفور؛ وافق عبد القادر، وأقسم اليمين بحفظ السر، ثم عاد وقال له ذلك المُلقَّب بفهمي: هل أنت مستعد للموت في سبيل مصر في أي وقت؟ فتحمَّس عبد القادر، ووافق بلا تردُّد.

شحاتة والمهمة الأولى

كان شباب «الجهاز السري» قد ألقوا قنبلة على إسماعيل سري وزير الحربية والأشغال؛ فاستقال فزعًا. وفوجئت الثورة بأن محمد شفيق باشا قد قَبِل أن يكونَ وزيرًا للأشغال والحربية والزراعة؛ فقررت قيادة الثورة قتله، واختير لتلك المهمة عبد القادر شحاتة.

وكانت القنابل التي قرر الجهاز السري استعمالها هي قنابل «نتروجلسرين»؛ وكانت تنفجر في الهواء، وربما تُصيب من يُلقيها. ذهب فهمي وبصحبته عبد القادر لمعاينة المكان الذي سوف يُلقي منه القنبلة على وزير الحربية والأشغال. وكان عبارة عن ميدان بسيط، وبه مراحيض عامة بمنطقة العباسية في طريق مصر الجديدة. وحددا معًا الشوارع التي يمكن أن يهرب إليها شحاتة؛ إذا نجا بعد إلقائه القنبلة، ومن مطاردة حرس الوزير.

عبدالقادر شحاتة يلقي القنبلة على سيارة الوزير محمد شفيق باشا
عبدالقادر شحاتة يلقي القنبلة على سيارة الوزير محمد شفيق باشا

ثم ذهبا إلى خرابة في حارة مؤدية إلى شارع النزهة، من المفترض أن يذهب إليها بعد إتمام العملية؛ ليُلقيَ فيها ملابس التنكر والمسدسات، على أن يأخذَها أحد أعضاء الجهاز السري، ويُخفيَها على الفور.

وكانت الخُطَّة هكذا: عبد القادر يتنكر في زي طباخ، وبعد ارتكاب الحادث يخلع ملابس الطباخ في الخرابة المتفق عليها، ثم يمشي كأي شخصٍ عادي ويعود إلى بيته.

ليلة التنفيذ

في ليلة التنفيذ كان على عبد القادر أن يبيت بعيدًا عن بيته، وبالتحديد في منزل عضو بالجهاز السري.

وتحدَّدت ساعة الصفر لتكون في صباح يوم 20 فبراير 1920م. وارتدى عبد القادر ملابس الطباخ، فوجد رغيفين فينو في جيب المريلة!

وفي الموعد المحدَّد؛ جلس على دكة خشبية في الشارع. وفي الثامنة والنصف توقَّفت سيارة فخمة أمامه، ونزل منها سائقٌ يحمل سَبتًا مُزركشًا ومشى إليه بثبات، ووضع السَّبَت على الدكة بجواره. وقال له: «هذا السَّبَت أعطيه للباشا عند مروره». وبعد لحظة كانت السيارة قد اختفت! كانت القنبلة هي التي تملأ ذلك السَّبَت!

بقي عبد القادر ساعتين، لكنَّ الوزير شفيق لم يذهب لوزارته في ذلك الوقت؛ فعاد بالقنبلة إلى وسط العاصمة.

محاولة أخرى

تبدَّلت الخطة، وتقرر أن يكون التنفيذُ بعد يومين؛ على أن يرتدي عبد القادر ملابس عسكري بوليس؛ لكنه تردَّد في التنفيذ عندما وجد سيدتين إلى جوار الوزير.

وفي اليوم الذي تم فيه تنفيذ العملية بالفعل؛ ألقَى القنبلة فأحدثت دويًّا هائلاً، ولم يتبيَّن شيئًا من الدخان الكثيف، ثم سمع صوتًا يقول: «قتلتني يا ابن الكلب»! فاعتقد عبد القادر أنه قد أصاب الوزير؛ فهرب بسرعة إلى طريق النجاة المرسوم في الخُطَّة، وهُرع خلفه أحد حراس الوزير، لكن عبد القادر أطلق عيارًا ناريًّا في الهواء فرجع الحارس، ومضى عبد القادر في طريقه حتى وجد الخرابة. وهناك خلع ملابسه، وألقى بها هي والمسدس الذي أطلق منه الرصاص، وأبقى المسدس الثاني، ومضى في طريقه كأي شخصٍ عادي، حتى وصل إلى شارع النزهة؛ لكنه لاحظ أن هناك مَن يتبعه عن بُعد. فأسرع ومعه صديقه عباس حلمي الذي كان ينتظره في الشارع نفسه، ثم وجدا مدرسة بنات قبطية فدخلاها، وشعرا بأن البوليس يُحيط بالمكان؛ وإذا بناظرة المدرسة تطلب منه المسدس، وتُخفيه!

محاولة اختباء فاشلة

بعد قليل؛ وصلت قيادات البوليس وعلى رأسهم «رسمي باشا»، وقد قاموا بتفتيش الجميع، فلم يعثروا على شيء. فُقبض على عبد القادر من داخل المدرسة ووُضِع في السجن، وتعرَّف عليه محمد شفيق باشا وزير الأشغال، وحسين سري مدير مكتبه.

اعترف عبد القادر بأنه منفذ محاولة الاغتيال؛ لأن محمد شفيق باشا قبِل منصب وزير الأشغال بعد استقالة إسماعيل سري باشا، وما كان لمصريٍّ أن يقبلَ بهذا المنصب.

وكانت السلطة العسكرية البريطانية تريد أن تُثبت أن الحادث هو مؤامرة كبيرة، وحاولت بكل الطرق أن تصل من خلال عبد القادر لقادة الجهاز السري. وحاصره المحققون؛ ليعرفوا مكان إقامته قبل الحادث، ليصلوا من خلال ذلك إلى «الجهاز السري». كما ضغطوا على جيرانه ورفقائه في المنزل الذين اعترفوا بأنه كان مقيمًا خارج المنزل في الشهور الأخيرة.

وفي ذلك التوقيت، تلقَّى رسالة من الجهاز السري من خارج السجن، بأن سيدة اسمها «دولت فهمي» ناظرة مدرسة «الهلال الأحمر» سابقًا، ستتقدم للشهادة وتقول إنه كان يبيت عندها في تلك الأيام، وإنه يجب أن يعترف بذلك، رغم أن هذا يسيء لسمعتِها، ولسمعة عبد القادر كذلك! لكن الآنسة «دولت» قبِلت بتلك التضحية!

ومع إقراره في التحقيق بتلك المعلومة الجديدة؛ أمر النائب العام بالقبض على دولت فهمي؛ حيث جِيء بها مُكبَّلة بالحديد. كانت «دولت» شابة حسناء ومُحبِّة لبلدها. وما إن رأت عبد القادر حتى اندفعت تجاهه وقبَّلته ووصفته أمام المحققين بأنه حبيبُها، وأنه كان يَبيت في بيتِها!

حاول النائب العام والمحققون الإنجليز إغراءَ السيدة دولت؛ كي تمتنع عن تلك الشهادة أو تتراجع عنها؛ لكنها رفضت رفضًا باتًّا؛ رغم جميع التهديدات التي تلقتها منهم.

وقد حُكم على عبد القادر وصديقه عباس حلمي بالإعدام شنقًا. وبعد 21 يومًا من ارتداء «البذلة الحمراء»؛ تم استبدال الأشغال الشاقة المؤبدة بالإعدام. وقد أمضى عبد القادر في سجن طره 4 سنوات يكسر الأحجار، إلى أن أفرج عنه سعد زغلول في 11 نوفمبر 1924م، حين تولَّى رئاسة الحكومة. وذهب عبد القادر شحاتة إلى سعد زغلول ومعه عريان يوسف؛ الذي كان قد ألقى قنبلة على يوسف وهبة باشا عام 19، فاحتفى بهما سعد باشا، وشكرهما على ما قاما به.

عرف عبد القادر أن القائد «فهمي» هو اسم حركي، وأن الاسم الحقيقي هو «أحمد عبد الحي كيرة» عضو الجهاز السري للثورة، وأحد الأبطال المجهولين.

بعد ذلك؛ سأل عبد القادر شحاتة عن دولت فهمي في كل مكان. وسأل عنها أيضًا زعماء التنظيم السري. فقد دبَّ حبُّها في قلبه، بعد موقفها معه، ويُريد أن يتزوجها. وفي النهاية علِم أن أهلها قتلوها، عندما سمعوا باعترافها بأن رجلاً كان يَبيت عندها. ولم يعلموا أن ابنتهم شريفة ومناضلة، وأنها كانت تعمل مع التنظيم السري للثورة؛ الذي أُطلق عليه «اليد السوداء».

جماعة "اليد السوداء" التي نظمت عمليات اغتيال للإنجليز ومعاونيهم قبل وخلال ثورة 19
جماعة “اليد السوداء” التي نظمت عمليات اغتيال للإنجليز ومعاونيهم قبل وخلال ثورة 19

سجل عائلة عبد القادر شحاتة

بدأت شهرة عبد القادر شحاتة في الصعيد. ومع اندلاع ثورة 19؛ كان يتزعَّم عمليات خطف ضباط وجنود الاحتلال الانجليزي هناك. وهي العمليات التي أوصلت شهرته إلى «الجهاز السري».

حصل شحاتة على وظيفة في بنك التسليف عام 1938م بِناءً على توصية من الدكتور/ أحمد ماهر (وزير المالية). وكان راتبه حينئذ ثمانية جنيهات. وكانت أسرته تمتلك أرضًا زراعية وأملاكًا أخرى يتشارك مع عائلته في إدارتها.

أنجب عبد القادر عددًا من الأولاد؛ أبرزهم: اللواء «فؤاد جمال عبد القادر»، (الذي ترقَّى في وزارة الداخلية، كما عمل في مركز دعم واتخاذ القرار). وصفوت همام عبد القادر شحاتة.

ومن رموز العائلة أيضًا: السفير محمود الجواد؛ (مستشار شيخ الأزهر السابق، الذي عمل أيضًا لسنوات بقرب وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى).

المصادر:

. الكتاب الممنوع: مصطفى أمين.
. مذكرات سعد زغلول: تحقيق د. عبد العظيم رمضان.
. ذات يوم: سعيد الشحات. جريدة (اليوم السابع 22/2/2019م).
. حوارات مع أفراد من عائلة عبد القادر شحاتة بديروط.

إقرأ أيضا: عبد الرحمن فهمي..البطل الخفي لثورة 19

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى