سياسة

علاقات “مصر-تركيا”.. بين “الباب الموارب” و”كسب الوقت”

بعد 8 سنوات من القطيعة في العلاقات المصرية-التركية، يبدو أن هناك تحركًا جديدًا في المياه الراكدة بعد تصريحات خرجت من مصادر رسمية من الجانبين تشير إلى أن هناك من العوامل التي شهدناها في السنوات الأخيرة كانت سببًا في الاتجاه نحو إعادة العلاقات على الرغم من تعارض المصالح في عديد من القضايا التي ما زالت عالقة وجوهرية.

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان خرج بتصريحات يوم الجمعة الماضي قائلًا إن “التعاون بين بلاده ومصر في مجالات الاستخبارات والدبلوماسية والاقتصاد مستمر ولا توجد مشكلة في هذا”، مشددًا في تصريحات نقلتها وكالة أنباء “الأناضول” التركية الرسمية، أن “الصداقة بين الشعبين المصري والتركي، أكبر من العلاقات بين الشعبين المصري واليوناني”.

وكأن أردوغان فتح الباب للحديث عن إحياء العلاقات مع مصر، ففي اليوم ذاته تحدث وزير خارجيته مولود جاوويش أوغلو، عن بدء أنقرة اتصالات قائلًا: “لدينا اتصالات مع مصر على مستوى الاستخبارات أو وزارة الخارجية”، مشيرًا إلى أن استئناف العلاقات سيتم بخطوات صغيرة وفق استراتيجية معينة.

أبرز نقاط الخلاف بين مصر وتركيا

دعم تركيا لجماعة “الإخوان المسلمين”

احتضان التركيا لعناصر إخوانية على أراضيها

التدخل التركي في ليبيا

التحركات التركية في منطقة شرق المتوسط

أما الجانب المصري فكان له رد فعل على المستوى الرسمي عن طريق وكالة أنباء الشرق الأوسط التي نقلت عن مصدر رسمي قوله إن الاتصالات الدبلوماسية بين القاهرة وأنقرة “لم تستأنف وأن الارتقاء بمستوى العلاقة بين البلدين يتطلب مراعاة الأطر القانونية والدبلوماسية”، مضيفًا أن مصر تتوقع من أي دولة تتطلع إلى إقامة علاقات طبيعية معها أن تلتزم بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وأن تكف عن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. 

باب موارب

التعليق المصري أشار إلى الاستراتيجية التي تعاملت معها مصر في هذا الملف، حيث تركت الباب موارب للحوار مع الأتراك، عندما طرحت مناقصات للتنقيب عن مكامن الطاقة في بعض المناطق الساحلية بالبحر المتوسط وعندها راعت الحدود البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا في نوفمبر 2019، وذلك ما رآه الدكتور كرم سعيد الخبير في الشأن التركي الذي قال إن الأتراك فهموا أنها رسالة إيجابية قادرين على استخدامها كمدخل يتم البناء عليه في مسألة كسر حدة التوتر بدون إظهار أنهم اتخذوا خطوة إلى الخلف أو أنهم يظهروا في موقف المهزوم.

كرم سعيد

أزمات تركية

في الفترة الأخيرة ظهرت عدة أزمات على المستوى الإقليمي والدولي لدى تركيا مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي شهدت صعود الرئيس بايدن إلى الحكم خلفًا لدونالد ترامب، بالإضافة إلى التوتر مع الاتحاد الأوروبي، ويقول سعيد لـ”ذات مصر”، إن تلك الأزمات تسببت في تراجع إقليمي ودولي دفعت تركيا للسعي إلى محاولة استيعاب الضغوط عن طريق تهدئة وترطيب العلاقة مع القوى الإقليمية أو على الأقل مع المحيط العربي، مشيرًا إلى أن هذا ظهر مع مصر والسعودية والإمارات وغيرهم من دول الخليج.

قمة العلا ومنتدى الصداقة

وبحسب الخبير، فإن من بين الأسباب التي حركت المياه الراكدة في العلاقات المعطيات الجديدة على الساحة الإقليمية مثل قمة «العلا» وما ترتب عليها من حلحلة الخلافات العربية-العربية التي كانت نجحت أنقرة في توظيفها لتعزيز نفوذها في المنطقة، مضيفًا: «بعد هذه الفترة بدأنا نلاحظ تقارب مصري-قطري وقطري-سعودي في هذا السياق، وبالإضافة إلى فتور التحالفات الإقليمية التركية، هناك توتر تركي إيراني ظهر على خلفية اتهام السفير الإيراني لتركيا عشية العملية العسكرية نسر 2 في شمال العراق، وما ترتب عليه من استدعاء سفراء»، مشيرًا إلى التحالفات الإقليمية التي باتت أكثر متانة ومضادة للتحالفات التركية، وأبرزها منتدى الصداقة في اليونان الذي جمع مصر وقبرص واليونان وبعض الدول الخليجية.

فشل السياسات العدائية

على مدار الـ8 سنوات كانت هناك سياسات عدائية تميز بها الجانب التركي وظهرت على لسان مسؤوليه تجاه الجانب المصري والتي يبدو أن الجانب التركي أدرك أنها لن تُجدي نفعًا، حيث يقول سعيد إن تلك السياسات العدائية لم تسفر عن اختراق أو محاصرة للنظام المصري، مستطردًا: “بالطبع، هي سياسة غير مجدية”.

اتفق المحلل السياسي التركي، محمد عبيد الله، مع سعيد بشأن الموقف الحرج الذي أصبح فيه الرئيس التركي والذي دفعه بالتبعية إلى اتخاذ ذلك الموقف، ولكنه يقول إن الدافع الأكبر لأردوغان من الرغبة في الاقتراب من مصر وإعادة العلاقات هو دافع اقتصادي بعد الدور الذي لعبته مصر من خلال الاتفاق مع اليونان وقبرص وإسرائيل الأمر الذي وضعه في موقف حرج وزاوية ضيقة بسبب خسارة رهانه على الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، وأنه عندما شعر أنه خارج اللعبة بدأ يبحث عن طرق بديلة وإعادة ترتيب الأوراق في هذه المنطقة.

أردوغان

يرى عبيد الله، أن الرئيس التركي حاول استغلال التقارب المصري-التركي في الثقافة والدين، مشيرًا إلى أنه بعد التطورات الأخيرة التي تمثلت في وصول جو بايدن للرئاسة الأمريكية وتدهور شعبيته في الداخل التركي واعتقاده أنه لن يفوز الانتخابات المقبلة إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية في تركيا على هذا المنوال فيسعى الآن إلى الاتفاق مع دولة كبيرة لها نفوذ في الشرق الأوسط لكي يكسب دولة إلى صفه ويستمر نظامه في الحكم، ولكن هناك عوائق كثيرة تمنع تطور أو إعادة العلاقات المحتملة بين الطرفين، أبرزها النهج الأيديلوجي الإسلامي واتخاذه منذ الربيع العربي نهج دعم الإسلام السياسي الذي يتمثل في جماعة “الإخوان المسلمين”.

وأكد عبيد الله في اتصال هاتفي لـ”ذات مصر”، أنه “إذا لم يتخذ أردوغان قرارَا حاسمًا في ملف الإخوان، لا أعتقد أن العلاقات ستعود بكاملها، وأنها ستقتصر على العلاقات الاقتصادية فقط”، مشيرًا إلى أنه ليس من المستبعد أن يتخلى أردوغان عن الإخوان من أجل مصالحه الشخصية والحزبية ولكن حال ضمانه الحصول على مصحلة كبرى، مستطردًا: “لكنه لن يضحي بالإخوان في مقابل مكاسب جزئية، فإذا جاءت المكاسب الكبيرة سوف يتخلى عنهم بكل سهولة، ولكنها الورقة الأخيرة التي سيلعب بها لأن هناك الكثير من أوراق اللعب في ملف عودة العلاقات مع مصر”.

نظرية “كسب مزيد من الوقت”

هناك نظرية تختلف عن نظرية النية الحقيقية لأردوغان في التصالح وإعادة العلاقات مع مصر، وهي نظرية “كسب المزيد من الوقت”، والتي يقول عبيد الله إن أسبابها كسب الشعبية حتى الانتخابات المقبلة، حيث يريد أن يترك انطباعًا أن تركيا بدأت تتغير وتعيد علاقاتها وتقيم سلام في المنطقة حتى يكسب أصوات الديمقراطيين والمحافظين والإسلاميين، مشيرًا إلى أن الإسلاميين جزء صغير جدًا بين أنصار أردوغان، مضيفًا: ” إذا استمر نهج أردوغان في الداخل التركي على إبعاد العناصر الديمقراطيين والليبرليين، سيبقى حزب أردوغان حزبًا إسلاميًا صغيرًا وسيضمحل من الوجود مثل حزب (الرفاه) الذي كان يحصل على 30% عندما كان يحكم، ولكن عندما سقط كانت نسبة دعمه 3%”.

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى