على هامش حرب "كاراباخ"

الروس والأتراك.. اتفاق التحاور والتناحر

اندلعت يوم الأحد الماضي 27 سبتمبر/أيلول 2020 اشتباكات عنيفة بين أرمينيا وأذربيجان بسبب إقليم ناجورنو كارباخ، وسط أنباء عن استخدام القوات الجوية والصواريخ والمدفعية الثقيلة في القتال الذي أدى لسقوط عشرات القتلى. وبموجب القانون الدولي، يعد إقليم ناجورنو كارباخ جزءًا من أذربيجان، لكن الأرمن، الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكانه، يرفضون حكم باكو، الأمر الذي أثار مشكلات سياسية ودبلوماسية ضخمة بين البلدين حتى الآن.

خريطة إقليم ناجورنو كاراباخ - المصدر سكاي نيوز

“ناجورنو” كلمة ذات أصل روسي ومعناها مرتفعات جبلية أو هضبية، أما “كارباخ” فهي كلمة ذات أصل تركي تعني “الحديقة السوداء”، والسواد هنا إشارة إلى الاخضرار الداكن للحديقة، أي أن اسم الإقليم يعني “مرتفعات الحديقة السوداء”، والإقليم جيب أرضي صغير لا تزيد مساحته على 4400 كم2، ولا يتجاوز عدد سكانه 141 ألف نسمة، غالبيتهم من الأرمن، مسيحيي الديانة.

بداية الانفجار الكبير

خُصِّص هذا الجيب لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية، رغم وجود عدد كبير من السكان الأرمن.

لم تكن هذه مشكلة كبيرة ما دامت كل من أرمينيا وأذربيجان جزءًا من الإمبراطورية السوفييتية.

عاش العديد من الأرمن في الجمهورية المجاورة لهم والعكس بالعكس، وكانت الاختلافات الدينية بين أرمينيا الأرثوذكسية ذات الغالبية المسيحية، وأذربيجان ذات الغالبية السُّنية، أقل أهمية في دولة مُلحدة رسميًّا.

القتال بين القوات الأرمينية والأذربيجانية

ولكن مع انهيار الاتحاد السوفييتي نشبت اشتباكات بين الحين والآخر بين الجمهوريتين السوفييتيتين السابقتين، كان صراعًا كبيرًا يليق بمخلفات انهيار الاتحاد السوفييتي، ونشبت الحرب بين الجارتين من 1992 إلى 1994، ولا تزال آثارها في كلا البلدين حتى الآن، بعد مقتل ما لا يقل عن 20 ألف شخص وتشريد مليون، هربوا من عمليات التطهير العرقي الذي مارسه كلا الطرفين، فنحو 70% من الأذرييين فرّوا من الأراضي التي يسيطر عليها الأرمن، كما فر الباقون من الأرمن من الأراضي التي تسيطر عليها أذربيجان. ورغم الاتفاق على وقف إطلاق النار في 1994، بعد مقتل الآلاف ونزوح أعداد أكبر، فإن الدولتين تتبادلان بنحو متكرر الاتهامات بشن هجمات حول الإقليم وعلى الحدود بينهما.

والقتال الدائر بين الجانبين حاليًّا –والذي يُعتبر الأشرس منذ سنوات- جدَّد المخاوف بشأن الاستقرار في منطقة جنوب القوقاز، وهي ممر لخطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز من بحر قزوين إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك خط أنابيب النفط الذي تديره شركة بريتيش بتروليومBP ، والذي يبعد بأقل من 50 كيلومترًا من منطقة الصراع، وينقل ما يقرب من 1.2 مليون برميل يوميًّا من باكو (أذربيجان) إلى جيهان (تركيا)، ورغم أنه لم يُستَهدف في النزاعات السابقة، فإن خط الأنابيب عُرضة لأي تحول في القتال بين القوات الأرمينية والأذريَّة.

تشير مجريات الحرب الحالية، إلى أن الجانبين -أذربيجان وأرمينيا- يستعدان لنزاع طويل بدلاً من المناوشات الحدودية التي انخرطوا فيها على مر السنين. وهذا ما دفع “أوليسيا فارتانيان” Olesya Vartanyan، كبير محللي شؤون القوقاز في مجموعة الأزمات الدولية، إلى القول: “كل الدلائل تشير إلى ذلك، وكان كل شيء يشير إلى أن التصعيد قادم، وكان هناك صمت دبلوماسي، فهذا هو الوقت المثالي لبدء الحرب“.

فارتانيان أوليسيا
أطراف على حافة الصراع

هذا الصراع المحتدم بين الجانبين على الحدود الجنوبية المتقلبة لروسيا ينذر بالتصعيد إلى حرب شاملة، مع احتمال جذب تركيا، حليفة الناتو، فروسيا هي القوة المهيمنة في المنطقة لمدة 200 عام مضت، وهي وسيط قويّ رئيس في المنطقة تحافظ على علاقات اقتصادية وثيقة بكل من أرمينيا وأذربيجان، وقد تبنت موقفًا حذرًا تجاه الاضطرابات الأخيرة.

ولو نظرنا بشكل تفصيلي، فأرمينيا تدور في فلك روسيا كعضو في التكتلات العسكرية والاقتصادية الإقليمية التي تقودها موسكو، ويعد الدعم والضمانات العسكرية الروسية أمرًا بالغ الأهمية لأرمينيا، التي أرهقت حربها مع أذربيجان ميزانيتها الدفاعية، وبالإضافة إلى ذلك، تستضيف أرمينيا قاعدة عسكرية روسية بالقرب من ثاني أكبر مدنها.

على الجانب الآخر، فإن أذربيجان ليست كذلك بالنسبة إلى موسكو، وإن كانت موسكو قد زودت أذربيجان بأسلحة بمليارات الدولارات، بما في ذلك مركبات قتال مشاة وقاذفات صواريخ وذخيرة. إلا أن أذربيجان تنافس روسيا كمورِّد بديل للطاقة بالنسبة إلى الدول الأوروبية.

طبول الحرب دقت في إقليم ناجورنو كاراباخ

في الوقت ذاته، تحظى أذربيجان ذات الغالبية المسلمة والناطقة بالتركية، بدعم علني من حليفتها، تركيا، كما استضافت أذربيجان تدريبات عسكرية مشتركة واسعة النطاق مع القوات التركية الشهر الماضي، ولا يمكن فصل التحالف التركي/الأذري عن العداء الأرميني/التركي، الذي تتهم فيه أرمينيا تركيا بأنها “المتسببة في قتل أكثر من مليون إنسان في ما يعرف باسم مذابح الأرمن”، وهي التهمة التي تنكرها تركيا، بل وتضع أسبابها في عنق الأرمن أنفسهم.

ردود الفعل والتحركات

طبيعة هذه العلاقات المتداخلة للجانبين الروسي والتركي، قد انعكست على تصريحاتهما بشأن الأحداث الأخيرة:

فبالنسبة إلى تركيا: جاء الرد على لسان رئيسها رجب طيب أردوغان، الاثنين الماضي، قائلاً إن “تركيا تواصل الوقوف مع أذربيجان الصديقة والشقيقة بكل ما لديها من تسهيلات ودعم”، وحمّل أرمينيا مسؤولية القتال المتجدد، مضيفًا: “ينبغي على أرمينيا الانسحاب فورًا من أراضي أذربيجان التي تحتلها، والوقت قد حان لإنهاء الأزمة في إقليم ناجورنو كارباخ”، في الوقت الذي تؤكد وزارة الخارجية الأرمينية أن أذربيجان تتلقى “دعمًا عسكريًّا وسياسيًّا واسع النطاق من تركيا في شكل مستشارين وأسلحة، بما في ذلك طائرات من دون طيار”، وتقول الوزارة إن أهالي ناجورنو كاراباخ، المعروفة باسم أرتساخ باللغة الأرمينية، يقاتلون “تحالفًا تركيًّا أذريًّا””.

الجانب الروسي

حثت روسيا، أمس الأول الثلاثاء، تركيا على العمل لإنهاء الاشتباكات الدامية في منطقة ناجورنو كاراباخ.

وقال ديمتري بيسكوف Dmitri S. Peskov، المتحدث باسم الكرملين للصحفيين: “ندعو جميع الأطراف، خاصة الدول الشريكة مثل تركيا، لبذل كل ما في وسعها لوقف إطلاق النار والعودة إلى تسوية سلمية لهذا الصراع باستخدام الوسائل السياسية والدبلوماسية”.

وأضاف أن “أي تصريحات عن نوع من الدعم والنشاط العسكري تزيد بلا شك من تأجيج النيران، نحن ضد ذلك بنحو قاطع”.

وقال بيسكوف إن روسيا على اتصال دائم مع الدول الثلاث، كما أكد، الاثنين الماضي، أن روسيا تسعى لحل الأزمة: “نحن لا نتحدث الآن عن الخيارات العسكرية”.

ديمتري بيسكوف

هذه بلا شك مرحلة بالغة الخطورة في الصراع، فالدعم التركي المطلق لأذربيجان يمكن أن يجرها إلى المواجهة، والتقارير التي تفيد بتوظيف تركيا لمقاتلين من المتمردين السوريين للخدمة في أذربيجان، إذا تأكدت، ستعتبر أيضًا استفزازية للغاية لموسكو في ضوء قرب شمال القوقاز المضطرب، ما يستدعي رد فعل محتملاً.

ويمكن أن تمتد الأعمال العدائية أيضًا إلى ناخيتشيفان Nakhichevan، وهي جزء من أذربيجان تفصله مجموعة من الأراضي الأرمينية، والتي تخضع وضعها لضمانة تركية بموجب معاهدة تعود إلى الحقبة السوفييتية، على عكس المواجهة في ناجورنو كاراباخ، فإن الهجوم المباشر على أرمينيا يمكن أن يؤدي إلى التزامات دفاعية لروسيا بموجب منظمة معاهدة الأمن الجماعي، مع احتمال حدوث تداعيات خطيرة للغاية خارج المنطقة نفسها.

وهذا ما دفع ديمتري ترينين Dmitry Trenin، مدير مركز “كارنيجي” في موسكو، في مقابلة هاتفية إلى القول بأن: “التعدي على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق بالسلاح ليس شيئًا ستنظر إليه روسيا بلطف”.

تجنب حرب إقليمية

دعت كل من روسيا وفرنسا والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة لوقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان، كما اتصل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، بنظيره التركي، مولود جاويش أوغلو، الأحد، لحثه على العمل لإنهاء الحرب، في الوقت الذي تتصف فيه العلاقة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب أردوغان بأنها “متوترة غير مستقرة” بسبب تصادم مصالحهما في سوريا وليبيا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عيسى السيد شوقي

باحث متخصص في الجغرافيا السياسية

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram