وجهات نظر

عصا غليظة ترتفع في إثيوبيا.. رجل “نوبل للسلام” يحارب قومه ليطيعوه

د. حمدي عبد الرحمن

 

من عجائب الأمور أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2019 لقيامه بإصلاحات سياسية كاسحة وإبرام اتفاق سلام تاريخي مع إريتريا، يفشل في تحقيق السلام في عقر داره.

لقد أعلن الحرب فعلاً وبنحو مباشر على إقليم التيجراي المتمرد على سلطته، ومع انشغال العالم بنتائج الانتخابات الأمريكية وتطورات الموجة الثانية من جائحة كوفيد-19 تكاد إثيوبيا، التي يصورها الغرب على أنها نجم إفريقيا الصاعد، تنزلق ببطء إلى حرب أهلية يمكن أن تتجاوز عواقبها الإنسانية والأمنية، تلك التي سببتها الصراعات الأهلية العنيفة في دول الجوار، خاصة الصومال وجنوب السودان .

ما الذي حدث خطأ؟

لقد أضحت الأمة الأثيوبية كالهرّة تأكل أبناءها، حيث تندلع بين الحين والآخر صراعات بين الأعراق والقوميات المختلفة، وهو ما يخلف دمارًا شديدًا وهلاكًا للحرث والنسل.

وتتركز الأزمة الراهنة في منطقة التيجراي في الشمال الإثيوبي على طول الحدود الإريترية، حيث تخضع هذه الولاية التي تمثل أحد الأقاليم الفيدرالية العشرة لحكم الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، وهي الحزب الذي هيمن على مقاليد الأمور في إثيوبيا على مدى 27 عامًا، وحتى تولي آبي أحمد السلطة عام 2018.

عمل رئيس الوزراء الشاب، الذي صورته الجماهير الحالمة بالتغيير على أنه نبي مرسل لإنقاذ الأمة، على تعزيز قبضته على السلطة من خلال عزل الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، بيد أن الجبهة احتفظت بجناحيها السياسي والعسكري وظلت تسيطر على منطقة التيجراي.

لم يكن مستغربًا أن تزداد العلاقات المتوترة بين آبي أحمد والجبهة الشعبية لتحرير التيجراي سوءًا عام 2019 بسبب إنشاء حزب الازدهار الجديد تحت زعامة آبي أحمد.

وفي سبتمبر/ أيلول الماضي تصاعدت حدة النزاع بين الطرفين في معركة لنزع الشرعية عن كل منهما، فقد اتهمت الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي آبي أحمد بالاستيلاء على السلطة بعد انتهاء مدة ولايته القانونية، كما أجرت انتخابات إقليمية في تحد للتعليمات الفيدرالية بتأجيل التصويت إلى أجل غير مسمى بسبب جائحة كوفيد-19.

وقد تدهورت العلاقات منذ ذلك الحين، إذ فرضت حكومة آبي أحمد عقوبات مالية على إقليم التيجراي، قبل الإعلان عن تعبئة القوات في المنطقة والتهديد بالحرب، وبالفعل تحولت حرب الكلمات بين الطرفين إلى حرب حقيقية.

الحرب الزاحفة

يبدو أن آبي أحمد ينتهج أحد التكتيكات العسكرية غير الشائعة، وهي المعروفة باسم “الحرب الزاحفة”، التي تعتمد على الانتقال من حالة التأهب إلى العمليات المتحركة تدريجيًّا بهدف إنهاك الخصم وإضعاف قدرته على المقاومة، معلنًا في فجر الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي أن قوات الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي هاجمت مواقع عسكرية فيدرالية في عاصمة منطقة تيجراي وبلدة أخرى، وهو ما اعتبره “تجاوزًا لآخر خط أحمر”.

وعلى الرغم من شح المعلومات نظرًا إلى عزل إقليم التيجراي وقطع كل سبل الاتصال بالعالم الخارجي وإعلان حالة الطوارئ لمدة 6 أشهر، فإن ثمة دلائل قوية تشير إلى استمرار القتال العنيف بنيران المدفعية، بما في ذلك المناطق القريبة من المدن، ولا شك في أن هذا تصعيد خطير، لأن الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي تمتلك قوة عسكرية جيدة التدريب والتجهيز، وتوجد مزاعم تفيد بحدوث انشقاق داخل صفوف القيادة الشمالية الإثيوبية  المتمركزة في التيجراي، وهو الأمر الذي تنفيه حكومة آبي أحمد.

العواقب والمآلات

نظرًا إلى الطبيعة العرقية المنقسمة للأمة الإثيوبية، التي تتألف من نحو 90 جماعة إثنية وعرقية، فإن تبعات عسكرة النزاع في التيجراي سوف تكون خطيرة وبعيدة المدى، ولن يقتصر الأمر على منطقة التيجراي، بل يمكن أن يمتد الصراع العنيف ليشمل أقاليم أخرى مثل الأمهرا والعفر والإقليم الصومالي.

ففي الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 قتل مسلحون أكثر من 50 شخصًا من جماعة أمهرا العرقية في غرب إثيوبيا، كما يأتي تصاعد العنف في إطار تمرد مسلح مستمر في منطقة أوروميا التي ينتمي إليها رئيس الوزراء نفسه. وقد وقع الهجوم بعد أن انسحبت قوات الحكومة الاتحادية التي كانت توفر الأمن للمنطقة، وذلك من أجل إعادة انتشارها في إقليم التيجراي المشتعل.

وطبقا لمقولات نظرية الدومنيو، فقد تواجه إثيوبيا اضطرابات في عدة مناطق أخرى، حيث تضغط جماعات عرقية من أجل حصولها على الحكم الذاتي. وبينما ينشغل آبي أحمد بفرض سلطته، قد يؤدي صراع التيجراي أيضًا إلى نشوب صراع إقليمي، خاصة بين منطقتي التيجراي والأمهرا.

وإذا ما طبقنا مبدأ الشمع، وهو ما يبدو ظاهرًا على السطح، والذهب، ما هو تحت السطح، السائد في الثقافة الإثيوبية، فإن الشمع، المتمثل في صورة إثيوبيا الناهضة ورئيس الوزراء الشاب، يُخفي خلفه صورة بالغة القتامة، وهو ما ينذر بأن تكون العواقب الإنسانية لمثل هذا الصراع والانقسام داخل صفوف الإثيوبيين جسيمة، وبالفعل يوجد في إثيوبيا ما يقرب من مليوني نازح داخلي، كما تهدد أنواء الطبيعة، خاصة جائحة كوفيد-19، وأسراب الجراد المتكررة، سبل عيش نسبة كبيرة من سكان البلاد، البالغ عددهم نحو 110 ملايين نسمة، قد تؤدي محاصرة أبناء التيجراي وتجويعهم إلى اتساع دائرة العنف والمجاعة والنزوح الإنساني.

لن يقتصر أثر الحرب الأهلية الإثيوبية على الداخل، بل قد يمتد خارج الحدود، ويمكن أن يؤدي العداء طويل الأمد بين قيادة الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي وإريتريا إلى نزاع حدودي، نظرًا إلى تحالف الرئيس الإريتري أسياس أفورقي مع حكومة آبي أحمد في مواجهة حكومة التيجراي الإقليمية.

عسكرة القرن وحوض النيل

لعل الأسوأ في تبعات الصراع المسلح داخل التيجراي يتمثل في تهديد استقرار الإقليم الأوسع الذي يشمل منطقة حوض النيل، فالمفاوضات العبثية بشأن سد النهضة قد استؤنفت مرة أخرى، على أمل التوصل إلى اختراق مهم بعد نحو 10 سنوات عجاف.

لقد ألهب السد المشاعر القومية في إثيوبيا نتيجة الحملات الحكومية الممنهجة التي صورته على أنه “رمز الخلاص الوطني”، وقد تتخذ حكومة آبي أحمد موقفًا أكثر تشددًا بشأن هذه القضية للهروب من تحديات الداخل المنقسم، ما يزيد خطر نشوب صراع عنيف مع مصر التي تعتبر قضية مياه النيل مسألة وجودية لا يمكن التفريط فيها.

وقد يمتد عدم الاستقرار الإثيوبي ليشمل شرق إفريقيا، خاصة السودان الذي يمر بعملية مخاض عسير في تحوله الديمقراطي، كما سيتأثر الصومال بلا شك، خاصة إذا انسحبت القوات الإثيوبية المنخرطة حاليًّا في القتال ضد حركة الشباب المجاهدين. ليس هذا فحسب، بل يمكن للحركات الجهادية العنيفة في شرق إفريقيا الاستفادة من وضع هشاشة الدولة الإثيوبية لتوسيع انتشارها في الداخل الإثيوبي، خاصة من خلال اكتساب عقول وقلوب الشباب الإثيوبي من أصول صومالية.

وختامًا، هل يعيد آبي أحمد الاعتبار للأساطير المؤسسة لمفهوم الأمة الإثيوبية، من أجل الهروب من تحديات الانقسامات والصراعات العرقية التي تواجهها الدولة من جراء مزاعمه الإصلاحية؟ عندما كانت إثيوبيا في أثناء العصور الوسطى تعاني من الصراع والتفكك، ظهر كتاب مجد الملوك (كبرى نغست) لبناء القصة التوراتية وإضفاء طابع القداسة على أباطرة الأسرة السليمانية، الذين ينتسبون إلى نبي الله سليمان وبلقيس  ملكة سبأ. وعلى مر السنين، تطورت هذه الأساطير المنسوبة للنص القديم لتتحول إلى أساس لمفهوم “الإثيوبيانية”، وهو الذي ارتبط بعد ذلك بحركة الجامعة الإفريقية.

عندما جاء ميليس زيناوي إلى السلطة ابتداء من عام 1991 كان عليه أن يقدم قصة أخرى مؤلمة لمعاناة التيجراي في ظل سيطرة الأمهرا، وهو ما دفعه لتبني مفهوم الفيدرالية العرقية، وها هو آبي أحمد يحاول اليوم أن يحكي قصته الذاتية التي تحاكي قصة إثيوبيا، فأبوه من الأورومو وأمه من الأمهرا، كما أنه نشأ وترعرع في ظل تقاليد إسلامية ومسيحية، وعليه فقد حاول أن يؤسس لمفهوم جامع جديد لأمة إثيوبية تحت زعامته، ولكنه نسي أنه يفتقد الدماء الملكية المقدسة التي تجمع الناس حوله، وكانت النتيجة هي العودة إلى نفس آليات الحكومات المركزية القديمة منذ عام 1991 والاعتماد على سياسة العصا الغليظة.. هذه هي آفة الحكم في مجتمع منقسم يقاتل فيه الساسة من أجل مجد شخصي.

 

 

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى