قصص وتحقيقات

عُمّال “صعود آتون”.. الأبطال الحقيقيون لاكتشاف المدينة الذهبية المفقودة

في الثامن من أبريل الجاري أعلنت بعثة أثرية مصرية، برئاسة وزير الآثار الأسبق، زاهي حواس، اكتشاف مدينة تحت الرمال بالبر الغربي في الأقصر، جنوب مصر، يعود تاريخها إلى عهد الملك أمنحتب الثالث.. سُمي الاكتشاف بـ”المدينة الذهبية المفقودة”.

قبل ملايين السنين، وفي ظل حكم أمنحتب الثالث لمصر، اختار المصريون القدماء موقعًا متميزًا قرب شاطئ النيل بالبر الغربي لمدينة الأقصر حاليًا، لإنشاء مدينة كانت تسمى “صعود آتون”.. حاوطوها بسور ضخم، وصمموا بداخلها أبنية مخصصة للعديد من الصناعات، حتى بدت لنا بعد رحيلهم كـ”مستعمرة” أو مدينة عمال، سيكتشف أثرها بعد آلاف السنين عُمال!

غمرت رمال الصحراء مدينة العمال القديمة، فاختفت عن أنظار الأحفاد، قبل اكتشافها بما يعيد قراءة تاريخ الأجداد عبر أثر مدينة كانت حيّة قبل آلاف السنين.

اكتُشفت المدينة على يد عمال مصريين، عملوا قرابة ثمانية أشهر لاستخراج هذا الكنز المفقود، في مفارقةِ اكتشاف العمال الأحفاد لمدينة العمال الأجداد.

تتبعت “ذات مصر” قصة اكتشاف المدينة الذهبية المفقودة من خلال قصص عدد من هؤلاء العمال.

الريس علي القفطاوي.. أول من اكتشف المدينة الذهبية

علي فاروق السليك أو كما يلقبه العمال بـ”الريس علي القفطاوي”، المسؤول عن العمال في موقع اكتشاف المدينة الذهبية المفقودة تحت رمال البر الغربي في الأقصر.

40 عامًا قضاها رئيس عمال التنقيب بمنطقة آثار مصر العليا، في كشف أسرار آثار مصر القديمة أثناء العمل مع بعثات التنقيب المصرية والأجنبية في كثير من مناطق صعيد مصر وبعض مناطق الدلتا، رفقة أشقائه الستة، ومن قبلهم الوالد الذي أسهم في اكتشاف خبيئة معبد الأقصر عام 1989، والتي عثر فيها على 15 تمثالًا كاملًا لملوك وآلهة مصر القديمة أثناء عملية تنظيف وتسوية تربة المعبد.

لهذا، أطلق علماء الآثار على هذه الأسرة اسم “أسرة الأمارة”، لجهودهم الرئيسية في اكتشافات أثرية بارزة.

والأمارة تعبير دارج يطلق على كشّافي الآثار، حتى صارت أسرة القفطاوي علمًا على الأمارة والأمارة علم عليهم.

المدينة الذهبية المفقودة
الريس علي القفطاوي على يمين زاهي حواس بعد اكتشاف المدينة الذهبية المفقودة

عمل ابن قرية القلعة بمدينة قفط التابعة لمحافظة قنا، فنّي حفائر وترميم مع العديد من البعثات الأثرية، حتى التقى بزاهي حواس في 2007، ومن هنا بدأت رحلة جديدة من الاكتشافات أمام القفطاوي: “أنا أول من اكتشف مدينة أمنحتب الثالث في البر الغربي”.

في سبتمبر الماضي بدأ الريس علي ورجاله العمل في تنظيف ثلاثة معابد شمال معبد هابو بالأقصر، في محاولة منهم للعثور على اكتشاف جديد في تلك المنطقة، خاصة أنّ البعثة التي عملت قبلهم في نفس المنطقة، غادرت دون ترميم المعابد أو محاولة اكتشاف أجزاء جديدة منها.. لم يتخيّل علي ورفاقه أن في انتظارهم كشفًا كبيرًا.

في الـ12 ظهرًا وعلى مسافة قريبة من معبد هابو، سار علي مع أحد أعضاء البعثة الأثرية التي كانت تعمل في المعبد القديم، يتحسسون الطريق المؤدي إلى وادي الملكات.. على مرمى بصره، لاحظ صاحب الـ55 عامًا اختلافًا في الأرض، كأنّ هناك شيئًا تحتها يجعلها بارزة.. وبعصاه التي لا تفارقه، رسم أربع مربعات ليحدد بها المكان.

تحت تلك المربعات التي رسمها الريس علي القفطاوي، كان الاكتشاف العظيم، مدينة العمال، أو المدينة الذهبية المفقودة، والتي تعود إلى عهد الملك أمنحتب الثالث، تاسع فراعنة الأسرة الـ18، والذي حكم مصر في القرن الـ14 قبل الميلاد.

بدأت ملامح المدينة المفقودة في الظهور على يد القفطاوي بطوبة لبنة رأى القفطاوي أنها تختلف عن الطوب اللبن الحديث.. كانت صفراء بدرجة رمال الصحراء: “قررت أتتبع آثار الطوبة.. نضفت وراها، وحطيت إيدي على ملامح الغرفة الأولى في المدينة”، يقول الريس علي لـ”ذات مصر”.

اقرأ أيضًا: إلام ترمز اللحية المستعارة في مصر القديمة؟

مباشرةً انتقلت بعثة أثرية برئاسة زاهي حواس و40 عاملًا يترأسهم علي القفطاوي لاستكمال مهام التنقيب في الموقع الأثري.

يروي لنا الريس علي تفاصيل الكشف الأثري، التي ربما لم توثقها الكاميرات بصورة كافية:

جدران ملتوية على هيئة زجزاج، غرف تحوي بقايا من صناعات الأحذية والصنادل والفخار، خواتم وأحجار منحوتة وقوالب لصناعة الطوب، وأسماء مهنيين وصنايعية حفرت على الفخار، من بينها اسم جزّار المدينة.. “طوال 40 سنة اكتشفت مقابر وتوابيت وتماثيل.. لكن المدينة دي غيرهم كلهم”.

المدينة الذهبية المفقودة
لقطة واسعة للمدينة الذهبية المفقودة بعد اكتشافها

وعلى مدار 25 عامًا قضاها القفطاوي في مدينة الأقصر مشتغلًا في التنقيب عن الآثار، علّم العديد من أبناء المدينة ليشتغلوا تحت رياسته، بعد أن كان جميع من يعملون معه من مدينته قفط، لكن لظروف المعيشة وقلة الأجور، واجهوا صعوبة في ترك مدينتهم والانتقال للأقصر، فلجأ الريس علي لأبناء الأقصر أنفسهم.

أخيرًا، يتوقع الريس علي أنه لا يزال هناك الكثير لم يكشف عنه في المدينة الذهبية: “هناك مزيد من الأسرار”. يستكمل الريس علي وزملاؤه العمال العمل للوصول إلى خبايا الأرض من آثار حضارة قامت هنا قبل آلاف السنين.

خالد.. فني إحياء الفخار

قبل 22 عامًا، وحين كان لا يزال في الـ20 من عمره، قرر خالد المضي في طريق كثير من أبناء عمومته بالعمل مع البعثات الأثرية في محافظته الأقصر.

بدأ خالد حياته المهنية عتالًا، يحمل على كتفه المقاطف الممتلئة برمال الصحراء المزاحة عن المواقع.. بمرور الوقت واكتساب مزيد من الخبرة والمهارات، تدرج في المهنة، حتى صار أحد أهم عمال تجميع الفخار في المناطق الأثرية المكتشفة حديثًا، وهكذا كان ضمن العمال في موقع المدينة الذهبية المفقودة.

عمل خالد مع العديد من البعثات الأثرية الأجنبية والمصرية، في عدد من أبرز المواقع الأثرية، مثل وادي القرود، غربي مدينة الأقصر، حيث عمل هناك لثلاث سنوات، قبل اكتشاف مدينة العمال بـ”الصدفة” حسبما يقول.

قضى خالد في الموقع ثمانية أشهر.. بدأ في اليوم الأول باستخدام المسطرين لإظهار الجدران، بالرغم من أنّ مهمته تحديدًا كانت استخراج وتجميع وترميم الفخار من الموقع، لكنّه كان يساعد رفاقه حتى ينتهوا سريعًا من عملهم.

ومع بداية ظهور الملامح الأولى لأول قطعة فخار في الموقع، ترك خالد المسطرين وبدأ في مهمة تجميع وترميم الفخار.

على مدار أكثر من 20 عامًا قضاها خالد في ترميم الفخار الأثري، لم يشاهد إناءً بهذا الحجم، وهو أول إناء استخرج من المدينة المكتشفة.

تمكن خالد من جمع قطعه وترميمه.. أُلقي الضوء على الإناء في أحاديث المسؤولين عن البعثة لوسائل الإعلام.

المدينة الذهبية المفقودة
خالد يرمم الإناء الأثري المكتشف في المدينة الذهبية المفقودة

يعمل خالد باليومية، ورغم جهوده التي لا غنى عنها في الكشوف الأثرية، يرى أنه “مش واخد حقه كفاية”.

يبدأ عمل خالد مع ظهور أول قطعة فخارية.. يحمل أدواته وينزل إلى الموقع لجمع القطع وترتيبها ثم ترميمها.. عليه ألا يترك أي قطعة، عليه أن ينتبه لكل جزء فخاري.. يعمل كصيّاد في بحر من الرمال.

كان اكتشاف مدينة العمال أو المدينة الذهبية المفقودة، والتي تعرف أيضًا بمدينة أمنحتب الثالث، ذروة جهوده في الكشوف الأثرية، كونها مدينة صناعية، جزء كبير منها كان مخصصًا لصناعة الفخار.

لدى خالد ابنان هما يوسف وأحمد.. يقول إن كل إناء فخاري يرممه، يكون بمثابة ابن جديد له.

محمود.. صاحب المقطف

مثل الجميع هنا، يعمل محمد (19 عامًا) عاملًا باليومية.. يحمل على كتفه اليسرى مقطفا يجوب به موقع العمل ذهابًا وإيابًا، محملًا بالرمال المزاحة.

قبل ثلاث سنوات، بدأ محمد طريق العمل مع البعثات الأثرية، بغرض توفير مصاريف دراسته في معهد السياحة والفنادق.

كان العمل في الكشف الأثري عن المدينة الذهبية تجربة جديدة بالنسبة لمحمد الذي اعتاد العمل رفقة بعثات أجنبية.

كانت هذه المرة هي الأولى التي يعمل فيها مع بعثة مصرية.. يقول: “اشتغلنا بضمير أوي، بخلاف البعثات الأجنبية.. كنا على راحتنا أكتر”.

مدينة أمنحتب الثالث
محمد، عامل المقطف في اكتشاف المدينة الذهبية المفقودة

لصغر سنه وقلة خبرته بالمقارنة بالأقدمين في الكار، يعمل محمد شيالًا للرمال.. تعد هذه المهمة الأكثر جهدًا ومشقة بدنية.. يرفع المقاطف على كتفه، يسير بها محملة بالرمال التي عليه إلقاؤها بعيدًا عن الموقع بما يكفي.. بعد انتهاء ساعات العمل، يذاكر محمد دروسه في ما تبقى من وقت اليوم.

المدينة الذهبية اكتشاف جديد تمامًا

بعد الإعلان عن اكتشاف المدينة الذهبية المفقودة، تردد حديث عن أنه سبق اكتشافها قبل 100 عام.. شرح لنا محمد، ومن قبله الريس علي، حقيقة الأمر.

بالفعل عثر على موقع أثري قبل نحو 100 عام، في منطقة قريبة من المنطقة التي عثر فيها على المدينة الذهبية، لكنه ليس المدينة الذهبية، وإنما كشف آخر أطلق عليه “الملقطة”، أقرب للمعبد الجنائزي.

اقرأ أيضًا: منابر المماليك.. آثار خالدة في قلب قاهرة المعز

و”الملقطة” اكتشاف عثر على أجزاء منه أول مرة عام 1888، ثم توالت البعثات عليه.. وهو عبارة عن مجمع قصور بني في عهد أمنحتب الثالث أيضًا على مقربة من مدينة هابو.

يقترب اكتشاف مدينة العمال في الشبه من اكتشاف الملقطة. وما يفسر ذلك أن مدينة العمال والملقطة تعودان لعهد نفس الملك، أمنحتب الثالث، غير أن مدينة العمال تحتوي على آثار صناعية لم يعثر على مثلها في الملقطة، فضلًا عن أن مساحة المدينة أكبر بكثير من مساحة الملقطة.. إذًا، كانت الملقطة قصورًا، وكانت المدينة، القريبة منها، مخصصة للعمال.

سارة أبو شادي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى