زوايا

علي باشا الروبي.. قائد عُرابي الذي رفض الاعتذار للإنجليز

في مدينة سواكن السودانية الجميلة، القريبة من ميناء بورتسودان، يرقُد جثمان بطل مصري في قبره البسيط الهادئ لقرابة القرن ونصف القرن. ذلك البطل الذي صنع بطولات وأمجادًا لبلده، ورفض الاعتراف بشرعية الاحتلال، ولم يرض بأن يقدم التماسًا للإنجليز كى يحصل على عفو سياسي؛ يعود بمقتضاه إلى بلده مصر. عاش عامين في “مصوع” أقصى جنوب البحر الأحمر، ثم انتقل لسواكن.. وهناك في منفاه، أسس اللواءَ علي باشا الروبي – قائد قوات عرابي في التل الكبير – عائلة جديدة سودانية، غير عائلته الكبيرة في الفيوم.

المشهد الأخير للواءَ علي باشا الروبي، وهو في الخدمة بملابسه العسكرية بعد هزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير؛ كان أمام الخِدِيو توفيق. ذهب إليه في الإسكندرية هو ورؤف باشا، وبطرس باشا.. لتقديم عريضة بالتوسط لدى الإنجليز لعدم دخول القاهرة، والعفو عن عرابي وزملائه.

رفض الخِدِيو قبول العريضة، وأمر بإلقاء القبض على مُقدِّميها.. وفي وقت لاحق خرج بطرس باشا ورؤف باشا، بينما اقتُيد علي باشا الروبي إلى الحبس حتى جرت محاكمته ضمن قادة وضباط الثورة العرابية.

اقرأ أيضًا: شيخ العرب “حمد الباسل”.. نصير عمر المختار وسعد زغلول

الروبي من الكُتَّاب إلى العسكرية

وُلد علي الروبي في قرية دفنو بمركز إطسا محافظة الفيوم. وينتمي لأسرة مصرية عريقة اشتُهرت بالتدين وبكرامات أجداده، خاصة جَدَّه الشيخ محمد الروبي، صاحب الضريح الشهير في القرية نفسِها.

تعلَّم علي الروبي في كُتَّاب القرية، فأجاد القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم. ولمَّا بلغ الخامسة عشرة من عمره أرسله والده إلى الأزهر لطلب العلم، فكان من الطلاب الأذكياءَ. وبعد أن قضى بالأزهر تسع سنوات، التحق جنديًا بالجيش. ولم تمض إلا سنة واحدة على دخوله العسكرية حتى نال رتبة البكباشي في عهد الخِدِيو إسماعيل باشا. وهناك ملامح مشتركة بين الروبي وعرابي وباقي قادة الثورة. فجميعهم كانوا من أبناء العمد والمشايخ الذين دخلوا العسكرية خلال حكم الوالي سعيد باشا.

وكانت أول معركة حربية اشترك فيها الروبي هي الحملة على الحبشة التي اشترك فيها عرابي نفسه. وفي تلك المعركة، أبلى “الروبي” بلاءً حسنا ونال إعجاب رؤسائه؛ فتقرر ترقيته إلى رتبة “قائم مقام”. وفي تلك الحملة تعرَّف على أحمد عرابي، وصارت بينهما صداقة ممتدة. بعد ذلك تمت ترقيته إلى رتبة “أمير لاي” مكافأة له على نبوغه العسكري.

وتنقَّل علي باشا الروبي بعد عودته من الحبشة في المناصب الحربية، لكنه ترك الجهادية (الحربية) وجرى تعيينه كبيرًا لمعاوني وزارة الداخلية، ثم رئيسًا لمحكمة المنصورة، ثم رئيسًا لمحكمة مصر.

الخديوي إسماعيل
الخديوي إسماعيل

الروبي والثورة العرابية

مع زيادة التدخل الأجنبي في عصر إسماعيل وبداية الثورة العربية، عاد الروبي إلى صفوف الجيش وأسَّس جمعية سرية لضباط الجيش الوطنيين عام 1879م تهدف إلى: فتح باب الترقي أمام الضباط المصريين في الخدمة، والحدِّ من نفوذ الضباط الشراكسة وسيطرتهم على الجيش المصري، والعمل على إسقاط الوزارة المختلطة (الأوروبية).

والملفت أن الخِدِيو إسماعيل علِم بأمر تلك الجمعية وشجَّعها في السر، لكن القدر لم يمهله حيث جرى خلعه في العام نفسه، وعُيِّن ابنُه توفيق بدلاً منه.

ونظرًا لتوطد العلاقة بين علي الروبي وأحمد عرابي منذ أيام حرب الحبشة والاتجاه الوطني المشترك بينهما؛ فقد انضم عرابي إلى تلك الجمعية التي أسسها علي الروبي. وخلال مراحل الثورة جرى دفع علي الروبي في المناصب الحساسة المؤثرة في مسيرة الثورة، وأصبح من أشد المتحمسين لها ومن أخلص رجالها.

اقرأ أيضًا: محمد ياسين.. ملك الزجاج الذي شرَخه عبد الناصر

نال “الروبي” رتبة اللواءَ ولقب الباشاوية في عهد وزارة محمود سامي البارودى. ولعب دورًا مهمًّا في أول وزارة لشئون السودان، بعد اتساع رقعة ثورة المهدي هناك واتجاهها للعنف.

وبعد أن وصلت وزارة البارودي للحكم، حاولت إعادة النظام إلى السودان؛ فأصدر الخِدِيو توفيق أمرين عاليين في 21 فبراير 1882م أحدهما يقضي بجعل عموم السودان حكمدارية واحدة، وإنشاء وزارة السودان.. واختُير علي باشا الروبي وكيلاً لتلك الوزارة، فكان أول وكيل لوزارة السودان  في  تاريخ مصر الحديث.

وعندما تآمر الضباط الشراكسة على الثورة العرابية، شكَّل عرابي – ناظر الحربية – مجلسًا عسكريًا مُكوَّنًا من خمسة عشر عضوًا كان من بينهم “على الروبي”؛ لمحاكمتهم. ومع تطور أحداث الثورة وانحياز توفيق إلى جانب الإنجليز، وإعلانه عصيان عرابي والثوار؛ أسس مجلسًا عرفيا للتشاور في أمور البلاد.. كان علي الروبي من ضمن أعضاء ذلك المجلس العرفي .

وبعد إصدار الخِدِيو توفيق أمرًا بعزل عرابي؛ قام اللواءَ علي الروبي في المجلس العرفي خطيبًا، موضحًا دور عرابي في الدفاع عن الوطن وشرف الدين، مندِّدًا بالخِدِيو وأفعاله ومطالبًا بعزله لخروجه عن الدين وخيانة للوطن.. كونه يُريد تسليم البلاد للإنجليز، مؤكدًا ضرورة الاستمرار في الحرب حتى لا يدخل الإنجليز إلى البلاد ويهتكوا الأعراض ويدنسوا المقدسات، ما دفع الحاضرين للهتاف بحياة عرابي، والمطالبة ببقائه على رأس الجيش المصري!

في الإسكندرية، كان الأسطول الانجليزي جاهزًا لقصف المدينة تمهيدًا لاحتلال مصر كلها، منتهزين حالة الانفلات الحادثة بعد وقوع حالات قتلى في الشوارع بين المصريين والأجانب.. في أعقاب مشاجرة فردية بين رجل أجنبي من مالطا من أتباع الإنجليز، وبين “عربجي” مصري.

كما انتهزوا أيضًا فرصة قيام عرابي بتجديد بعض الطوابي وعمل الإصلاحات اللازمة بها، فتذرع قائد الأسطول الإنجليزي بأن تحصينات العُرابيين تُهدِّد أسطوله، وإذا لم يتم التوقف عن تقوية تلك الاستحكامات من غير إبطاء؛ فإن الأميرال “سيمور” قائد الأسطول الانجليزي، سيضطر إلى إطلاق مدافعه على الإسكندرية ويهدمها عن آخرها!

الأميرال سيمور
الأميرال سيمور

وفي صباح 10 يوليو أرسل الأميرال “سيمور” كتابًا إلى “طلبة عصمت” أحد القادة العرابيين، يطالبه بإنزال جميع مدافع طوابي الاستحكامات من طابية المكس إلى برج السلسلة، وأنه إذا امتنع عن ذلك فسيأمر بإطلاق الأسطول على المدينة.

ومع أن تنزيل المدافع أمر يصعب قبوله، فقد رأى العرابيون سدًّا لباب النزاع أن يقبلوا بتنزيل ثلاثة مدافع من ثلاث طواب، وأن يُكتفَى بذلك. لكن الأميرال لم يقبل ذلك العرض، وصمَّم على إنزال جميع المدافع وتسليمه بعض الأراضي، لاتخاذها معسكرًا لقواته. وإذا لم يُجَب مطلبُه فسيبدأ القتال عند طلوع شمس 11 يوليو.

اقرأ أيضًا: حسن طوبار.. شيخُ الصيادين الذي أحرج نابليون

ولما كانت تلك المطالب منافية لكل الأعراف ويَصعُب قبولُها، خاصة أن الفرمان السلطاني يحظر على الخِدِيو التفريط في إعطاء أي شبر من الأراضي المصرية إلى دولة أجنبية، فقد تقرر رفض طلبات الأميرال سيمور والاستعداد للدفاع عن البلاد، مع عدم مقابلة ضرب المدافع بالمِثل إلا بعد خمس طلقات من مدافع الأسطول.

ونفذ سيمور تهديده، وبدأ في ضرب الإسكندرية في الساعة السابعة من صباح 11 يوليو 1882م بأن فتحت سفن الأسطول الإنجليزي نيرانها على القلاع والسفن، بعد أن غادر الأسطول الفرنسي – بأوامر من حكومته ميناءَ الإسكندرية – منتقلا إلى بور سعيد، تاركًا للأسطول الإنجليزي الحبل على الغارب. ولكي يجعل الإنجليز عملَهم العسكري ذا طبيعة شرعية، عرضوا على الخِدِيو توفيق الضيافة على ظهر إحدى سفنهم حتى ينتهي الضرب، لكنه اعتذر.

واستمر الأسطول الإنجليزي في قصف الإسكندرية قرابة عشر ساعات؛ تمكَّن خلالها من إسكات المدفعية الساحلية المصرية، وتخريب الاستحكامات بالمدينة، وهدم وإحراق معظم مبانيها!

وتطوع كثير من الرجال والنساء في خِدْمة المجاهدين ومساعدتهم بتقديم الذخائر الحربية، وتوفير الماء، وحمل الجرحى وتضميد جروحهم ونقلهم إلى المستشفيات. ويذكر عرابي في مذكراته، أن من استُشهد في ذلك اليوم من جميع القوات مائة رجل، وامرأتان من المتطوعات اللواتي يُضمِّدن جروح المصابين.

اقرأ أيضًا: الإمام المراغي.. مُعارِض الملك فاروق ومُجَابِه الصهيونية

الاستبسال في معركة التل الكبير

ولما نزلت القوات الإنجليزية إلى الإسكندرية، أظهر الخِدِيو انحيازه لها، وسارع هو وشيعته بتهئنتها، ووضع نفسَه تحت حمايتها! كما بعث برسالة إلى المصريين الذين هجروا الإسكندرية يطالبهم بالعودة إليها حين تستقر الأحوال.

وخلال الانسحاب، رأى العرابيون – من باب التكتيك العسكري – أن يَحرقوا المدينة وأن ينهبوها، حتى يجد الإنجليز صعوبات عند احتلالهم لها.

وبينما كان عرابي يستعد للدفاع عن البلاد ويُجهِّز قواته، أصدر الخِدِيو أمرًا بوقف الاستعدادات الحربية وإلغاء الأحكام العسكرية وإعادة الإدارة المدنية. وبعد ذلك أصدر أمرًا بعزل عرابي!

ولم يتمكَّن الإنجليز من اقتحام استحكامات العرابيين في كفر الدوار، وثبت لهم مقدرة الجندي المصري في الصمود وثباته وشجاعته، ولذلك أصدرت الحكومة البريطانية أوامرها في 22 يوليو 1882م إلى الأميرال سيمور بالتمهيد لاحتلال القنال.

كان اللواءَ علي الروبي في تلك الأثناء يتولى قيادة موقعة مريوط، ونجح هو وباقى القادة في صد الهجوم من ناحية الغرب؛ رغم أن عدد الجيش الإنجليزي كان ضعف عدد الجيش المصري. وبعد إصابة علي باشا فهمي؛ استدعاه عرابي في موقعة القصاصين الثانية، وعهد إليه بقيادة الجيش.

في معركة التل الكبير، وصل الروبي إلى خطوط الدفاع قبيل نشوب المعركة بوقت قصير، ولم تكن الخطوط مُحكمة الوضع؛ لأنها أقيمت على عجل، وليس بها العدد الكافي من الجُند لصدِّ هجمات الأعداءَ. وكان الجيش المصري في التل الكبير مؤلَّفًا من: أربعة وعشرين طابورًا، وثلاثة آلاف من الفرسان، وستة آلاف من البدو. وكان عرابي يُشرف على القتال، لكنه لم يتول القيادة الفعلية التي عُهد بها إلى علي باشا الروبي.

معركة التل الكبير
معركة التل الكبير

 

الروبي في مذكرات عرابي

وكتب عرابي  في  مذكراته عن معركة التل الكبير: “طلبتُ علي باشا الروبي “قومندان” مريوط ليتولى قيادة جيش رأس الوادي، فحضر في عصر الثلاثاء الموافق 28 شوال لسنة 1299 هجرية، 12 سبتمبر 1882م، وتوجَّه فورًا إلى المقدمة، فأمر بانتقال الأميرلاي علي بك يوسف حنفي، وعبد القادر بك عبد الصمد من الجناح الأيسر الذي كان مائلاً، إلى الوراءَ على شكل زاوية منفرجة ليحميَ المعسكر من هجوم العدو، ووضع القوات على استقامة الخط المستحكم الممتد من الترعة الحلوة إلى الجهة الشرقية. وأمر القائدين باتخاذ دورة خفيفة من التراب في أثناء الليل؛ فعمل عبد القادر بك عبد الصمد خط استحكام خفيفًا بعساكره؛ حيث كان في نهاية الجناح الأيسر. وتقدَّم أحمد بك عبد الغفار، وعبد الرحمن بك حسين، بالعساكر السواري والفرسان إلى الأمام على بُعد ألفي متر، ليمنعوا تقدم العدو إذا أراد الهجوم على معسكرنا.. لكن وامصيبتاه، خاب الأمل فيهما”.

استبسل المصريون في الدفاع، لكن قوة الإنجليز رجَّحت كفتهم في المعركة. وكان الروبي قد نقل مركز قيادته إلى بلبيس وأرسل إلى عرابي يُخطره بمقر القيادة الجديدة، فانتقل عرابي إلى هناك أيضًا.

اقرأ أيضًا: حكاية عمر بك لطفي.. أبو التعاونيات ومؤسس النادي الأهلي

أراد اللواءَ الروبي وباقي قوات الجيش منع تقدم جيش الغزاة، لكن الإنجليز لم يعطوهم الفرصة وطاردوهم. كانت خديعة ديلسبس لعرابي سببًا رئيسًا في هزيمته في التل الكبير. فقد نصح بعض الضباط الوطنيين عرابي بردم القناة، أو وضع الحواجز فيها لمنع عبور سفن الأسطول الإنجليزي. لكنه لم يستمع لنصائحهم، مؤمنًا بوعود ديلسبس له التي كانت تؤكد ضمان حياد المرور في القنال للجميع، وبضمانة منع الانجليز من اقتحام القناة ما دام فيه عرق ينبض!

فكان ذلك أحد الأخطاءَ الجسيمة التي غيَّرت مجرى الحرب. عندما اخترق الإنجليز القنال، ولم يستطع ديلسبس منعهم رغم احتجاجاته، خاصة أن الخِدِيو توفيق كان قد أصدر أمرًا مفاده أن أمير البحر الإنجليزي يقصد قمع العصاة، ولا يجب التعرض له، وتوعد كل من يخالف ذلك بالعقاب!

السبب الثاني المباشر في هزيمة عرابي وجيشه؛ هو تمكُّن الإنجليز – وبعد اتصالات مكثفة مع الدولة العثمانية – من استصدار منشور من السلطان بعصيان عرابي. والتزام الدولة العثمانية بالمحافظة على الخِدِيو، مما قلب ميزان الحماس الشعبي بامتناع التأييد الإسلامي للثورة العرابية.

وقد جعل ذلك عرابي في موقف شديد الصعوبة، خاصة أنه كان يعتقد أن ما يفعله ينال رضا السلطان. أي أن خليفة المسلمين انحاز للمحتل، على حساب الدفاع عن مصر!

أما السبب الرئيسي للهزيمة؛ فتمثَّل في خيانة عدد من الضباط وأركان الحرب الذين انحازوا للخديو. وقد عمل هؤلاءَ كمرشدين للإنجليز ومعهم عربان الهنادي!

وكان أشهر هؤلاء الخونة في صفوف المصريين: محمد سلطان باشا، والأميرلاي عبد الرحمن بك حسن الذي كانت مهمته حراسة الطريق؛ لكنه فتحه أمام الإنجليز!

وقد انسحب عرابي والروبي وباقي القادة إلى القاهرة ووصلوا إليها في 13 سبتمبر 1882م، وكان المجلس العرفي الذي يُدير شئون البلاد مجتمعًا. وقام عرابي بشرح كيف حدثت الهزيمة، ثم اتفقوا على كتابة عريضة استرحام. وبعد مشاورات وقَّع عليها عرابي ورفاقه، وأرسلوها إلى الخِدِيو بالإسكندرية.

كان اللواءَ علي باشا الروبي ضمن أعضاء الوفد الذين حملوا العريضة. ورفض توفيق قبولها، بل أمر بإلقاء القبض على حامليها، ثم أفرج عن بطرس باشا، ورؤف باشا.. مع إيداع على باشا الروبي السجن، وأمر بإلقاء القبض على أحمد عرابي ورفاقه من الثوار، وزعماء الأمة في: الجيش والأزهر والصحافة، وكذلك السياسيين والأعيان المساندين للثورة، تمهيدًا لمحاكمتهم جمعيًا!

الخديوي توفيق
الخديوي توفيق

اكتمال مشهد الهزيمة

في القاهرة؛ كانت معالم المشهد السياسي تتغيير بسرعة. فالثوار في السجون، والمصريون صامتون، والخونة والمنتفعون يحتفلون! وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، واعتُقل معظم الثوار؛ عاد الخِدِيوي من الإسكندرية إلى القاهرة في 25 سبتمبر 1882م. واستقبله على المحطَّة: سلطان باشا (رئيس مجلس النواب)، ورياض باشا، ووفود المهنئين المارقين. وصل توفيق إلى عاصمة حكمه في ظل حماية جيش الاحتلال البريطاني الذي اصطف منه خمسة آلاف جندي في المسافة ما بين المحطة إلى سراي الإسماعيلية!

وبين تلك القوات الخاصة المصطفة على جانبي الطرقات؛ سار موكب الخِدِيو وإلى جانبه في عربته “الدوق أوف كنوت” نجل الملكة فيكتوريا، وأمامه في العربة نفسِها: الجنرال “ولسلي”، والسير “إدوارد مالت”.. وكان ذلك المنظر المشين إعلانًا بوقوعه تحت حماية الإنجليز!

وبعد ثلاثة أيام فقط، أصدرت الحكومة أمرًا بتشكيل قومسيون لتحقيق إقامة الدعوى على كل من ارتكب جريمة العصيان والتعدي على السلطة الخِدِيوية؛ سواءً أكان مرتكبو تلك الجرائم مدنيين أو من العسكريين.

وصدرت الأوامر بتقديم عرابي وزملائه للمحاكمة، والقبض على أي شخص يرى “القومسيون” إقامة الدعوى عليه. كما أصدر الخِدِيو توفيق أمرًا بحل الجيش المصري، وصرف العساكر إلى بلادهم، وإلغاءَ الرُّتب العسكرية المعطاة خلال مدة الثورة!

وقد توسَّع المحققون – وكان معظهم من الشراكسة والأرناؤوط – الكارهين للثورة العرابية وللمصريين عمومًا، في  تلك المحاكمات؛ فشملت ما يزيد على الثلاثين ألفًا، لكن الرأي العام اهتم أكثر بسَيْر التحقيق مع الزعيم أحمد عرابي وباقي القادة الكبار: علي باشا فهمي، عبد العال حلمي، محمود فهمي المهندس، يعقوب سامي، طُلبة عصمت، علي باشا الروبي، محمود سامي البارودي، محمد عبده، عبد الله النديم.

في بداية الأمر؛ لم يَجر استجواب عرابي، بل تم استجواب زملائه أولاً حتى تُستغلَ إجاباتهم في الإيقاع به عند التحقيق معه.

وفي السادس من أكتوبر 1882م، بدأ التحقيق مع عرابي بحضور المحامي الإنجليزي “برودلي”، بعد أن خاف المحامي المصري “عبد الكريم ناجي” – الذي اختاره عرابي – في بداية الأمر؛ خشية بطش الخِدِيو به.

ومعلوم أنه صدر حكم بالإعدام في حق “عرابي” وعدد من القادة ، لكن الخِدِيو استبدل الحكم بالنفي إلى جزيرة سيلان لعرابي وستة من كبار القادة.

اقرأ أيضًا: أبو رجيلة.. إمبراطور الأتوبيسات وعاشق الزمالك

وقد نُفذ حكم الإعدام فعليًّا في اثنين من الضباط، بعد أن أدانتهما المحكمة بجريمة حرق الإسكندرية.

نفي البطل

أما اللواءَ علي باشا الروبي؛ فقد كان مصيره مختلفًا تمامًا. فمنذ البداية، رفض إجراءَ المحاكمة بالطريقة المُهينة التى جرت بها. ومعلوم أنه عمل فترة من حياته رئيسًا لمحكمة المنصورة، ثم رئيسًا لمحكمة مصر. كما رفض أن يُدافع عنه محامٍ إنجليزي؛ أسوة بعرابي وباقي القادة. وفي النهاية، كان مصيره حكمًا بالنفي لمدة عشرين عامًا إلى مدينة مصوع (ميناء في دولة إريتريا حاليًا) أقصى الجنوب الغربي للبحر الأحمر!

وقد مكث هناك عامين فقط، ولمرضه وضعف صحته؛ جرى نقلُه إلى مدينة سواكن (منفيًا تحت الملاحظة). وكانت حرارة الجو ونقص الرعاية الصحية، قد أودت ببصره بالتدريج.

كان علي الروبي متزوجًا من سيدة مصرية هي (أم النسا)، التي عاشت معه في مصر، لكنها لم تسافر بصحبته إلى مصوع أو سواكن. وبعد أن تقرر نفي الباشا ومصادرة أملاكه؛ قررت (أم النسا) – وكانت تمتلك مائة فدان في زمام مدينة ملوي بمحافظة المنيا – أن تترك الفيوم ومعها ابنها الوحيد سعيد الروبي، وعاشت في ملوي سنوات حتى هدأت الأحوال، ثم عادت إلى الفيوم مجدَّدًا. لكن بعد ذلك استقرت هي وابنُها في القاهرة .

وفي سواكن؛ تزوج علي باشا الروبي من سيدة سودانية، وأنجب ذرية كبيرة هناك. وفرع عائلة الروبي بالسودان ممتد، وقد تولَّى عدد منهم مناصب مرموقة في حكومة الخرطوم، وفي السلك الدبلوماسي السوداني. وهم يعلمون قصة جدِّهم الراحل الذي لم يساوم ولم يهادن، وأبَى أن يطلب العفو، أو حتى تخفيف عقوبته!

ثورة يوليو 52
ثورة يوليو 52

وتدور الأيام، وبعد ما يزيد على السبعة عقود على تلك الوقائع، تهتمُّ ثورة يوليو 52 بردِّ اعتبار عرابي ورفاقه، بإعادة أملاكهم التي صُودِرت إليهم. وفي عهد الرئيس الراحل أنور السادات؛ ظهرت دعوة كريمة بنقل رفات الزعماءَ الذين ماتوا في منفاهم في سيلان (سيريلانكا) أو السودان أو تركيا؛ ليُدفنوا في الوطن الذي دافعوا عنه.

والمنفيون إلى سيلان كانوا سبعة هم: أحمد عرابي، عبد العال حلمي، طُلبة عصمت، محمود سامي البارودي، محمود فهمي، يعقوب سامي، علي فهمي. والذين تُوفُّوا هناك هم: عبد العال حلمي، ومحمود فهمي، ويعقوب سامي، فيما عاد الباقون إلى مصر. ومات ودُفن عبد الله النديم في منفاه بتركيا. أما علي الروبي قائد الجيش في التل الكبير، فقد تُوفِّي في سواكن عام 1891م.

ومع مرور الأيام؛ خفتت الثورة ووهَجَها تدريجيًّا، وبقي الثوارُ هناك في قبورٍ مُوحشة وغريبة؛ بعيدًا عن الوطن!

سجل عائلة الروبي

وفقًا لتوثيقات عائلة الروبي؛ فإن العائلة تتصل بالنسب الشريف للإمام علي (رَضي الله عنه). وقد عرف الأبناء والأحفاد التعليم الأزهري قبل قرون طويلة، ومنهم لواءات بالجيش قديمًا وحديثًا. ومنهم العاملون في كل أنواع المعارف.

ومن رموز العائلة: الشيخ محمد الروبي الكبير من علماءَ الأزهر، والشيخ عبد الرحمن الروبي وأولاده وأحفاده، والشيخ حسن الروبي (نقيب الأشراف)، والشيخ حسين حسن الروبي (خطيب الجامع الأزهر سابقًا)، واللواءَ شاكر الروبي، والملازم علي الروبي (شهيد الوطن بفلسطين)، والقبطان إسماعيل الروبي (رئيس مرشدي القنال سابقًا)، ومحمد شاكر الروبي (من رجال الأعمال)، والأستاذ علي الروبي (الأستاذ بكلية الزراعة)، والدكتور عمر الروبي (أستاذ التحاليل بجامعة القاهرة)، وأسرة الشيخ محمود الروبي، وأسرة الشيخ علي منصور الروبي.

 وللشيخ محمد الروبي الكبير مقامٌ يُزَار ببلدية “دفنو” بمركز إطسا بالفيوم .

المصادر

  • مذكرات الزعيم أحمد عرابي (دار الكتب والوثائق القومية): دراسة وتحقيق د. عبد المنعم إبراهيم الجميعي.
  • نشأة الروح القومية المصرية: (سلسلة العلوم الاجتماعية – الهيئة العامة للكتاب)، تأليف: محمد صبري السوربوني.
  • موسوعة الفيوم: (سلسلة تاريخ وحضارات الفيوم)، الإشراف العام: الأنبا إبرام، أسقف الفيوم بحث جامعي بعنوان: “بطل حتى النهاية”، لأسماء شاكر الروبي (حفيدة اللواءَ علي الروبي).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى