ثقافة وفن

عبد الوهاب.. والغناء من وراء حجاب

على صفحته على فيسبوك، طرح الكاتب الكبير الأستاذ عبد العظيم حماد، سؤالا مشروعا: لماذا قرر محمد عبد الوهاب أن يتوقف عن الغناء في المحافل، وأن يكتفي بتسجيل الاسطوانات؟ وقد أشار حماد إلى أن هذا القرار الوهابي، جاء بعد أن غني المطرب العملاق قصيدته “الجندول” في محفل جماهيري، فقاطعه المستمعون، وطلبوا منه أن يغني طقطوقته الجميلة “خايف أقول اللي في قلبي، كما تساءل الكاتب الكبير عن سبب النجاح الكبير لأم كلثوم وهي تغني قالب القصيدة في محافل جماهيرية.

لم يدخر أصدقاء الأستاذ حماد جهدا في الإجابة عن سؤاله، فأمطروه بسيلٍ من التعليقات، التي يظنون أنها تمثل إجابات للاستفهام المطروح.  وكما هو معتاد، كانت الأغلبية الساحقة من هذه التعليقات لا تمس السؤال من قريب أو بعيد، فبعضها مثلا، كان يتحدث عن عظمة صوت عبد الوهاب، أو عن روعة ألحانه، أو عن قوة صوت أم كلثوم، أو عن عظمة ألحان رياض السنباطي لقالب القصيدة. وغير ذلك مما يشكل ازدحاما إليكترونيا، قد يمنح الموضوع مزيدا من شد الانتباه، لكن لا يكاد يخرج أحد منه بطائل.

والحقيقة أن الإشكال الأكبر في هذا السيل من الإجابات، لا يتمثل في كون أكثرها بعيدا عن الموضوع، أو في خطئها في المعلومات أو إغفال سياقات تاريخية وفنية مهمة.. وإنما تتمثل الأزمة الأعمق في أن أغلبية الجمهور من مستمعي الغناء والمهتمين بالفن، يعتقدون أن لكل سؤال إجابة، وأن هذه الإجابة سهلة واضحة، وأن الأمر لا يحتاج عناءً كبيرا.. فلدى الجمهور جرأة غريبة على إصدار الأحكام القطعية، كما لديه سرعة كبيرة في إعلان هذه الأحكام ونشرها على مواقع التواصل.

وبينما نجد أن المنغمسين في البحث والتتبع والتوثيق والمقارنة بين التسجيلات وتصويب التواريخ يتحفظون كثيرا، ويفكرون مرارا قبل إصدار أحكام قطعية في قضايا فنية إشكالية، نجد أن جمهور “التسلية” الفنية يفيض بآرائه وأحكامه دون تردد أو شك، أو حتى اتكاء على صيغ الظن والتغليب.

يمكننا أن نقسم القضية التي طرحها الأستاذ عبد العظيم إلى ثلاثة أسئلة: الأول، لماذا قاطع الجمهور محمد عبد الوهاب أثناء غنائه قصيدة الكرنك، وطالبه بغناء طقطوقة خايف أقول اللي في قلبي؟. الثاني، لماذا توقف عبد الوهاب عن الغناء في المحافل منذ نهاية الثلاثينات؟!

الثالث، لماذا احتفى الجمهور دائما بغناء أم كلثوم لقالب القصيدة؟ وبالطبع، فإن كل سؤال من هذه الأسئلة يبدو مستقلاً عن السؤالين الآخرين، مع الإقرار بأن بين هذه الأسئلة قدرًا من التداخل والتشابك، الذي لا يمنع من مناقشة كل سؤال باعتباره مبحثا مستقلا.

محمد عبدالوهاب
محمد عبدالوهاب

في السؤال الأول، بدا لي أن الأستاذ عبد العظيم يُرجِّح أن الجمهور قاطع عبد الوهاب لأنه يغني قصيدة فصيحة، والحقيقة أن سبب اعتراض الجمهور هو خلو اللحن من الطرب الشرقي، والسلطنة الموصلة إلى النشوة، والقفلات الحرَّاقة التي تبلغ بالنشوة ذروتها العالية، فاللحن يسير وفقا للخط “التغريبي” الذي بدأه عبد الوهاب تحت لافتة “التطوير” قبل عدة سنوات من أداء الجندول، وليس لهذا الكلام علاقة بجمال اللحن، أو عظمة ما فيه من تعبير درامي، لكن هذه هي الطبيعة الغالبة على جمهور الحفلات، الذي خرج واشترى التذاكر وجلس في الصالة منتظرا، من أجل الطرب أولاً، ومن أجل الطرب آخرًا.

ويمكن أن نجمع إلى خلو اللحن من الطرب الشرقي، والقفلات الحراقة التي تنتزع الإعجاب والتصفيق من الجمهور، أن غناء عبد الوهاب يتميز بقدر عال من “التهذيب”، المتمثل في الاقتصاد الشديد في “العُرب” وشح التصرفات، وندرة الارتجال.

وحين تجتمع هذه الخصائص مع العوامل اللحنية السابقة، فإنها تجعل من لحن “الجندول” أغنية غير صالحة للتقديم على المسرح، أو للاستماع الجماعي المتسم بالتفاعل والاستزادة وكلمات الاستحسان، فكان من نتيجة ذلك أن دبَّ الملل إلى نفوس من في “الصالة”، فتصايحوا يطالبون بطقطوقة “خايف أقول اللي في قلبي”، ذات الإيقاع النشط الطربي، الدافع للسآمة والملل.

في السؤال الثاني، فهمت أن الأستاذ حماد يظن أن عبد الوهاب قرر بعد هذه الواقعة أن يكتفي بتسجيل القصائد على اسطوانات ولا يقدمها في محافل جماهيرية، وهو ما يعني أن موسيقار الأجيال استمر في غناء القوالب الأخرى من منولوجات وطقاطيق على المسارح، والحقيقة أن عبد الوهاب اعتزل الغناء المحفلي كله، بغض النظر عن القالب، وهو ما يقوي الترجيح بأن سخط الجمهور لم يكن بسبب القصيدة، ولكن بسبب طريقة لحن وغناء القصيدة.

فإن ذهبنا نبحث عن سبب هذا الاحتجاب عن الجمهور المباشر، فمن الضروري أن نستحضر السياق الفني في هذا التوقيت.. أي بين عامي 1939 و1940. وهو سياق حكمته ثلاثة عوامل تضافرت ودفعت عبد الوهاب لاتخاذ قراره باعتزال الغناء المحفلي: أولا، المنافسة الشديدة والغريبة بين عبد الوهاب من جهة وأم كلثوم من جهة أخرى، وكانت تلك المنافسة في ذروتها في هذا التوقيت، مما يعني أن تكرار تعرض عبد الوهاب لسخط جمهور الصالة سيشكل ضربة شديدة ومؤثرة على مركزه التنافسي ضد أم كلثوم.

ثانيا: كانت أم كلثوم في هذا التوقيت في ذروة ألقها وصعودها الصاروخي، وقد بلغ نضج صوتها وعظمة أدائها مبلغا إعجازيا، ولم يعد هناك من شك في أن الجمهور يقبل منها أي شيء، كونها تلفظت بهذا الشيء، فهي سيدة الغناء المسرحي الجماهيري، صاحبة الصوت بالغ الثراء بالعرب الطبيعية والذبذبات السريعة، وأدؤها ينتمي إلى الطريقة المشيخية في إنتاج الصوت، فيصدر غناؤها كأنه تلاوة أو لحن ديني، وبالطبع كانت قفلاتها الحراقة المحكمة تكاد تصيب الجمهور بحالة هيستيرية.

وحتى عندما يخلو اللحن من الطابع الشرقي الطربي، كما نجده في بعض منولوجات محمد القصبجي، فإنها تعوض ذلك بتصرفات بديعة تملأ اللحن ثراء والغناء طربا، وكل ذلك يعني أن احتمال تعرض أم كلثوم لموقف كالذي تعرض له عبد الوهاب احتمال يكاد ينعدم، مما يمثل ضغطا هائلا على الرجل.

عبدالوهاب وأم كلثوم
عبدالوهاب وأم كلثوم

ثالثا، في هذا التوقيت، كان صوت عبد الوهاب، قد أخذ طريقه إلى رسم بياني هابط.. نعم كان جميلا، بل رائعا.. لكن من يعرف صوت عبد الوهاب في “يا جارة الوادي” و”خدعوها بقولهم حسناء” و”بلبل حيران”وغيرها من خوالد العشرينات والثلاثينات، يدرك أن صوت عبد الوهاب بدأ يشق طريقه إلى رتبة أقل.. وهو أمر يؤثر بلا شك على منافسته مع أم كلثوم، في ميدان الغناء المحفلي.. ولهذه الأسباب، آثر عبد الوهاب الانسحاب من الميدان، واعتزال الغناء الجماهيري، وبذكائه المعتاد، تعلل بأن الذوق العام لرواد المسارح لا يرقى لمذهبه التلحيني والغنائي، وأنه سيقتصر على الإذاعة، أو تسجيل الاسطوانات، ليقتنيها من يقدرها.

ويبقى الاستفهام الأخير للأستاذ حماد، عن سبب حسن الاستقبال الجماهيري لقصائد أم كلثوم، وقد أكثر المعلقون على صفحة الأستاذ من رد هذا الرضا الجماهيري إلى قوة ألحان رياض السنباطي لقالب القصيدة.. ولا أحد يجادل في تفوق السنباطي عندما يتصدى لتلحين النصوص الفصيحة.. لكن يجب أن ننتبه أن واقعة اعتزال عبد الوهاب، كانت سنة 1939، أو 1940، وفي هذا التوقيت لم تكن الشخصية السنباطية المتميزة في تلحين القصائد قد اتضحت بصورتها المؤكدة.. نعم كان قد لحن عددا محدودا جدا من القصائد لأم كلثوم، وفي مقدمتها “سلوا كؤوس الطلا”، لكن هذا التعاون لم يكن هو سبب النجاح الكلثومي الكاسح، الذي لم يكن له ارتباط بقالب غنائي معين.. بل ارتبط دائما بالأداء المشيخي التجويدي لكوكب الغناء، وبإمكانات صوتها الجبارة، لاسيما في هذه الفترة الذهبية.

ومن المهم أن نشير إلى أن عبد الوهاب، بوعيه وخبرته، فهم جيدا الأسباب التي اضطرته للاحتجاب عن مواجهة الجمهور، لذلك، عندما اضطر بعد ذلك بسنوات إلى الغناء المحفلي، كما حدث عام 1954 في ليلة “نادي الفرسان” التي حضرها أعضاء مجلس قيادة الثورة، وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر، نجده قد غنى طقطوقة “كل ده كان ليه” غناء يرضي جمهور المحافل، وملأ ليلته بالتصرفات والارتجالات والصعود إلى الدرجات العليا، فنال استحسانا كبيرا وتجاوبا استثنائيا.

وقد تكرر ذلك من عبد الوهاب عام 1971، عند زيارته للمملكة المغربية، عندما غنى لحنه لأم كلثوم “ودارت الأيام”، وحشد فيها قدرا كبيرا جدا من التصرفات اللحنية، بدرجة فاقت ما كانت تفعله أم كلثوم نفسها، وهو أمر غير معتاد من صاحب اللحن، لكنه أدرك أن الغناء “السادة” لن ينفعه في هذه اللقاءات، التي اعتبرها فرصا نادرة جدا، لإثبات قدرته على إرضاء الجمهور الواسع.. تلك محاولة للإجابة عن الأسئلة التي طرحها الأستاذ عبد العظيم حماد، ولعلها تسد بعض الثغرات فيما أثاره استفهام كاتبنا الكبير.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى