زوايا

عدالة توزيع لقاحات كورونا.. الفقير يقف في آخر الصف

مع وصول عدد حالات الوفاة من فيروس كورونا إلى أكثر من 3 ملايين، وأكثر من 146 مليون إصابة حول العالم، تتسابق البلدان لتطعيم مواطنيها، لكن اختلاف قدرات منظوماتها الاقتصادية-الصحية، يخلق تفاوتًا كبيرًا في معدلات توزيع لقاحات كورونا بين الدول الغنية والفقيرة.

وللقضاء بشكل نهائي على كورونا كوباء، يجب تلقيح 70% من الأفراد على وجه الأرض، في حين لا يزال الرقم المحقق -12% فقط- بعيدًا عن الهدف المنشود.

وتتضافر الجهود الدولية من منظمة الصحة العالمية لتوفير اللقاح للدول، عبر مبادرة كوفاكس، التي تسعى لتوفير ملياري جرعة نهاية العام، لكن يظل ذلك المعدل غير كاف للقضاء على الوباء.

ومع الطلب المتزايد والعرض المحدود للقاح، تبحث الدول عن طرق أخرى لتوفير اللقاحات، من بينها رفع براءات الاختراع عن الأدوية والمستلزمات الطبية الخاصة بفيروس كورونا، ليتيح للدول النامية إنتاج اللقاح.

لقاحات كورونا.. فجوة في التطعيم

تلقى أكثر من 953 مليون إنسان حول العالم، جرعة لقاح كورونا، بما يعادل 12 جرعة لكل 100 شخص من سكان العالم.

ويُلاحظ من البيانات المتوفرة وجود فجوة بين نسب التطعيم في البلدان الفقيرة مقارنة بالغنية، فوفقًا لنيويورك تايمز، حصلت البلدان الغنية والبلدان المتوسطة العليا، على 83% من إجمالي الجرعات المنتجة من لقاح كورونا حول العالم، في حين حصلت الدول الأفقر على 0.2% فقط من اللقاحات، فيما حصلت البلدان المتوسطة الدنيا على النسبة المتبقية.

وفي الشكل البياني التالي، يلاحظ أن الدول مرتفعة الدخل، تقترب من حاجز الـ100% من التطعيمات بشكل عام، وليس فقط تطعيمات كورونا، بينما تقبع الدول الأفقر تحت حاجز الـ10%، بل لا يتوفر في كثير منها بيانات حول التطعيمات.

لقاح كورونا
المصدر: نيويورك تايمز

أما الشكل البياني التالي، فيستعرض عدد من تلقوا اللقاح من بين كل 100 إنسان في قارات العالم، ليتضح ارتفاع معدلات التطعيم في قارات أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، بينما جاءت قارتا آسيا وإفريقيا في المؤخرة.

توزيع لقاحات كورونا
المصدر: Our World in Data

وسجلت دول أوروبا والأمريكتان معدلات الإصابة الأعلى حول العالم، ما يجعل عملية تلقي جرعات اللقاح أكثر إلحاحًا فيها.

لقاحات كورونا
شكل بياني لعدد حالات الإصابة من كل مليون في كل بلد حول العالم (Our World in Data)

لكن في تفسير آخر لتلك الظاهرة، يعزو عدد من الخبراء التفاوت في أعداد الإصابات بين الدول الغنية والفقيرة إلى ضعف النظم الصحية في الدول الفقيرة، ما يؤدي إلى عدم تسجيل كل الحالات المصابة.

كوفاكس.. مبادرة سد الفجوات “نسبيًا”

ومن أجل سد تلك الفجوة في أعداد متلقي اللقاح، أُطلقت مبادرة كوفاكس بهدف تطوير الأبحاث للتوصل إلى لقاح كورونا.

تقود المبادرة منظمة الصحة العالمية بمشاركة التحالف العالمي للقاحات وتحالف ابتكارات التأهب للأوبئة.

وفي يونيو 2020، أطلق التحالف العالمي للقاحات، آلية التزام السوق المسبق بشأن اللقاحات، وهي أداة تمويل تستهدف دعم 92 من الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل.

وبالجملة، تستهدف مبادرة كوفاكس تقديم أكثر من ملياري جرعة لقاح كورونا في 190 دولة خلال أقل من عام، مركزةً على دعم أفقر 92 دولة في العالم، مقابل 98 دولة غنية.

وفي فبراير الماضي، تلقت غانا لقاحات من كوفاكس، كأول دولة في العالم تتلقى لقاحات من هذه المبادرة، إذ تسلمت نحو 600 ألف جرعة من لقاح أسترازينيكا البريطاني.

اقرأ أيضًا: لغز المنطقة ORF8.. هل يختفي “كورونا” بعد شهرين؟

لكن المشكلة تكمن في أنه حتى لو تمكنت مبادرة كوفاكس من تحقيق أهدافها بتلقيح ملياري إنسان حول العالم بنهاية العام، فستظل جائحة كورونا قائمة، لأنه من أجل القضاء على وباء كورونا يحتاج العالم إلى تلقيح 70% من سكانه.

رغم ذلك، ستوفر مليارا جرعة لقاح بعض الحماية للأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالمرض مثل العاملين في القطاع الصحي وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

وقدمت مبادرة كوفاكس أكثر من 38 مليون جرعة عبر ست قارات، من ثلاث شركات مصنعة: أسترازينيكا، وفايزر، ومعهد سيروم بالهند.

ومن بين أكثر من 100 دولة وصلت إليها اللقاحات، ثمّة 61 دولة من الدول الـ92 منخفضة الدخل.

وفي حين تمكنت كوفاكس من جمع أكثر من ستة مليارات دولار، تقتضي خطة المبادرة جمع ملياري دولار على الأقل لتلبية هدف عام 2021.

وتعني صعوبة الوصول إلى المعدلات المطلوبة خلال هذا العام من الأفراد متلقي القاح، (70%)، تأخر وصول اللقاح إلى الدول الفقيرة بعد الانتهاء من تلقيح الدول الغنية، لكن هناك تحدٍ آخر يلوح في الأفق خاص بمدة فاعلية اللقاح، إذ لا توجد معلومة مؤكدة حول ما إذا كان يستوجب تناول اللقاح مرة واحدة في العمر أم يجب تلقيه بشكل سنوي.

ألبرت بورلا، الرئيس التنفيذي لشركة فايزر، صرح بأنه على الأرجح سيحتاج متلقو للقاح إلى جرعة معززة في غضون 12 شهرًا من تلقي التطعيم بالكامل.. سيمثل هذا عاملًا إضافيًا لتأخر وصول اللقاح في ظل زيادة الطلب مع ثبات العرض تقريبًا.

في المقابل، هناك مؤشرات إيجابية فيما يرتبط بجانب العرض، مع إمكانية إنتاج لقاحات أخرى، فبحسب منظمة الصحة العالمية يوجد 275 لقاحا قيد التطوير، من بينها 91 لقاحا في مرحلة التجارب السريرية.

تجارب لقاحات كورونا

الملكية الفكرية وبراءات الاختراع

حلول أخرى طُرحت بغرض التعجيل من وتيرة تلقي اللقاح، عبر استخراج ما يعرف بالترخيص الإلزامي لبراءات الاختراع، والذي يتيح للدول إنتاج اللقاح دون الحصول على إذن من الشركة المصنعة التي تحمل براءة اختراع.

في هذا الصدد، قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن “اللحظة الاستثنائية” التي تعيشها البشرية، تستلزم “الارتقاء إلى مستوى التحدي”، لافتًا إلى وجود “مرونة في اللوائح التجارية لحالات الطوارئ”.

وفي مقال له بصحيفة الجارديان البريطانية، نشر الشهر الماضي، أكّد غيبريسوس أن التنازل عن براءات الاختراع “مؤقتًا” لا يعني ضياع حقوق الشركات المصنعة، بل “ستحصل على تعويضات”.

وتعتبر براءات الاختراع أداة ضرورية لحماية الملكية الفكرية، إذ تمنع استخدام اللقاح 20 عامًا منذ تسجيل البراءة، لكنها في ظل الظروف الحالية، تحُد من الجهود المبذولة لمنع انتشار الفيروس، مع امتلاك العديد من شركات الأدوية للتقنيات اللازمة لإنتاج هذه اللقاحات، إلا أن القيود القانونية تمنع دول العالم الثالث من استخدام تلك التقنيات لانتهاكها حقوق الملكية.

جهود الصحة العالمية ليست وليدة اللحظة، ففي مايو 2020، وفي إطار سعي المجتمع العلمي للتوصل إلى لقاحٍ لفيروس كورونا، أطلقت منظمة الصحة العالمية تجمعًا طوعيًا لجمع حقوق براءات الاختراع وبيانات الاختبارات التنظيمية وغيرها من المعلومات التي يمكن مشاركتها لتطوير الأدوية واللقاحات لمكافحة كورونا.

لكن مدراء الشركات الكبرى انتقدوا تلك المبادرة، فاعتبر المدير التنفيذي لشركة أسترازينيكا أن الملكية الفكرية “جزء أساسي من صناعة الأدوية”، قائلًا إنه “إذا لم تتم حمايتها، فلا يوجد حافز لأي شخص على الابتكار”، فيما وصف الرئيس التنفيذي لشركة فايزر، تلك الخطوة بـ”الهراء”، مشيرًا إلى “المخاطر التي تتحملها الشركات، والمقدرة بمليارات الدولارات”.

لا يتعلق الأمر بمنظمة الصحة العالمية، إذ ترتبط مسألة براءات الاختراع بقواعد التجارة العالمية.

وتتزعم كل من جنوب إفريقيا والهند، تيارًا داخل منظمة التجارة العالمية لرفع براءات الاختراع عن الشركات المصنعة للقاح، لتسهيل إنتاجه في البلدان الفقيرة.

وتضرب جنوب إفريقيا مثالًا بوباء فيروس نقص المناعة البشرية (إيدز)، حيث كانت حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع للمعدات الطبية سببًا في وفاة 11 مليون إفريقي على الأقل، وفقًا لها.

وتنص المادة 31 من اتفاقية تريبس (TRIPS) المنظمة للجوانب التجارية في حقوق الملكية الفكرية، على الحق في ترتيب استخدام براءات الاختراع في حالات الطوارئ دون إذن صاحبها.

في المقابل ترى دول غربية أن حماية الملكية الفكرية يشجع على الابتكار، بينما رفع الملكية الفكرية سيؤدي إلى ضعف الاستثمار في صناعة الدواء، وأن رفع براءات الاختراع لن يؤدي لزيادة إنتاج الدواء، بخاصة أن الدول الفقيرة ليست لديها الإمكانيات لإنتاج الدواء.

وفي تجربة من نوع آخر قدمها معهد سيروم الهندي وشركة أسترازينيكا، بتوقيع المعهد اتفاقية لتصنيع لقاح أسترازينيكا، تحت إطار ما عرف بـ”الترخيص الطوعي“، وهو ترخيص تتحكم فيه الشركة صاحبة براءة الاختراع بحجم الدواء المصنع ومدة استخدام البراءة.

وعلى نفس المنوال، اتفق صندوق الاستثمار المباشر الروسي، المسؤول عن تسويق لقاح سبوتنيك الروسي، مع شركة مينا فارم المصرية لصناعة الأدوية، على إنتاج أكثر من 40 مليون جرعة سنويًا من لقاح “سبوتنيك V”، كذلك فعل الصندوق مع شركة أدوية أرجنتينية، بمنحها حق إنتاج نفس اللقاح.

يمكن القول إن رأس المال لا يزال يفرض سيطرته بشكل كبير حتى في ظل الأزمات التي يتشاركها العالم، والتي قد تعصف بدوله معًا كما الحال في أزمة جائحة كورونا.

ورغم بعض الجهود الأممية لفض الاشتباك وترسيخ آليات عملية لتعامل فعال مع الأزمة، يبدو أن المستهدف لا يزال بعيد المنال.

عمر علاء

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى