ثقافة وفن

“عشان أنا بحمد ربي”: حمو بيكا.. ملاحم النبطشي العشوائي

حمو بيكا متصدر دائم لـ “الترند”، فقبل منعه من الغناء من قبل نقابة المهن الموسيقية بيوم واحد أعلن عن افتتاح مطعم له في الإسكندرية، ونشر صورة مع سيارته كتب عليها: “عربيتي في ثوبها الجديد عيار 24” يُقدر ثمنها بـ 4 ملايين جنيه.

الأخبار من هذا النوع عن حمو بيكا تأخذ أحياناً بعداً هزيلاً بدلاً من الإثارة، ففي بداية يونيو الماضي نشر عمر كمال فيديو لحمو بيكا داخل حمام السباحة في الساحل الشمالي، وهو يحاول ارتداء عوامة صغيرة، ولكنه فشل في ارتداءها بسبب صغر حجمها.

يستعيد حمو بيكا تجربة شعبان عبد الرحيم، (ابن البلد الذي صادفه النجاح ولا يتقن التعامل مع الشهرة)، وبدأ في تقديم نفسه من منطقة الفكاهة التي تتصنع البلاهة بل والسخرية من نفسه، وظهرت فيديوهات كثيرة يحاول فيها نطق كلمات أجنبية ويفشل بشكل مضحك، حتى إن أغانيه بدأت تحمل كلمات انجليزية، مثل “أنا بيكا ماي لاف الفانز“، وغيرها الكثير من الكلمات والفيديوهات، ليخلق له ترند خاص بعيداً عمّا يقدم.

وضمن هذا لبيكا نجاح المهرجان قبل صدوره مثل مهرجان “باتون ساليه بالسمسم هات“، لدرجة أن بعض فيديوهاته حققت أرقام مشاهدات أكثر من المهرجان نفسه مثل “اي مس يو فيري هارت“، حيث حقق المهرجان مليون مشاهدة فقط، فيما حقق فيديو كواليس التسجيل المضحك أكثر من 6 ملايين مشاهدة.

لذا يريد حمو بيكا أن يظل تحت الضوء دائماً، يطل على الجمهور في برامج كثيرة، أغلبها تعامله بنوع من أنواع الاستهزاء والسخرية، حتى وإن كان بشكل مبطن وخفي، أو تعطيه دروساً أخلاقية فيما يخص كلمات أغانيه الخارجة عن مسطرة أخلاقيات الطبقة الوسطى.

لكن لماذا يلتزم بيكا بالأكواد الأخلاقية لتك الطبقة وهو ليس منها أصلاً؟

من أين أتى حمو بيكا؟

حمو بيكا
حمو بيكا

كان حمو بيكا طفلاً هارباً من كل قيد: المدرسة، السلطة الأبوية، مرؤوسه في العمل، باحثاً عن “أكل العيش” في سن مبكرة للغاية بكل ما أوتي من قوة، وبنفس العزم يفتش عن حريته، دون أن يعرف ماهية الكلمة، يستمع إلى أحزان مطربه المفضل عبد الإسكندراني، ناعياً نفسه ولاعناً حظه، لا يملك شيئاً في الحياة، يتلعثم في النطق والغناء، لكنه قادر على الحلم وخوض التجارب، يفتش عن ضربة حظ تنتشله من القاع إلى سطح الحياة.

طفل هارب من المدرسة، متنقل بين العديد من الوظائف الشاقة، من محلات الجزارة والعمل مساعداً لسائق مقطورة ونجار مسلح، نهاية بتملكه “توك توك” يعمل عليه، ليشعر بأنه صاحب العمل ولا رئيس فوقه.

كل ذلك حدث داخل حيز صغير ومعزول من العالم، بمنطقة الدخيلة في مدينة الإسكندرية، تلك المنطقة الشعبية التي يعيش فيها الشباب بعيداً عن كل ما يحدث في العالم الخارجي، كل أحلامه تتلخص في أن يكسب قوت يومه، ويجمع من المال ما يؤهله لفتح بيت.

في تلك الأجواء ظهرت فرقة اتحاد القمة الدخلاوية بالإسكندرية، حيث نشأ حمو بيكا وشب على أغاني الفرقة، بل كان يعمل في أحد أهم وسائل نشر ودعاية المهرجانات “التوك توك”، ويراقب كم التغيرات التي طرأت على عناصر الفرقة، بداية من النجاح والشهرة داخل المنطقة، ثم الانتشار في الإسكندرية والمحافظات المجاورة، نهاية بالوصول إلى القاهرة والانتشار في مصر والظهور على شاشة التلفزيون.

كل تلك الأمور جعلت حمو يفكر في سؤال ما الذي يمنعه من خوض التجربة؟.. فربما يصبح مثلهم، يجني المال والشهرة ويصبح مطرب مهرجانات بدلاً من سائق “توك توك”، أحلام عادية وبعيدة لكنها ممكنة.

آنذاك كانت سهولة صنع المهرجانات طوق نجاة للعديد من أفراد الطبقات الشعبية، فحسب جلال أمين: “تحررت الجماهير الغفيرة وحصلت على ما كانت محرومة منه من حقوق، هذا هو المكسب الحقيقي الذي حققه العالم في الخمسين عاماً الماضية، وهذا هو مربط الفرس في فكرة التقدم. ربما لم نعد الآن أسعد أو أرقى حقاً مما كنا منذ خمسين عاماً، ولكن المؤكد أن ما كان مقصوراً على القلة أصبح في متناول كثيرين، وهذا هو الدفاع الحقيقي، فيما يظهر، عن التكنولوجيا الحديثة”.

عودة المهرجان إلى أصله

حمو بيكا
حمو بيكا

الله يرحم فن زمان.. فن ثومة وعم حليم” تلك كلمات المهرجان الأول لحمو بيكا عام 2015، والتي قدمها منفرداً قبل أن يجمع حوله أصوات غنائية أخرى، خالقا شكلاً جديداً في الأداء، كلمات أقرب إلى “راحت خلاص أيام الست بقينا في عصر الإنترنت“، من أغنية “أهل الطرب” لشعبان عبد الرحيم عام 1999.

لثلاث سنوات ظل حمو بيكا يعمل على تسويق نفسه داخل منطقته السكنية “الدخيلة”، آملاً في الانتشار خارج حدودها، واقتحام القاهرة.

آنذاك كان عالم المهرجانات يمر بتحولات لافتة، ففي عام 2018 حدث اختفاء وضمور للعديد من نجوم المهرجانات وعلى رأسهم أوكا وأورتيجا بعد النجاح الساحق في مهرجان “ألعب يالا“، بالتزامن مع انتشار الراب الذي أقلق مطربي المهرجانات من إمكانية سحب بساط النجاح من تحت أرجلهم.

فبدأوا مؤدو المهرجانات في البحث عن تطوير موسيقاهم ودمجها مع الرابر والاستفادة من ثقافتهم الموسيقية، إما بالتعاون معهم مثل السادات وويجز في “خربان“، أو حتى التجربة المنفردة مثل مهرجان “دراكولا” للسادات، وعلاء فيفتي مع الموزع مولوتوف في مهرجان “بلعب أساسي“، مما أثّر على شكل وقوام المهرجان.

في تلك المرحلة خرج حمو بيكا ليعيد المهرجان إلى أصله الأول الذي أحبه الناس، دون أي محاولة لمواكبة ما يحدث من تطور، وكأنه يقدم مهرجانات ما قبل 2010، لكن بتقنيات وطرق تسجيل جيدة.

فعمد إلى صناعة المهرجان لشخص بعينه، وذكر اسمه في المهرجان، كما كان طابع المهرجان في أول عهده، عندما بدأ يحل محل “نبطشي” الأفراح الشعبية من قبيل “عمار الشبح ده أحلى عريس.. بني سويف أرض الأساطير” أو “عشان مشرف أرض الجيزة.. علم الطوابق إسلام سنوفة” أو “الاعتراف بالحق فضيلة.. دولة ادكو ويا الدخيلة.. العريس محمد الدمياطي.. ادكو طول عمرها عنتيله”.

كل ذلك إلى جانب الاعتماد على القالب الإسكندراني للمهرجانات القائم على إيقاع واحد طوال المهرجان، وإفراد مساحات غنائية لأصوات تحمل الطابع والحس الشعبي في الغناء، سواء عبر التطريب تارة، أو الغناء من طبقات عالية تارة أخرى عن طريق الرفقاء القدامى: علي قدورة ونور التوت ومودي أمين، وغيرهم في المراحل القادمة: عمر كمال وحسن شاكوش.

بيكا على القمة

حمو بيكا
حمو بيكا

نهاية عام 2018، وهو العام الـ 14 في عمر المهرجانات، ومع مهرجان “رب الكون ميزنا بميزة” و”حب عمري”، يتصدر حمو بيكا عالم المهرجانات: أرقام المشاهدات تتخطى الـ 100 مليون، الانتشار في الشارع بشكل واضح وملموس، من فيديوهات إلى مهرجانات إلى كوميكس على مواقع التواصل الاجتماعي، يستخدم المعلق أحمد الطيب جملة رب الكون ميزنا بميزة في مباراة للمنتخب، يصبح بيكا الاسم الأول في عالم المهرجان، متخطياً كل نجوم ومؤسسي المهرجانات.

بعد الانطلاقة الكاسحة في 2018، استمر حمو بيكا في التربع على عرش المهرجانات في 2019، العام الأكثر ازدحاماً وصعوبة بعد سيطرة الراب على المشهد الموسيقي في مصر، وانطلاق أغلب نجومه نحو القمة.

إلا أن حمو لم يتأثر، وقدم مهرجانات استطاعت حصد أرقام مشاهدات تتخطى الـ 200 مليون للمهرجان الواحد، وأهم تلك المهرجانات كانوا “حبيتك وجرحتيني” و”هاتلي فودكا وجيفاز” و”داع يادنيا وداع”.

نظرة سريعة على تلك المهرجانات، نجد ظهور فرد جديد مع فرقة حمو بيكا، وهو حسن شاكوش، وصوته الشعبي، وغنائه من طبقات عالية مزعجة للبعض، لكنه كان إضافة مهمة لخلطة حمو بيكا.

حمو بيكا وحسن شاكوش مع مؤدي الراب ابيوسف
حمو بيكا وحسن شاكوش مع مؤدي الراب ابيوسف

تلك الخلطة القائمة بالأساس على عودة المهرجان إلى أصله مع بعض الإضافات التي تناسب الجمهور الجديد، وهي الجمع بين الشعبي والمهرجانات والبوب، مهرجان قائم على ألحان أغاني بوب مشهورة، أصوات تحمل حس شعبي واضح وصريح، وأصوات تحمل حس البوب والغناء بهدوء، بجانب توزيع بشكل المهرجانات القديم مع فيجو الدخلاوي، وأداء يحمل الكثير من القوة والحماسة مع القدرة على تغيير طريقة أدائه بسلاسة، وكأنها صرخة إنه أخيرا وجد نفسه يفعل شيئاً تمناه كثيراً: أن يكون له صوت مسموع، ويصبح محط اهتمام وأنظار الناس، تلك وظيفة “النبطشي” أكثر من وظيفة فنان يحاول تقديم فن جديد مازال قيد التجربة والاختبار. كبح جموح الفظاظة

حمو بيكا
حمو بيكا

النقطة الأكثر بروزاً هنا هي ذكاء كتاب مهرجانات بيكا الأخيرة، وتحديداً “الشاعر الفاجر”، في تقديم المهرجان العاطفي القائم على الغزل الشعبي: “أنتي لون عودك فى خدودك.. روحى فى غيابك ووجودك.. أنا إللى صوتى بيكمل مودك.. معقول أحبك مليون مرة.. عسل وسكر وعيون خضرة.. أدمنت حبك أصبح بودرة”، مع التخلي عن الغزل الصريح أو التلميحات الجنسية والتي كان بيكا يعتمد عليها في البداية وجعلته محصوراً في دائرة المراهقين الذكور.

مهرجانات بيكا الأخيرة جاءت حافلة بكلمات جذابة ومثيرة للجدل أيضاً، ولا تحمل موضوع واحد، بل تتحرك بين كل الموضوعات الشعبية: غدر الصحاب، الزمن، الحب، الخيانة، الغزل الصريح، المخدرات، وهزيمة الخصوم، وقد بالغ بيكا في الاعتماد على هذه التيمة: قهر الخصوم وإظهار قوته وقدرته على إلحاق الضرر بأي منافس.

تلك المساحة من التعبير عن الغضب المطمور بداخله والإحساس بالظلم طوال فترة الطفولة والمراهقة، تخرج إلينا على شكل مهرجانات وهو أفضل بكثير من خروجها على شكل غضب حقيقي، خصوصاً أن الولع بتلك التيمة يعكس تصوراً سائداً لدى طائفة كاملة من الطبقات الشعبية ترى في هزيمة الخصوم نشوة لا مثيل لها، كما أن أغلب جمهور مؤدي مهرجانات الذين يطلبونهم للغناء في زفافهم يهتمون بتلك التيمة بشكل كبير.

توقف حمو بيكا عن الحديث عن الأمور التي تستفز الرأي العام من أجل “أكل العيش”، مثل “لوم الفتاة التي تتعرض لتحرش الأقارب”، ومثلما صرح قديماً في أحد اللقاءات إنه لا يمكن أن يتزوج من راقصة، لأنه يرى الرقص عمل غير شريف. فقد نشأ بيكا على ثقافة تلوم الضحية وتدين المرأة التي تستعرض جسدها أمام الرجال.

لم يتعلم حمو بيكا القراءة والكتابة، حتى بعدما أصبح نجماً، ولم يحاول تطوير نفسه وموسيقاه طوال تلك الفترة، فهو غير مكترث إلا بـ”أكل العيش”، خصوصاً ان عمله يفتح بيوت كثيرين ممن يعملون في فريقه كما يبرر دائماً، يتعامل بيكا مع الغناء كصاحب تجارة رابحة لا كفنان، وهو لم يتحدث من قبل عن نفسه كفنان أو مهتم بفكرة الفن، صريح مع نفسه وجمهوره، يعلم أن صوته سيء وإنه مؤدٍ يأكل عيش، ويمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة تحبه، جانيا الكثير من المال بسبب ما يقدمه.

يبحث حمو بيكا دائماً عن طرق تحفظ له استمرارية النجاح والمال، حاول مرة التواصل مع محمد رمضان، وغنى مهرجان يمدحه في محاولة للتقرب منه، غنى لأمراء وأميرات من الخليج مثل الشيخة “أم زايد” في الإمارات أو “سلطان الشن” في السعودية، يصنع منتجاً يحبه الناس ويدفعون من أجله أموالاً، حتى عندما يُسئل عن سبب نجاحه، يكون الرد “دي حاجة من عند ربنا”، أي هو نفسه لا يعرف لماذا يحصد كل هذا النجاح.

شريف حسن

كاتب متخصص في الموسيقى الشرقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى