"شيئًا مذكورًا"

بيت حافظ إبراهيم في مواجهة سد النهضة

هنا بلدة الروصيرص أقصى جنوب شرق السودان على حدود إقليم “بني شنقول – قُمز” الأثيوبي حيثُ يُبنى الآن سد النهضة المُثيرَ للجدل. وعلى بُعد حوالي (100 كليومتر) من (النهضة) هذا هو الملازم أول بالجيشِ المصري، وشاعر النيل “حافظ إبراهيم” يصعد بخُطىً وئيدة  التلة المُطلة على النيل الأزرق ويدخل تلك الفيلا الصغيرة الأنيقة المُشرفة الآن على سد الروصيرص، ويضع أمتعته بعنايةِ، ليأخذ قِسطاً وافراً من الراحة حتّى يتمكّن من ابتدار عمله صباح اليوم التالي بعد رحلة شاقّة ومُرهِقة.

 حدث ذلك كله في عام 1896، حينها لم يكن سدّا الروصيرص الذي أُبْتُدِرَ بناؤه 1952 واكتمل 1966، ولا النهضة الراهن، شيئان مذكوران.

سد الروصيرص

هنا كان فقط السُكّان المحليين البسطاء، وكانت الحملة المصرية، وكانت بلدة  الروصيرص مُسترخية رخيِّة؛ يتدفق النيل الأزرق من تحتها، وكان شاعر النيل القادم جُنْديِّاً ضمن الحملة المصريِّة، يُشرف على هذه الطبيعة البِكر الساحرة مُطلاً عليها من فيلته القائمة على تلةِ أعلى النيل الأزرق عند مدخله عابراً إلى السودان من الحدود الأثيوبية، مُكوّنة من غرفتين وصالة ومطبخ وشُرفة نصف دائرية واسعة. ومن على تلك الشُرفة كان شاعرنا يخاطب نثيث المطر الذي لا يتوقف إلاّ ليستأنف الهطول مُجدّداً فيراه نُطفاً كالدررِ، ويظنه خمرة لم تُعتصر، فتأخذه قريحته الشِعرِّية إلى قوافٍ مُترعات بالموسيقى والإيقاعات، فيُنْشِد أبياته الخالدات:

“أيُّهَا الوَسميُّ زُرْ نبتَ الرُّبَا

واسق في الفَجْر رياضاً في النهر

حَيِّهِ وانثرْ على أكمامِه

منْ نطافِ الماءِ أشباهَ الدُّرَر

أَيُّها الزَّهْرُ أَفِقْ مِنْ سِنةٍ

واصطبح مِنْ خَمْرَة لَم تُعْتَصرْ”.

منفى أم فيلا؟

يُطلِقَ سُكان بلدة الروصيرص على الفيلا التي لا تزال ماثلة إلى اليوم “منفى حافظ إبراهيم”، غير أنّ حافظاً لم يُنف قط، كما يقول التاريخ، لكنّه حلّ بالفعل في هذا البيت المطلّ بشموخ على النيل الأزرق، موفداً لا منفيِّاً.

فيلا حافظ إبراهيم

والحال أنّ شاعر مصر الكبير، ذو أقدار غريبة؛ فإلى جانب لقبه المنسوب إلى النيل فرط لوعته به، فقد صدرت صرخة ميلاده ” من أب مصري وأم تركية”  على متن سفينة كانت راسيِّةً على شاطئ نيل قرية صغيرة بمحافظةِ أسيوط جنوب مصر، فقد ولِّد شاعر النيل في النيل. وعندما رحل والداه، وهو لم يَقُمْ على قدميه بعد، أخذه خاله إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث تربى بين ظهرانيه يتيماً وفقيراً، كما كان خالِهِ ضيِّق الرزق رقيق الحال فاضُطرَ إلى الرحيل معه إلى مدينة طنطا، شمالاً؛ هرباً من معيشة القاهرة الباهظة.

في طنطا دخل حافظ إبراهيم الكُتَّاب فازداد الأمر تعقيداً حيثُ للدراسة كُلفتها أيضاً. وعندما بدأت تظهر على خاله ملامح الضيقِ والتبرُّم، قرر  الرحيل عنه بليل، وترك له رسالة شعرية، أصبحت ذائعة الصيت فيما بعد، لكونها احتوت أبياتاً شكّلت بداية علاقته بالشعر:

ثقُلت عليك مؤونتي

إني أراها واهِيِّة

فافرح فإنّي ذاهبٌ

متوجهٌ في داهِيِّة“.

وقد انتهت به هذه الداهيِّة ضابطاً بالجيش المصري، آنذاك، ثُم ذهبت به إلى تلك الأصقاع النائية على الحدود السودانية الأثيوبية.

أقدار الشعراء كأقدارِ الجنود
حافظ إبراهيم

يقول الناقد  السوداني محمود نورين: إنّ حافظ إبراهيم رُبما لم يكن ليُقرر الانضمام للحملة  العسكرية المصرِّية التي دخلت السودان، لولا أن ثقُلت مؤونته على خاله، فبعد أن هام الصبيّ، وقتها، في طرقات مدينة (طنطا) لوقتٍ ليس بالقصير، رمت به الأقدار إلى مكتبِ المحامي محمد أبو شادي، أحد زعماء ثورة 1919، موظفاً صغيراً. وفي هذا المكتب أُتيحت له فرصة ثمينة للإطلاع على كُتب الأدب، فأُعجِبَ بالشاعر محمود سامي البارودي (رب السيف والقلم)، الذي كان يعمل بالحرس الخديوي برتُبة (بكباشي)، فقرر أن يحذو حذوه، فالتحق بالمدرسة الحربيِّة في عام 1888، وتخرج فيها 1891.

لكّن، والحديثُ لا يزال لـ(نورين)، لم تتركه الأقدار فترصدته مُجدداً فنُقِلَ في العام 1896 إلى السودان رفقة الحملة التي كان هدفها الرئيس؛ البحث عن الذهب وتجنيد أهالي إقليم بني شنقول (جنوب النيل الأزرق حالياً) على تخوم الحدود الأثيوبية.

يصف المهندس المعماري محمد إدريس، فيلا “شاعر النيل”، فيقول: بُنيت من الحجر والطوب الأحمر بزوايا تجعلها تشرف على النيل من ثلاث اتجاهات، ويضيف: هذا النمط المعماري لم يكن مألوفاً في بلادنا وقتها، حيثُ كان السودانيون يبنون منازلهم أكواخاً من القشّ أو مربعات من الطوب اللَبِن على أفضل تقدير، وفقاً وتكيّفاً مع الظروف المناخية السائدة، وضيق ذات اليد.

يمضي إدريس قائلاً : عندما جاء الأتراك والمصريون ابتدروا أنماطاً معمارية جديدة، ضمنها كانت فيلا الضابط حافظ إبراهيم التي بُنيت قبل أكثر من (100) عام، ما يؤهلها لتكون أثراً تاريخياً مصنفاً ضمن اليونسكو، خاصة وإنها تُمثّل الآن واحدة من المعالم الرئيسة لبلدة الروصيرص ، كما أصبحت قِبلةً للزوار من كل حدبٍ وصوب. يتابع إدريس: “أبواب غرف الفيلا ونوافذها صُممت بحيث تتيح دخول أشعة الشمس والهواء طوال أيام السنة، كما تضم باحة وحديقة ومزرعة  صالحة لإنتاج كل أنواع الخضراوات التي تحقق الاكتفاء الذاتي لعائلة صغيرة مكونة من 4 إلى 5 أفراد”.

الفيلا عن قُرب
ترميم الفيلا الأثرية

أقام حافظ في هذا البيت حقبة من الزمن مختلفاً عليها، لكنها بالتأكيد أكثر من عام.

ولأن شاعر النيل أشتهر بالتمرّد على الروتين اليومي وبقدرته الفائقة على تبديد الأموال، وله في ذلك قصصاً تُقص وحكاياتٌ تُحكى، لعل أشهرها التي رواها عباس محمود العقاد، عندما قال إنّ حافظ استأجر قطاراً كاملاً ليوصله بمفرده إلى حلوان حيث يسكن، بعد أن تأخر في مسامرات القاهرة وفجأة قرر أن يقضي ليلته هناك. لكن قراره جاء متأخراً إذ إنّ مواعيد سير القطار الرسمية كانت قد انتهت.

ولأن مدينة الروصيرص السودانية بعيدة ع القاهرة ، وليست كـ(حلوان)، لذا لم تطب له الحياة فيها، فأعلن الثورة عليها وتبعه الغاوون من بعض الضباط. فأحالتهم السلطات (التركيِّة) إلى الاستيداع ومن ثم التقاعد براتب ضئيل، فعاد شاعرنا  إلى وطنه سجيناً، ثم ما لبث أن فارق الحياة بعد سنوات عن 60 عاماً. لكن  فيلته في الروصيرص السودانية بقيت شامخةً أمام نوائب الدهر وعادياته لأكثر من قرن.

يقول المهندس محمد إدريس: الآن أعيد ترميم المبنى، ويمكن للسياح وطالبي المعرفة وعشاق الشعر، والمؤرخين والآثاريين أن يأتوا لزيارته، وأن يعقدوا ماشاؤوا من ندوات وأن يقدموا في باحته المحاضرات ويقرأون الشعر أو يسترخون على صوت خرير الماء وهسيس فقاعاته.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبد الجليل سُليمان

صحفي سوداني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search